الشعراء اليهود العرب
ليس هذا العنوان محاولةً لالتقاط اسمٍ عابر من أسماء التاريخ، بل هو إضاءةٌ على صفحةٍ ظلّت طويلًا واقفةً على هامش القراءة، مع أنها تستحقّ أن تُقرأ في المتن لا في الهامش. فأنا حين أقول: الشعراء اليهود العرب، فإنما أعني أولئك الذين نطقوا بالعربية، وعاشوا في فضائها، ونسجوا خيالهم من ضوئها وظلالها، لا الشعراء الذين كتبوا بالعبرية أو بغيرها من اللغات. فالعربية هنا ليست مجرّد وعاءٍ لغوي، بل بيتٌ واسعٌ سكنت فيه أرواحٌ متعددة، واختلطت فيه الأصول، وتجاورت فيه الأنساب، وتصافحت فيه العقائد على الرغم مما كان بين الجماعات من تنافسٍ وخصومةٍ وتاريخٍ مثقلٍ بالوجع.
ولعلّ في هذا الموضوع ما يوقظ في النفس سؤالًا أعمق من مجرد تعداد أسماء الشعراء: كيف تُثمر الروح الشعرية في أرضٍ مضطربة؟ وكيف يحتفظ الشاعر بقدرته على الغناء وهو يعيش في ظلّ الخوف؟ وكيف تُنبت اللغة، وهي واحدة، أزهارًا مختلفةً في أفواهٍ شتّى؟ إنّ الحديث عن الشعراء اليهود العرب ليس حديثًا عن فئةٍ منسية فحسب، بل هو حديثٌ عن قدرة العربية نفسها على أن تكون وطنًا جماليًّا يتسع لمن عاش فيه، ودوّنه، وترنم على شواطئه، ولو كانت حياته مهددةً بالسيف أو بالغربة أو بالنسيان.
وقد خُيّل إلى كثيرين أن شعراء اليهود العرب قلّةٌ لا يكاد يذكر منهم التاريخ إلا اسمين: السموأل وابن سهل. غير أن البحث والاستقراء يكشفان لنا أن القائمة أوسع من ذلك، وأن الذاكرة الأدبية لم تحفظ إلا ما اتصل بالحوادث المشهورة أو بما نجا من يد الأيام. فنجد الربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران، وأبا قيس بن رفاعة، وأبا الذيال أو أبا الزناد، ودرهم بن زيد، وسُعيّة أو شُعبة أخا السموأل، وغير هؤلاء ممن أشارت إليهم الأخبار أو لمّحت إليهم الشذرات. وما ذلك إلا دليلٌ على أن كثيرًا من الشعر قد ضاع، لا لضعفه، بل لأن المحنة حين تنزل بالأمم لا تبقي لها من تراثها إلا ما كان أكثر التصاقًا بالذاكرة، وأشدّ اتصالًا بالحكاية.
وليس بعيدًا أن نفهم هذا الضياع إذا تذكرنا أن اليهود في جزيرة العرب وفي سواها كانوا عرضةً لموجاتٍ متتابعة من الاضطهاد والفرقة والاقتلاع. والأمم التي تُطارد في أوطانها لا تتاح لها تلك الطمأنينة التي تحفظ الشعر وتنسخ الدواوين وتجمع الأبيات. فالقصيدة تحتاج إلى يدٍ تُدوّنها كما تحتاج إلى صدرٍ يحتفظ بها، والكتاب لا يعيش طويلًا إذا كان صاحبه يعيش على حافة الخطر. لذلك فإن ما وصلنا من شعر هؤلاء الشعراء لا يمثل بالضرورة كل ما قالوه، بل يمثل الجزء الذي سمح به التاريخ أن ينجو من الحرق والتشتيت والانقطاع.
ثم إن من طبيعة التاريخ أن يكره الأصوات الضعيفة، ويعطف على الحوادث الكبيرة. فكم من شاعرٍ لم يُشهره إلا صدامٌ واحد، أو بيتٌ واحد، أو موقفٌ واحد، أو مصادفةٌ أخرجته من دائرة النسيان إلى ضوء الكتب! وهكذا كان شأن السموأل مثلًا، الذي ارتبط اسمه بالوفاء حتى صار مثلًا يُضرب، وشأن ابن سهل الذي حفظت له الأندلس لسانه ودمه، فصار مثالًا للشاعر الذي جمع بين رهافة الحسّ وشفافية العبارة. غير أن أهمية هذه الأسماء لا تكمن في ندرتها فحسب، بل في أنها تُثبت أن الشعر العربي لم يكن حكرًا على قبيلةٍ أو دينٍ أو طبقة، بل كان فنًّا مفتوحًا تفرعت فيه الأصوات كما تتفرع الأغصان من شجرةٍ واحدة.
وفي الحقيقة، إن الشعراء اليهود العرب كانوا جزءًا من بيئةٍ ثقافية واحدة، يتكلمون العربية، ويعيشون في أسواقها، ويعرفون أخبارها، ويحملون همومها، ويصيبهم من الفقر والغنى، والأمن والخوف، والحرب والسلم، ما يصيب غيرهم. ولم تكن الهوية عندهم حاجزًا صلبًا يعزلهم عن محيطهم، بل كانت أحيانًا قشرةً تاريخيةً رقيقةً فوق حياةٍ مشتركةٍ عميقة. وفي هذا المعنى يمكن القول إن التجربة الأدبية كانت أوسع من الانتماء الضيق، وأن اللغة أقوى من الحدود، وأن القصيدة حين تولد في قلب العربية تصبح عربيةً، مهما اختلفت الجذور الأولى لصاحبها.
ومن هنا تبدو لنا ملامح التفاعل الاجتماعي والفكري في تلك المرحلة. فاليهود في يثرب مثلًا كانوا جماعاتٍ ذات شأنٍ اقتصادي وعمراني، لهم حصونهم، وأموالهم، وأسواقهم، وصلاتهم بالعرب. وكانت الحياة بينهم وبين الأوس والخزرج حياةَ مجاورةٍ ومنافسةٍ ومصاهرةٍ وتوترٍ في آنٍ واحد. والمدينة نفسها، بما فيها من نخلٍ وحصونٍ وأسوارٍ وأطام، كانت مسرحًا لتداخل المصالح، لا مجرد موضعٍ جغرافي. لذلك فإن الشعر الذي يخرج من هذه البيئة لا يكون مجرد غزلٍ أو مديحٍ أو هجاء، بل يكون شاهدًا على أحوال المجتمع، وعلى ما يعتمل في داخله من قلقٍ اقتصادي، وتنافسٍ قبلي، وصراعٍ على المكانة، وتهديدٍ دائمٍ للأمان.
وقد حفظت بعض المصادر أخبارًا مؤلمة عن وقائع أصابت اليهود في يثرب، وأشارت إلى ما نالهم من قتلٍ وتشريدٍ وغلبة. ولسنا هنا بصدد إعادة سرد تلك الوقائع بوصفها حكايةً سياسيةً فحسب، بل بوصفها خلفيةً نفسيةً تُفسر لنا لماذا يقلّ الشعر، ولماذا لا يصل إلينا إلا متفرقًا، ولماذا يمرّ الأدب أحيانًا عبر شقوق الألم لا عبر أبواب الطمأنينة. فالشاعر في زمن الخوف لا يملك رفاهية التوثيق، بل يكتفي كثيرًا بأن يصرخ في بيتٍ أو بيتين، أو يرثي قومه بكلماتٍ قليلةٍ تحمل ما لا تحمله الصفحات الطويلة.
ومن أصدق ما وصلنا في هذا الباب ما رُوي من رثاء سارة القريظية، وهي صورةٌ نادرةٌ ومؤثرة لامرأةٍ يهوديةٍ تقف على حافة الفاجعة، فتجعل من الشعر وعاءً للدمع والذاكرة. تقول في بعض ما رثت به قومها:
بنفسي أمةٌ لم تُغنِ شيئًا بذي حُرُضٍ تُعفّيها الرياحُ
كهولٌ من قُريظة أتلفتهم سيوفُ الخزرجية والرماحُ
رُزئنا والرزيّة ذات ثقلٍ يَمَرُّ لأهلها الماءُ القراحُ
ولو أَرِبوا بأمرهمُ لجالت هنالك دونهم جأْوَى رَداحُ
وهنا تتجلى قدرة الشعر على أن يحوّل الخسارة إلى صورة، والصورة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى شهادة. فالأمّة التي تُعفّيها الرياح تصبح كأنها أثرٌ في التراب، والكهول الذين أتلفتهم السيوف يتحولون إلى علامةٍ على الفناء الجماعي. أما الرزية ذات الثقل فهي ليست حدثًا عابرًا، بل عبءٌ يمرّ حتى الماء من شدته في الحلق. وفي هذا المقطع نلمس كيف أن الشاعرة لم تكن تكتب خبرًا، بل كانت تصنع من الخبر جرحًا لغويًّا مفتوحًا. والشعر هنا ليس زخرفًا، بل مقاومةٌ ناعمة، وصياغةٌ للصدمة بلغةٍ تستطيع البقاء.
ولم يكن الرثاء وحده هو مجال حضورهم، بل كان لهم أيضًا موقفٌ في المديح والهجاء والاعتذار، شأنهم شأن سائر شعراء العرب. فقد رُوي أن رجلًا من اليهود أنشد معاتبًا مالك بن العجلان، فكان الجواب يحمل في طياته شحنةً من النزاع الاجتماعي الذي كان يختلط فيه الدين بالانتماء واللغة بالموقف. ومن هذه الشذرات نفهم أن العلاقات لم تكن بسيطة، بل كانت مشدودةً بين التعارف والخصومة، بين الجوار والاتهام، بين الكرم والجفوة. وهكذا تبدو القصيدة أحيانًا وثيقةً اجتماعية أكثر من كونها نصًا فنيًّا، لأنها تكشف ما تخفيه السياسة، وتفضح ما تستره المجاملة، وتقول ما تعجز عنه الرواية الرسمية.
ومع ذلك، فإن نظرةً عادلةً إلى هؤلاء القوم لا بد أن تستحضر ما شهد به بعض الشعراء أنفسهم من كريم صنيعهم، ومن ضيافتهم، ومن إحسانهم في زمن الجاهلية. فالعباس بن مرداس مثلًا لم يمنعه الخلاف من أن يشهد لبعضهم بالفضل، ويذكّر بكرمهم وإغاثتهم للمحتاج، وقتلهم للجوع حين كان المسغَب يهدد الناس. وهذه الشهادة بالذات مهمة لأنها تخرجنا من صورةٍ واحدةٍ قاتمة، وتعيد التوازن إلى المشهد. فالأمم لا تُختزل في خصوماتها، كما أن الجماعات لا تُعرَّف بحربٍ واحدة أو واقعةٍ واحدة، بل بما لها وما عليها، بما تتركه من أثرٍ في الجوار، وبما تمنحه من نفعٍ أو تخلّفه من ألم.
ومن أجمل ما يلفت النظر في قصة الشعراء اليهود العرب أن بعضها ارتبط بمعاني الوفاء والنجدة والحماية، وهي معانٍ أخلاقية تتجاوز الدين وتقترب من جوهر الإنسان. فالسموأل بقي في الذاكرة العربية مثالًا على الوفاء، لا لأن الناس أحبوا ديانته أو انتماءه، بل لأن الموقف الأخلاقي في ذاته فرض نفسه على الوجدان. وهكذا فإن الشعر، حين يبلغ مرتبةً عالية، لا يعود وثيقةً طائفيةً أو قبلية، بل يصبح ميثاقًا إنسانيًا. إن الشاعر الكبير هو ذاك الذي يرفع التجربة الخاصة إلى مقامٍ عام، فيجعل من بيته بيتًا لكل من عرف الخوف أو الوفاء أو الخيانة أو الرجاء.
ولذلك كله، فإن دراسة الشعراء اليهود العرب تفتح أمامنا بابًا أوسع من مجرد الإحصاء التاريخي. إنها تُعرّفنا على طبيعة الحضارة العربية في اتساعها، وعلى مرونة اللغة حين تحتضن المختلف، وعلى هشاشة الذاكرة حين تتعرض للعنف، وعلى قوة الفن حين ينجو من ذلك كله. كما أنها تردّ الاعتبار إلى نصوصٍ كثيرًا ما جرى التعامل معها بوصفها شذراتٍ هامشية، بينما هي في الحقيقة مرايا تعكس حياةً كاملة: اقتصادًا، وحربًا، وجوارًا، وحنينًا، وتهجيرًا، وتفاهمًا، وصراعًا.
إن هذا الباب من الأدب يعلّمنا أيضًا أن الشعر لا ينبت في الفراغ، بل يولد من الأرض التي تحت قدمي الشاعر، ومن الحرائق التي حوله، ومن الأسئلة التي لا يجد لها جوابًا إلا بالغناء. ولهذا كان الشعراء اليهود العرب جزءًا من نسيجٍ أوسع، لا يُفهم إلا إذا أعدنا قراءة التاريخ بعينٍ لا تكتفي بالصراع، بل تبحث عن الجمال الذي بقي رغم الصراع. فهم لم يكونوا ظلًّا على هامش الحضارة، بل لمعةً من لمعاتها، وإن خفتت، وشعاعًا من أشعتها، وإن انقطع عنه الغيم طويلًا.
وفي النهاية، يبقى الحديث عنهم دعوةً إلى الإنصاف، وإلى الإصغاء لما تقوله النصوص الصغيرة في زوايا الكتب القديمة. فكم من بيتٍ واحدٍ أعاد إلى الذاكرة أمةً بأكملها! وكم من رثاءٍ موجزٍ كشف تاريخًا من الألم! وكم من شاعرٍ منسيٍّ أعاد تعريف معنى الانتماء حين جعل اللغة وطنه الأخير! إن الشعراء اليهود العرب ليسوا مجرد أسماءٍ في فهرسٍ قديم، بل هم شهادةٌ على أن العربية كانت – وما تزال – بيتًا يفتح أبوابه للروح إذا أرادت أن تُغني، وللألم إذا أراد أن يتكلم، وللإنسان إذا أراد أن يترك أثره في مجرى الزمن.
وهكذا، فإن ما يخرج به القارئ من هذا الموضوع ليس مجرد معرفةٍ بعدد الشعراء أو بأسمائهم، بل شعورٌ أعمق: أن التاريخ الأدبي أرحب من الأحكام السريعة، وأن القصيدة يمكن أن تنجو من ركام السياسة، وأن الهوية حين تدخل حقل الفنّ تصبح أكثر إنسانيةً وأقل صخبًا. ومن هنا فإن الإنصاف الحقيقي لهؤلاء الشعراء لا يكون في ذكر أسمائهم فقط، بل في قراءتهم بوصفهم جزءًا من الروح العربية، ومن التجربة الإنسانية التي تتسع للكثير، وتبقى أسمى كلما ازداد فيها التنوع.
