خيرُها في غيرِها
منذ الطفولة، كنّا نظنّ أن الحياة لعبةٌ طويلة، وأنّ الضحك هو الطريقة الوحيدة لهزيمة ثقل الأيام قبل أن نعرفها.
كبرنا في حارةٍ ضيقة، تتشابك فيها البيوت كما تتشابك أصابع الأمهات وقت الدعاء، وكانت صداقتنا أنا وعبد الرحيم تشبه تلك الأزقة؛ ملتوية، صاخبة، لكنها لا تنتهي إلى قطيعة.
اعتدنا المقالب كما يعتاد الناس شرب الشاي بعد الغروب.
نخفي نعال بعضنا عند باب المسجد، نبدّل السكر بالملح، نربط أبواب الدكاكين بخيطٍ رفيع فتتعالى الشتائم ثم الضحكات. وكان الكبار يضحكون معنا، كأنهم يرون في شغبنا حياةً تتحدى الفقر والملل.
ثم كبرنا. لكن شيئًا في داخلنا رفض أن يكبر حقًا.
دخلنا سنّ الشباب بأرواحٍ طائشة، لا نحمل للدنيا همًّا سوى كيف نقضي النهار بين المزاح و«البحيحة» والجدال العقيم والسهر الطويل على المقاهي.
كنّا نتخاصم بعنف، ثم نتصالح بسرعةٍ تثير الدهشة، كأن قلوبنا لم تُخلق للحقد أصلًا.
افترقنا في المدارس والطرق، لكنه بقي جاري وصديقي ورفيق فوضاي القديمة.
كنت أراه أكثر مما أرى نفسي.
حتى زوجتي كانت تقول أحيانًا بسخريةٍ لطيفة:
لو أنكما تزوجتما بعضكما لارتاح العالم منكما.
فنضحك جميعًا. لكن الضحك… أحيانًا يخبئ سكينًا صغيرة.
في ظهيرةٍ خانقة من صيفٍ ثقيل، عدت إلى البيت متعبًا.
كان الهواء راكدًا، والمروحة تدور كأنها تحتضر، ورائحة الطبيخ تتسلل من المطبخ ممتزجة برائحة الغبار الساخن.
استقبلتني زوجتي بوجهٍ غريب. لا هو غاضب تمامًا، ولا هادئ. وجهٌ يشبه سماءً تسبق العاصفة. قالت وهي تضغط على الكلمات:
وصلتك رسالة.
ناولَتني ظرفًا ورديّ اللون.
ابتسمت تلقائيًا، فقد بدا المشهد هزليًا منذ اللحظة الأولى. لكن ابتسامتي ذبلت حين فاحت من الظرف رائحة عطر نسائي ثقيل، رائحة حلوة إلى حدّ الريبة.
فتحت الرسالة.
كانت الكلمات مكتوبة بعناية مبالغ فيها:
“إلى من سرق قلبي منذ أول لقاء… لا أعرف كيف أعيش بعيدًا عنك… حبيبتك المخلصة… سمر.”
سمر؟
وقفت لحظةً أحدّق في الاسم كمن يحاول تذكّر حلمٍ قديم.
لا أعرف أيّ سمر في حياتي. ولا حتى نصف سمر.
لكن زوجتي لم تكن تنتظر تفسيرًا منطقيًا.
كانت النار قد اشتعلت بالفعل. صرخت:
إذًا كنتَ تخونني!
ضحكت رغم ارتباكي، وقلت:
والله لا أعرف من هذه!
لكن الضحكة في لحظات الغضب تبدو اعترافًا.
وفجأة تحوّل البيت إلى ساحة حرب.
طار الحذاء أولًا، ثم الملعقة الخشبية، ثم علبة البهارات، ثم وسادة الصالون.
كانت تضرب بعشوائية، والغضب يعمي عينيها حتى إن معظم الأشياء لم تصبني أصلًا، بل أصابت الجدران والمزهرية وصورة زفافنا المعلقة قرب الباب.
ووسط الفوضى، كنت أشعر بشيءٍ غريب. لم أكن غاضبًا منها. كنت خائفًا.
خائفًا من تلك الهشاشة التي يمكن أن تهدم بيتًا كاملًا بورقة وردية ورائحة عطر. كيف يمكن لحياةٍ كاملة أن ترتجف بسبب مزحة ؟ وكيف يمكن للثقة أن تكون بهذا الضعف ؟
كانت تبكي وهي تجمع ثيابها:
سأذهب إلى بيت أبي.
حينها فقط أدركت أن الأمر لم يعد مضحكًا.
وفي اللحظة الأخيرة، دخل عبد الرحيم.
كان يضحك. يضحك بصدقٍ أحمق، كطفلٍ نجحت لعبته أخيرًا.
قال وهو يمسح دموع الضحك:
يا جماعة… والله مقلب!
ساد الصمت.
ثم نظرت إليه زوجتي نظرةً جعلت ضحكته تتعثر في حلقه.
وجاء أهله بعد قليل، وتحول البيت إلى لجنة صلحٍ قبلية، وانتهت الأزمة أخيرًا، لكن شيئًا ما في داخلي انكسر.
في تلك الليلة، لم أنم. كنت مستلقيًا في الظلام، أحدّق في السقف، وأفكر:
لماذا أشعر بالإهانة ؟هل لأن زوجتي شكّت بي ؟ أم لأن صديقي عرف الطريق الأقصر لهدم راحتي ؟
ثم جاءني صوت داخلي خافت، مرير:
“لأنك اكتشفت أن حياتك ليست متينة كما كنت تظن.”
كان الليل ساكنًا إلا من نباح كلبٍ بعيد، وصوت تنفس زوجتي المتقطع من أثر البكاء.
وفجأة، شعرت بحاجةٍ وحشية للانتقام. ليس انتقامًا من الرسالة. بل من الإحساس الذي تركته داخلي.
في اليوم التالي، خرجت أبحث عن عبد الرحيم. كنت أعرف أين أجده دائمًا. المقهى القديم عند أول السوق، حيث يجلس مع أصدقائه ووجهاء الحي، يحتسون الشاي الثقيل ويتحدثون في السياسة والدين وأخبار الناس كأنهم يديرون العالم.
دخلت المقهى. رائحة الدخان والبن المحروق والنعناع ملأت المكان.أصوات النرد تتقاطع مع ضحكات الرجال، والملاعق الصغيرة ترنّ داخل الكؤوس.
ثم رأيته.
كان يجلس وظهره إلى الباب، يحرّك يديه بحماس وهو يحكي شيئًا أضحك الجالسين.
شعرت بحرارة تسري في صدري. قلت في نفسي:
“الآن فقط… سأجعله يتذوق طعم الإحراج.”
مشيت على أطراف قدمي كأنني لص. اقتربت.خطوة. ثم أخرى. حتى أصبحت خلفه مباشرة.
رفعت يدي بكل ما فيّ من غضب، وهويت بها على قفاه صفعةً مدوية. رنّ الصوت في المقهى كطلقة.
سكت الجميع. حتى الملاعق توقفت.
لكن… في اللحظة التالية، تجمد الدم في عروقي.
الرجل الذي التفت نحوي… لم يكن عبد الرحيم.
كان شابًا غريبًا، أحمر الوجه، عريض الكتفين، تتطاير الشرارات من عينيه.
أما عبد الرحيم… فكان يقف عند باب المقهى. وصل للتو.
نظر إليّ ثانيةً واحدة. ثم انفجر ضاحكًا حتى انحنى ظهره.
قال بين ضحكاته:
خيرها في غيرها!
أما الشاب المصفوع، فنهض ببطءٍ مخيف.
وفي تلك اللحظة تمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني.
بدأ يخلع عباءته وهو يقول:
تعال هنا يا محترم…
وتراجع جسدي تلقائيًا دون إرادة، بينما ضحكات المقهى ترتفع كالأمواج.
حتى أنا…ضحكت.ضحكت على نفسي، وعلى غبائي، وعلى هذه الحياة التي تعيد الصفعات إلى أصحابها بطريقةٍ ساخرة.
اقترب عبد الرحيم ووضع يده على كتفي، وقال بصوتٍ هادئ هذه المرة:
يبدو أننا تجاوزنا الحدود يا صاحبي.
نظرت إليه طويلًا.
ولأول مرة منذ عرفته، رأيت خلف ضحكاته رجلًا خائفًا مثلي. رجلًا يخشى أن يخسر صديق عمره بسبب مزحة.
جلسنا تلك الليلة صامتين أكثر مما تكلمنا. وكان الصمت بيننا أصدق من سنوات الضحك كلها.
قال بعد وقت:
هل تعرف ما المشكلة؟
قلت:
أننا لم نكبر أبدًا؟
ابتسم بحزن.
بل كبرنا… لكن أرواحنا تأخرت في الفهم.
ثم أشعل سيجارة، وحدّق في دخانها المتصاعد كأنه يراقب عمره.
وقال:
بعض القلوب لا تحتمل المزاح حين تتعبها الحياة.
كلماته أصابتني في مكانٍ عميق.
نعم. لم نعد أطفال الحارة القديمة. صرنا رجالًا نحمل بيوتًا وزوجاتٍ وخوفًا وأحلامًا مهددة بالسقوط. صار للمزاح ثمن. وللقلوب شقوق لا يراها أحد.
في طريق العودة إلى البيت، كان الليل باردًا على غير عادة الصيف.
المصابيح الصفراء تذوب فوق الإسفلت، والمدينة تبدو كعجوزٍ ساهرة تفكر في أخطائها القديمة.
سرت بجوار عبد الرحيم بصمت.
ثم قلت له:
نتعاهد؟
رفع حاجبه.
على ماذا؟
قلت مبتسمًا:
ألا نمارس أي مقلب بعد اليوم… حفاظًا على أرواح الأبرياء.
ضحك. ضحكت. لكن ضحكتنا هذه المرة كانت مختلفة. أهدأ. أنضج. كأنها خرجت من قلبين تعبا أخيرًا من العبث.
ومن يومها، لم نفعل أي مقلب. لا لأن الدعابة ماتت فينا…
بل لأننا أدركنا أن بعض الضحكات قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
