حين يفيض الحزن... لا يقف في وجهه سدّ
يمكن للإنسان أن يشيد سدًّا في وجه النهر، وأن يرفع جدارًا في وجه الريح، وأن يحاصر الموج إذا هاج، ويكسر شوكة العاصفة إذا ثارت؛ لكنه، مهما بلغ من قوةٍ أو حكمة، لن يستطيع أن يبني سدًّا في وجه الحزن إذا فاض.
فالحزن ليس ماءً يُحبس، ولا ريحًا تُردّ، ولا نارًا تُطفأ بقطرة. إنه بحرٌ إذا مدّ أمواجه، غمر الشواطئ والقلوب، وسرى في الروح سريان الضوء في الفجر، أو الظل في المساء. يدخل بصمت، ويقيم بثقل، ويرحل حين يشاء، لا حين نشاء.
ما أعجب هذا القلب! يبتسم وفي أعماقه غصّة، ويضحك وفي صوته رجفة، ويبدو قويًّا وهو في الحقيقة هشٌّ كغصنٍ يراقصه النسيم. يجمع بين القوة والضعف، وبين الصبر والانكسار، وبين الرجاء واليأس، في طباقٍ بديعٍ لا يعرفه إلا من ذاق مرارة الفقد وحلاوة الأمل.
قد نبني القصور، لكننا نعجز عن ترميم صدعٍ صغير في القلب. وقد نملك مفاتيح المدن، لكننا لا نملك مفتاحًا واحدًا لباب الحزن إذا أوصد نفسه. فشتّان بين ما تبنيه اليد، وما تهدمه الآهات؛ وبين ما يراه البصر، وما تخفيه البصيرة.
وحين يفيض الحزن، لا يستأذن قلبًا، ولا يراعي وقتًا، ولا يفرّق بين غنيٍّ وفقير، ولا بين قويٍّ وضعيف. يزور الجميع، لكنه يختلف في المقام؛ فمن الناس من يجعله معبرًا، ومنهم من يجعله مستقرًّا. ومنهم من يحوّل دموعه إلى ينابيع حكمة، وآلامه إلى حدائق صبر، وجراحه إلى أجنحةٍ تعلّمه كيف يحلّق فوق الألم، لا أن يغرق فيه.
ولعلّ أجمل ما في الحزن أنه، رغم قسوته، يعلّم القلب كيف يرقّ، ويعلّم الروح كيف تسمو، ويكشف للإنسان وجوه المحبة الصادقة بعد أن تسقط الأقنعة الزائفة. فهو يأخذ بيد القلب إلى أعماقه، ليعيده أكثر صفاءً، وأشدّ إحساسًا، وأصدق نبضًا.
إن القمر، مهما حُجب بسحابة، لا يفقد نوره، وإنما يؤخر ظهوره. وكذلك القلب، مهما غمره الحزن، لا يفقد قدرته على الحب، وإنما ينتظر فجرًا جديدًا يبدّد عتمته. فما بين الليل والصبح وعدٌ، وما بين الدمع والبسمة عهدٌ، وما بين الانكسار والشفاء طريقٌ لا يقطعه إلا الصابرون.
فلا تخشَ الحزن إذا أقبل، ولا تلعنه إذا أقام؛ فهو، وإن كان ثقيل الخطى، يحمل في طياته رسالةً خفية: أن القلب الذي يحزن بصدق، هو القلب الذي أحبّ بصدق. وأن الأرواح العظيمة لا تصنعها الأفراح وحدها، بل تصقلها الأحزان كما يصقل اللهب الذهب، فيخرج أنقى وأبهى وأثمن.
لهذا، يمكن للإنسان أن يبني سدًّا في وجه القمر لو شاء الخيال، وأن يحجب ضوءه عن عينٍ أو نافذة؛ لكنه لن يبني سدًّا في وجه الحزن إذا فاض، لأن الحزن نهرٌ يسكن الأعماق، لا السهول، ويولد في القلب قبل أن تراه العيون، ولا ينتهي إلا حين يلامس القلب يقينُ الرحمة، وتحتضنه يدُ الأمل.
فإذا فاض الحزن، فلا تقاومه بعنادٍ يكسرك، بل صافحه بصبرٍ يجبرك، ودعه يمرّ كما تمرّ الغيوم فوق السماء؛ فما من ليلٍ إلا ويعقبه فجر، وما من دمعةٍ إلا وتخبئ في آخرها ابتسامة، وما من قلبٍ أخلص للحب إلا وعاد إليه النور، ولو بعد حين.
#الحزن #مشاعر
