خبر عاجل العالم يركض خلف الشريط الأحمر

خبر عاجل العالم يركض خلف الشريط الأحمر
في أسفل شاشة التلفاز يعيش كائن صغير لا ينام. لا يملك بيتًا ولا وطنًا ولا ذاكرة، لكنه يملك سلطة تفوق أحيانًا سلطة الملوك والرؤساء. إنه ذلك الشريط الأحمر الذي يزحف تحت الصور والكلمات، حاملًا عبارة واحدة تتكرر كأنها تعويذة سحرية: "خبر عاجل". وما إن تظهر هذه العبارة حتى تتسع العيون، وتتوقف الملاعق في منتصف الطريق إلى الأفواه، ويشعر الإنسان المعاصر أن الكون قد قرر تغيير قوانينه خلال الدقائق القادمة. لكن السؤال الذي لا يطرحه أحد هو: هل الخبر عاجل فعلًا؟ أم أن العجلة هي المرض الوحيد الذي أصاب هذا العصر؟ في مدينة الأرض الكبرى، حيث تتجاور الحروب مع الإعلانات التجارية، والمجازر مع نشرات الطقس، جلس العالم أمام شاشته العملاقة ينتظر الجرعة اليومية من المفاجآت. ظهر الشريط الأحمر أولًا: خبر عاجل: الرئيس ترمب يعلن القبض على رئيس فنزويلا بملابسه الداخلية واقتياده إلى أمريكا للمحاكمة. ضحك العالم قليلًا، ثم تابع مشاهدة الخبر كأنه يشاهد حلقة جديدة من مسلسل طويل. لم يعد أحد يهتم بالسياسة بوصفها إدارة لشؤون البشر، بل تحولت إلى مسرح هائل تتنافس فيه الشخصيات على صناعة المشهد الأكثر غرابة. لقد أصبح الزي الرسمي للرؤساء أقل أهمية من الملابس التي يُقبض عليهم بها. فالإنسان الحديث لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الصورة. والصورة كلما كانت أكثر غرابة، كانت أكثر قابلية للانتشار. ثم تحرك الشريط الأحمر من جديد: خبر عاجل: إسرائيل دمرت غزة وقتلت الآلاف بحجة القضاء على حماس. هنا خيم الصمت لحظة. لكن الصمت لم يدم طويلًا. فالعالم اعتاد المأساة كما يعتاد المرء صوت المكيف في الصيف. يسمعه دون أن ينتبه إليه. غزة، تلك البقعة الصغيرة التي تحولت إلى مختبر عالمي لاختبار حدود الألم البشري، كانت تخرج كل يوم من تحت الركام لتعلن أنها ما زالت حية. كانت الأبنية تسقط أسرع من سقوط أوراق الخريف، وكانت الأمهات يودعن أبناءهن أسرع مما تودع الشمس آخر خيوط النهار. ومع ذلك ظل السياسيون يتحدثون عن "العمليات الدقيقة". يا لها من دقة مذهلة! دقة تجعل الطفل هدفًا جانبيًا، والعجوز ضررًا عرضيًا، والمدينة كلها خطأً إحصائيًا. إن اللغة السياسية تمتلك موهبة عجيبة في تحويل الدم إلى مصطلح إداري. ثم ظهر خبر عاجل آخر: أعلنت أمريكا وإسرائيل الحرب على إيران بسبب محاولتها امتلاك أسلحة نووية وفق تقديرات المخابرات. وهنا دخل العالم الفصل القديم نفسه. الفصل الذي يعاد عرضه منذ عقود. بطل القصة دائمًا هو "الخطر القادم". والخطر القادم لا يصل أبدًا، لكنه يبقى قادمًا إلى الأبد. يشبه ذلك الوحش الأسطوري الذي يحدثون الأطفال عنه كي يناموا مبكرًا، إلا أن الأطفال هذه المرة هم شعوب بأكملها. ولأن المسرحية يجب أن تستمر، انطلقت الصواريخ والمسيرات. أطلقت إيران بعض الصواريخ نحو القواعد الأمريكية في الخليج. وأطلقت إسرائيل اعتراضاتها. وأطلقت القنوات الفضائية محلليها. وأطلقت مواقع التواصل خبراءها العسكريين الذين كانوا قبل أسبوع خبراء في كرة القدم، وقبل شهر خبراء في الاقتصاد، وقبل سنة خبراء في الأوبئة. أما الصواريخ نفسها فقد بدت أكثر حكمة من البشر. فكثير منها سقط في أماكن غير مأهولة. وكأن الحديد المسلح صار أكثر رحمة من صناع القرار. ثم جاء الخبر التالي: الحوثيون أطلقوا صواريخ سقطت في أماكن غير مأهولة. وكأن الأماكن غير المأهولة أصبحت أكثر سكان العالم تعرضًا للهجوم. لو امتلكت هذه الصحارى والجبال حق الكلام لاحتجت أمام الأمم المتحدة على كثرة الاعتداءات التي تتعرض لها. ثم ظهر الشريط مجددًا: أمريكا تعلن ضرب الحوثيين بسبب جرأتهم على استهداف إسرائيل. وهنا ابتسمت السخرية ابتسامتها القديمة. ففي هذا العالم توجد دول كثيرة، لكن بعضها يولد وفي يده شهادة حصانة أبدية. إذا تألمت صرخت الدنيا. وإذا تألم غيرها، عقدت لجنة لدراسة الألم. ثم خرج الخبر التالي: حزب الله يطلق صواريخ سقطت في أماكن غير مأهولة. يا لهذه الأماكن المسكينة! أصبحت بطلًا مجهولًا لكل حروب الشرق الأوسط. كل الأطراف تقاتلها، وهي لا ترد. كل الجيوش تنتصر عليها، وهي لا تعترض. ربما لأنها الوحيدة التي فهمت عبثية المشهد. ثم أعلنت أمريكا إرسال أحدث الطائرات والأسلحة إلى إسرائيل. وكأن التكنولوجيا الحديثة قررت أن تجد لنفسها وظيفة جديدة. فالذكاء الاصطناعي يصنع برامج تتحدث مع البشر، والصواريخ الذكية تصنع حفرًا أذكى في الأرض. تقدم مذهل حقًا. لقد تعلم الإنسان كيف يرسل مركبة إلى المريخ، لكنه ما زال عاجزًا عن إرسال قليل من الحكمة إلى نفسه. ثم ظهر خبر آخر: إسرائيل تقرر توسيع عملياتها العسكرية في جنوب لبنان. وفي هذه اللحظة بدت المنطقة كلها كبيت قديم اشتعلت فيه النار، بينما يجلس الجيران يتناقشون حول لون الدخان. كل طرف يشرح أسباب الحريق. ولا أحد يحمل دلو الماء. ومرت سنتان ونصف على الحرب. قُتل قادة. واختفى قادة. وظهر قادة جدد. أما الفكرة نفسها فبقيت حية. وهنا تكمن المفارقة التي لا يفهمها كثير من الساسة. فالأفكار لا تموت بالقنابل. يمكن هدم بيت. يمكن تدمير شارع. يمكن إسقاط مدينة كاملة. لكن لا يمكن إسقاط فكرة بالطريقة نفسها التي يسقط بها جدار. ولهذا استمرت حماس رغم كل شيء. وليس لأن الحرب فشلت عسكريًا فقط، بل لأن البشر ليسوا قطع شطرنج يمكن إزالتها من اللوحة ثم اختفاء دوافعها ومشاعرها معها. ثم جاء الخبر الأكثر درامية: إسرائيل تقرر اغتيال قيادات الصف الأول والثاني في إيران. وكأن التاريخ يدور في حلقة مغلقة. كل جيل يظن أن التخلص من الأشخاص سيحل المشكلة. لكن المشكلة غالبًا تكون أعمق من الأشخاص. فالأشجار لا تتوقف عن النمو لأنك قطعت بعض الأغصان. ثم ظهر ترمب على الشاشة. وأعلن أن قادة إيران يتمتعون بالجهل والحماقة. وبعد ساعات قليلة ظهر خبر آخر. ترمب يطالب إيران وإسرائيل بوقف الهجمات لاستكمال مباحثات السلام. وهنا بلغت الكوميديا السياسية ذروتها. فالعالم الحديث يشبه طبيبًا يعطي مريضه القهوة ثم يطلب منه النوم. يشجع الصراع ثم يدعو إلى التهدئة. يصنع الأزمة ثم يعرض الوساطة. يشعل الحريق ثم يبيع طفايات الحريق. ويدفع فاتورة الإطفاء من جيوب الآخرين. أما أوروبا، فقد خرجت كالعادة ببيان أنيق. طالبت بهدنة. ثم هدنة أخرى. ثم هدنة ثالثة. لقد أصبحت الهدنة الأوروبية تشبه نشرات الطقس. تتكرر كل يوم. الجميع يسمعها. ولا أحد يبني قراراته عليها. وأخيرًا ظهر آخر الأخبار: ترمب يطالب إيران بدفع تعويضات للدول الخليجية المتضررة من الحرب. وهنا انتهى الشريط الأحمر. لكن المسرحية لم تنته. فالعالم لا يعيش أزمة صواريخ فقط. إنه يعيش أزمة عقل. أزمة منطق. أزمة إنسان يملك قدرة هائلة على التدمير وقدرة محدودة على الفهم. ومن الناحية النفسية، تبدو هذه الأخبار كلها وكأنها تعبير عن خوف جماعي مزمن. كل طرف يخشى الآخر إلى درجة أنه يصبح شبيهًا به. الخائف يسلح نفسه، فيخاف منه خصمه، فيتسلح أكثر، ثم يدخل الجميع في دائرة مغلقة من القلق والعداء. أما المواطن العادي، فيجلس أمام التلفاز يتابع الشريط الأحمر وهو يحتسي قهوته. يضحك أحيانًا. يغضب أحيانًا. يحزن أحيانًا. ثم يذهب إلى عمله في الصباح التالي. لأن الحياة أقوى من الأخبار. والبشر، رغم كل هذا الجنون، يواصلون الزراعة والحب والكتابة والغناء وتربية الأطفال. وربما هنا تكمن المعجزة الحقيقية. ليست في الصواريخ التي تعبر السماء. ولا في الطائرات التي تعبر القارات. ولا في السياسيين الذين يعبرون الشاشات. بل في الإنسان البسيط الذي يعبر يومه العادي، محتفظًا بقليل من الأمل وسط هذا الطوفان من الأخبار العاجلة. أما الشريط الأحمر، فسيظل يجري أسفل الشاشة. سيعلن غدًا خبرًا عاجلًا جديدًا. وسيعلن بعده خبرًا أعجل منه. ثم خبرًا أكثر استعجالًا. إلى أن يكتشف البشر يومًا أن أكثر الأخبار إلحاحًا لم يكن مكتوبًا على الشاشة أصلًا: خبر عاجل: الإنسانية ما زالت تبحث عن عقلها المفقود.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال