جَمالُ العقلِ وسَلامةُ الرُّوح
ليسَتِ العَبرةُ بما تراهُ العيون، بل بما تُبصرهُ البصائر، وليسَتِ القِيمةُ فيما نرتدي من زينةٍ وثياب، بل فيما نحملهُ في القلبِ من نور، وفي العقلِ من حكمة، وفي الخُلقِ من أدب.
لَيسَ البَلِيَّةُ في أيّامِنا أمراً غريباً، فقد تعوّدَ الناسُ على تقلُّبِ الأحوال، وتبدُّلِ الوجوه، وتعاقُبِ الأفراحِ والأتراح. لكنَّ العجبَ كلَّ العجب أن يظلَّ الإنسانُ سالماً في قلبِه، نقيَّ السريرة، ثابتَ المبدأ، وسطَ رياحِ الفتنِ وعواصفِ الحياة.
كم تشبهُ الدنيا بحراً واسعاً تتلاطمُ أمواجُهُ في كلِّ حين، يعلو موجٌ ويهبطُ آخر، وتختلطُ فيهِ ألوانُ السماءِ بزرقةِ الماء. وفي خِضمِّ هذا البحر، تبقى السلامةُ لؤلؤةً نادرة، لا ينالُها إلا من حفظَ قلبَهُ من الضغينة، ولسانَهُ من الأذى، وعقلَهُ من الزلل.
فما أجملَ أن يعيشَ المرءُ بين الناسِ وقلبُهُ أبيضُ كالندى، وكلمتُهُ عذبةٌ كالماءِ الرقراق، وخطواتُهُ هادئةٌ كنسيمِ الفجر. هناكَ فقط يدركُ أنَّ السلامةَ ليست ضعفاً، بل قوّةٌ رقيقة، وأنَّ الصفحَ ليس انكساراً، بل انتصارٌ للنفسِ على نزواتِها.
وليسَ الجمالُ بما تُطرِّزهُ الأيدي على الثياب، ولا بما تلمعُ بهِ الحُلِيُّ في الأعناق، ولا بما تُزيّنهُ المرايا من صورٍ وألوان. فكلُّ جمالٍ خارجيٍّ يذبلُ مع الأيام، كما تذبلُ الوردةُ إذا غابَ عنها الماء، وكما يبهتُ الضوءُ إذا أدركهُ المساء.
إنَّ الجمالَ الحقَّ يسكنُ في العقولِ النيّرة، وفي الأرواحِ الراقية، وفي الأخلاقِ التي تُزهرُ أينما حلَّ صاحبُها. جمالُ العقلِ شمسٌ لا تغيب، وجمالُ الأدبِ عطرٌ لا يزول.
ما أبهى الإنسانَ حين يجمعُ بين العلمِ والتواضع، وبين الحكمةِ والرِّقة، وبين المعرفةِ وحُسنِ المعاملة. فإذا تحدّثَ أصغتِ القلوبُ قبل الآذان، وإذا ابتسمَ أشرقَ المكانُ كأنَّ صباحاً جديداً قد وُلدَ للتو.
فالعقلُ المضيءُ كالقنديلِ في ليلةٍ حالكة، يهدي السائرينَ إلى الطريق، والأدبُ الجميلُ كالغيثِ إذا هطل، يُحيي الأرضَ بعد جدبٍ طويل. وما أروعَ اجتماعَ النورِ والعطر؛ نورِ الفكرِ وعطرِ الخُلق.
إنَّ وجهاً جميلاً بلا خُلقٍ كزهرةٍ بلا شذى، وقصراً فخماً بلا روح. أمّا صاحبُ العقلِ والأدب، فإنَّ جمالَهُ يمتدُّ أبعدَ من الملامح، ويعبرُ حدودَ الزمانِ والمكان، فيسكنُ الذاكرةَ محبّةً، ويسكنُ القلوبَ تقديراً.
وليسَ اليتيمُ وحدَهُ من فقدَ أباً أو أمّاً، وإن كانَ فقدُ الوالدينِ جرحاً عميقاً يتركُ في القلبِ أثراً لا يُنسى. غيرَ أنَّ هناكَ يتمًا آخرَ أشدَّ ألماً وأبعدَ أثراً، إنَّهُ يُتمُ العلمِ والأدب.
كم من إنسانٍ يعيشُ بين الناسِ مكتملَ الهيئة، موفورَ المال، تحيطُ بهِ أسبابُ الراحة، لكنَّهُ محرومٌ من نورِ المعرفة، بعيدٌ عن فضائلِ الأخلاق، فيمضي في الحياةِ حائراً، وإن بدا في أعينِ الناسِ ناجحاً.
العلمُ أبٌ للعقول، والأدبُ أمٌّ للأرواح. فإذا غابَ أحدُهما عاشَ القلبُ غريباً، وإذا غابا معاً عاشَ الإنسانُ يتيماً وإن ازدحمَ حولهُ الأقرباءُ والأصدقاء.
العلمُ يفتحُ النوافذَ للضوء، ويكشفُ للإنسانِ أسرارَ الطريق، والأدبُ يعلّمهُ كيف يسيرُ في ذلك الطريقِ برفقٍ ورحمة. فبالعلمِ نعرف، وبالأدبِ نرتقي، وبين المعرفةِ والأخلاقِ تُبنى الحضاراتُ وتزدهرُ الأمم.
وما أجملَ طالبَ علمٍ يحملُ في يدِه كتاباً، وفي قلبِه تواضعاً، وفي لسانِه كلمةً طيبة. يقتبسُ من الحكمةِ نوراً، ومن التجاربِ بصيرة، ومن الأخلاقِ جناحينِ يحلّقُ بهما في سماءِ الحياة.
إنَّ الدنيا تُعطي الإنسانَ فرصاً كثيرةً ليتجمّلَ من الخارج، لكنَّ الفرصةَ الأثمنَ هي أن يتجمّلَ من الداخل. أن يُهذّبَ فكرَهُ، ويُنقّي قلبَهُ، ويُحسنَ خُلقَهُ، ويجعلَ من العلمِ رفيقاً لا يفارقه.
فما أروعَ العقلَ إذا ازدانتْ بهِ النفس، وما أروعَ الأدبَ إذا تعطّرتْ بهِ الكلمات، وما أروعَ العلمَ إذا اقترنَ بالعمل. تلكَ ثلاثيةُ الجمالِ الحقيقي: عقلٌ يُضيء، وقلبٌ يصفو، وخُلقٌ يسمو.
وحين يجتمعُ هذا الجمالُ في إنسان، يصبحُ كالبستانِ في ربيعِه؛ أزهارُهُ معرفة، وأغصانُهُ أدب، وثمرُهُ خيرٌ يمتدُّ إلى الآخرين. يتركُ خلفهُ أثراً طيباً كالعطر، وذكراً حسناً كالأغنيةِ العذبة التي تبقى في الوجدان.
فيا مَن تبحثُ عن الجمال، لا تُطِلِ الوقوفَ أمامَ المرايا، بل قِفْ قليلاً أمامَ قلبِك وعقلِك. ازرعْ فيهما بذورَ المعرفة، واسقِهما بماءِ الأدب، واتركْ للشمسِ أن تنثرَ عليهما دفءَ الحكمة.
عندها ستدركُ أنَّ أجملَ الناسِ ليسَ أكثرَهم زينةً، بل أكثرَهم فضلاً، وأنقىهم سريرةً، وأرقَّهم خُلقاً. وستعلمُ أنَّ السلامةَ في زمنِ الاضطرابِ نعمة، وأنَّ جمالَ العقلِ تاج، وأنَّ العلمَ والأدبَ وطنٌ لا يعرفُ اليُتم.
وهكذا يبقى الإنسانُ جميلاً ما دامَ قلبُهُ عامراً بالمحبّة، وعقلُهُ مُشرقاً بالعلم، ولسانُهُ مُعطّراً بالأدب؛ فذلكَ هو الجمالُ الذي لا يذبل، والنورُ الذي لا ينطفئ، والكنزُ الذي يزدادُ قيمةً كلّما مرَّتِ الأعوام,
