أيلول الأسود
حينَ تصادمتِ البنادقُ في ظلالِ العروبة
وتكسّرَ الحلمُ الفلسطينيُّ على أسوارِ عمّان
تمهيد
لم يكن أيلول الأسود مجردَ مواجهةٍ عسكريةٍ عابرة بين جيشٍ عربيٍّ وتنظيماتٍ فلسطينية، بل كان جرحًا مفتوحًا في الجسد العربي، لحظةً مأساويةً اختلطت فيها الراياتُ بالشظايا، والهتافاتُ بالمدافع، والأحلامُ الوطنيةُ بمرارةِ السلطة والخوف والاقتلاع.
هناك، فوقَ ترابِ الأردن، وفي الأزقّة الضيقة لمخيّمات عمّان والزرقاء وإربد، اصطدمت فكرتان كبيرتان: فكرة الدولة التي تخشى السقوط، وفكرة الثورة التي ترى نفسها أكبر من الحدود.
كان الشرق العربي آنذاك يعيش زمنَ الزلازل السياسية. فهزيمة حزيران 1967 لم تُسقط الجيوش العربية فحسب، بل أسقطت معها هيبة الأنظمة، وفتحت أبواب اليأس والغضب والتمرّد. وبين الركام، نهضت المقاومة الفلسطينية كأنها وعدٌ أخيرٌ للأمة؛ بندقيةٌ تبحث عن وطن، وصوتٌ يريد أن يثأر للهزيمة.
لكنَّ البندقية حين تُرفع داخل الوطن العربي نفسه، تتحوّل سريعًا من أداة مقاومة إلى مصدر خوفٍ وارتباك. وهكذا بدأ الطريق الطويل نحو أيلول الأسود؛ الطريق الذي سالت فيه الدماء العربية بأيدٍ عربية، حتى بدا المشهد كأن الأمة تأكل أبناءها تحت شعارات التحرير.
الأردن بعد النكسة: دولةٌ مثقلةٌ بالهزيمة والخوف
بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، فقد الأردن نصفَ جغرافيته تقريبًا، وفقد معها عمقه السكاني والسياسي.
لم تكن الضفة الغربية أرضًا عادية بالنسبة للمملكة الهاشمية؛ لقد كانت امتدادًا تاريخيًا واقتصاديًا وديمغرافيًا للأردن. ومع سقوطها السريع في حرب الأيام الستة، تدفقت موجاتٌ جديدة من اللاجئين الفلسطينيين إلى شرق الأردن، فتغيّرت البنية السكانية، وارتفعت حرارة الشارع العربي.
وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت التنظيمات الفلسطينية المسلحة تنقل قواعدها إلى الأردن، مستفيدةً من قربه الجغرافي من فلسطين المحتلة، ومن التعاطف الشعبي العربي الواسع معها.
كانت عمّان في أواخر الستينيات مدينةً متوترةً ومزدحمةً ومثقلةً بالأسئلة.
الجنود العائدون من الهزيمة، والفدائيون المتحمسون للثأر، واللاجئون الذين يحملون مفاتيح بيوتهم القديمة، كلُّ أولئك كانوا يعيشون في فضاءٍ واحد، لكن بأحلامٍ متناقضة.
وكان الملك حسين يدرك خطورة المشهد. فمن جهة، لا يستطيع معاداة المقاومة الفلسطينية علنًا لأن الشارع العربي كان يعتبرها رمز الكرامة بعد النكسة، ومن جهةٍ أخرى، كان يخشى أن تتحول تلك التنظيمات إلى سلطةٍ موازية تهدد وجود الدولة نفسها.
معركة الكرامة: حين وُلدت الأسطورة الفلسطينية
في الحادي والعشرين من مارس عام 1968، وقعت معركة الكرامة، وهي المعركة التي غيّرت شكل الصراع كله.
شنّت القوات الإسرائيلية هجومًا واسعًا على بلدة الكرامة الأردنية، بهدف تدمير قواعد الفدائيين الفلسطينيين. غير أن الجيش الأردني، إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين، خاض مواجهةً عنيفة أربكت الإسرائيليين وأوقعت في صفوفهم خسائر غير متوقعة.
ورغم أن إسرائيل حققت بعض أهدافها العسكرية، فإن الصورة التي خرجت إلى العالم العربي كانت مختلفة تمامًا.
للمرة الأولى منذ نكسة 1967، بدا أن الجيش الإسرائيلي ليس جيشًا لا يُهزم، وبدا الفدائي الفلسطيني بطلاً عربيًا جديدًا يحمل شرف الرد على الهزيمة.
تحوّلت الكرامة إلى أسطورة سياسية ونفسية.
ارتفعت صور ياسر عرفات في الشوارع العربية، وتدفقت الأموال والمتطوعون على معسكرات الفدائيين، حتى صار الأردن أشبه بقاعدة كبرى للمقاومة الفلسطينية.
لكنَّ النصر الرمزي حمل في داخله بذور الأزمة القادمة.
فمع تضخم نفوذ الفصائل الفلسطينية، بدأت سلطة الدولة الأردنية تتآكل تدريجيًا.
ظهرت الحواجز المسلحة في الطرقات، وانتشرت الأسلحة في المدن، وأصبح الفدائيون يتحركون بحرية واسعة، حتى بدا لبعض الأردنيين أن الدولة فقدت احتكارها للقوة.
وكانت المخيمات الفلسطينية تتحول شيئًا فشيئًا إلى “جزرٍ مستقلة” لا يدخلها الأمن الأردني بسهولة، بينما أخذت التنظيمات الراديكالية تتحدث علنًا عن “إسقاط النظام الرجعي” وتحويل الأردن إلى قاعدةٍ للثورة العربية.
دولةٌ داخل الدولة
بحلول عام 1970، كان الاحتقان قد بلغ ذروته.
لم تعد الأزمة مجرد خلافات أمنية محدودة، بل أصبحت صراعًا على السيادة والشرعية.
فالملك حسين رأى أن الدولة الأردنية تتآكل أمام تمدد الفصائل المسلحة، بينما كانت بعض التنظيمات الفلسطينية تعتبر أن الأردن جزءٌ من “فلسطين التاريخية”، وأن الثورة يجب أن تتجاوز الحدود السياسية القائمة.
وكانت الشوارع الأردنية تعيش حالة فوضى خانقة؛ اشتباكات متكررة، سيارات مسلحة، خطف، تفتيش، وإهانات متبادلة بين الجنود والفدائيين.
وفي المقاهي والأسواق، انقسم الناس بين مؤيدٍ للمقاومة يرى فيها شرف الأمة الأخير، وبين خائفٍ من انهيار الدولة واندلاع حرب أهلية شاملة.
لقد صار الأردن يقف فوق برميل بارود.
وكان الملك حسين يتحرك بحذرٍ شديد. فأيُّ مواجهةٍ واسعة مع الفصائل الفلسطينية قد تُصوَّر عربيًا باعتبارها حربًا ضد الشعب الفلسطيني نفسه، لكن السكوت أكثر كان يعني تآكل سلطة النظام وربما سقوطه.
خطف الطائرات: الشرارة التي أشعلت الجحيم
في سبتمبر 1970، وصلت الأزمة إلى لحظة الانفجار.
نفّذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سلسلة عمليات خطف لطائرات مدنية أجنبية، وأجبرتها على الهبوط في ميدان داوسون الصحراوي قرب الزرقاء.
كانت الصور صادمة للعالم كله:
طائراتٌ مختطفة، رهائن أجانب، ومسلحون يرفعون البنادق أمام عدسات الصحافة الدولية، قبل أن تُفجّر الطائرات علنًا في مشهدٍ استعراضي بالغ الخطورة.
بالنسبة للملك حسين، لم يعد الأمر مجرد تجاوزات أمنية، بل بدا وكأن هيبة الدولة الأردنية قد سقطت بالكامل أمام العالم.
وهنا اتُّخذ القرار الحاسم.
أيلول الدم: حين احترقت عمّان
في السابع عشر من سبتمبر 1970، تحرك الجيش الأردني بقوة واسعة نحو المدن والمخيمات التي تتمركز فيها الفصائل الفلسطينية.
استيقظت عمّان على هدير الدبابات، وعلى أصوات المدافع الثقيلة وهي تمزق الليل والبيوت والطرقات.
تحولت المخيمات إلى ساحات حرب حقيقية، وامتلأت الشوارع بالدخان والجثث والركام.
كانت المعارك قاسية وعنيفة. الفدائيون قاتلوا بشراسة، والجيش الأردني استخدم قوة نارية ضخمة لحسم المعركة سريعًا.
وفي مخيم الوحدات ومخيم الحسين والزرقاء وإربد، سقط مئات المدنيين بين نارين؛
نار الدولة التي أرادت استعادة سلطتها، ونار الثورة التي رفضت التراجع.
بدت عمّان آنذاك مدينةً مذبوحة. المآذن تختلط بأصوات الرصاص، والنساء يركضن بين الأزقة بحثًا عن الأطفال، والمستشفيات تغصّ بالجرحى، فيما كانت الإذاعات العربية تصبّ الزيت على النار بخطاباتٍ حماسية تتحدث عن “الثورة” و”الخيانة” و”المؤامرة”.
التدخل السوري: الحرب العربية التي كادت تتسع
لم تبقِ سوريا متفرجةً على ما يحدث. فقد دفعت بقوات مدرعة عبر الحدود الأردنية دعمًا للفصائل الفلسطينية، ووصلت الدبابات السورية إلى مشارف إربد.
كان المشهد ينذر بحرب عربية شاملة. لكنَّ الجيش الأردني، مدعومًا بسلاح الجو، شن هجومًا مضادًا عنيفًا أجبر القوات السورية على الانسحاب بعد خسائر كبيرة.
وتشير دراسات عديدة إلى أن الخلافات داخل القيادة السورية نفسها، خصوصًا بين صلاح جديد وحافظ الأسد، لعبت دورًا في فشل التدخل.
كما مارست الولايات المتحدة وإسرائيل ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة لمنع سقوط النظام الأردني، لأن انهيار الأردن كان سيعني فتح جبهة إقليمية خطيرة لا يمكن التحكم بنتائجها.
القاهرة تحاول إطفاء النار
أمام اتساع المأساة، تدخّل الرئيس المصري جمال عبد الناصر لرعاية اتفاق وقف إطلاق النار في القاهرة.
وصل ياسر عرفات إلى القاهرة مرتديًا بزته العسكرية، بينما جلس الملك حسين في قاعةٍ مثقلة بالتوتر والدموع والغضب.
وفي الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، تم توقيع اتفاق لوقف القتال وتنظيم وجود الفدائيين داخل الأردن.
لكنَّ المفارقة المؤلمة أن عبد الناصر، الذي بذل جهده لإيقاف الحرب، توفي في اليوم التالي مباشرة.
وكأنَّ الرجل الذي حمل حلم القومية العربية حتى أنفاسه الأخيرة، رحل بينما كانت الأمة تغرق في انقساماتها.
النهاية: خروج المقاومة إلى لبنان
لم تنتهِ الأزمة فعليًا باتفاق القاهرة.
ففي عام 1971، عاد الجيش الأردني ليشن عمليات واسعة ضد قواعد الفدائيين في جرش وعجلون، حتى انتهى الأمر بخروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن نحو لبنان.
وهناك، بدأت مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا ودموية، إذ تحولت المقاومة الفلسطينية إلى طرف رئيسي في الحرب الأهلية اللبنانية لاحقًا.
أما داخل الذاكرة الفلسطينية، فقد ظل أيلول الأسود جرحًا لا يندمل.
ومن رحم تلك المأساة، وُلدت منظمة “أيلول الأسود” التي نفذت عمليات انتقامية بارزة، من بينها اغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل في القاهرة عام 1971، ثم عملية ميونيخ الشهيرة عام 1972.
أيلول الأسود في الوعي العربي
لم يكن أيلول الأسود مجرد صراعٍ سياسي، بل لحظة انكسار نفسي عميق في التاريخ العربي الحديث.
فقد اكتشف العرب، للمرة الأولى بهذا الوضوح، أن البنادق التي رُفعت لتحرير فلسطين يمكن أن تتجه إلى صدور العرب أنفسهم.
وتحوّل السؤال الفلسطيني من قضية تحرر وطني خالصة إلى قضية تتشابك فيها الحسابات الإقليمية والأنظمة العربية والصراعات الأيديولوجية.
كما كشفت الأحداث هشاشة العلاقة بين الثورة والدولة؛ فالثورة حين تكبر بلا ضوابط قد تتحول إلى سلطة تنازع الدولة وجودها، والدولة حين تخاف على بقائها قد تتحول إلى آلة قمع لا ترى سوى الأمن والاستقرار.
ولهذا بقي أيلول الأسود رمزًا للمرارة العربية الكبرى؛ مرارة الحلم حين ينكسر داخل البيت الواحد.
خاتمة
لقد كان أيلول الأسود لحظةً تراجيديةً بامتياز؛
حكاية شعبٍ يبحث عن وطن، ودولةٍ تخشى الانهيار، وأمةٍ تتقاذفها الشعارات والهزائم.
وفي تلك الأيام السوداء من سبتمبر، لم ينتصر أحدٌ حقًا.
فالجيش الأردني استعاد سيطرة الدولة، لكنه دخل في مواجهة دامية مع جزءٍ كبير من الوجدان العربي، والمقاومة الفلسطينية خسرت أهم قواعدها القريبة من فلسطين، ودفعت لاحقًا نحو المنافي والحروب الأهلية.
أما الإنسان العربي البسيط، فقد بقي وحده يحمل الندوب؛ يتذكر المدن المحترقة، والأمهات الثكالى، والمخيمات التي صارت مقابر مفتوحة تحت سماءٍ عربية واحدة.
لقد انتهت المعارك، لكنَّ أصداء أيلول الأسود ما زالت تتردد في الذاكرة السياسية العربية حتى اليوم، كتحذيرٍ دائم من أن الأوطان حين تضيع بوصلتها، يصبح الأخُ خصمًا لأخيه، وتتحول البنادق من مواجهة العدو إلى اقتتال الداخل.
المراجع العربية
1. محمد حسنين هيكل، الانفجار 1967–1970، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
2. صلاح خلف (أبو إياد( فلسطيني بلا هوية، دار الطليعة.
3. فواز جرجس، الحركات القومية العربية.
4. يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949–1993.
5. بهجت أبو غربية، في خضم النضال العربي الفلسطيني.
6. مروان المعشر، الأردن في القرن العشرين.
7. عدنان أبو عودة، شهادتي.
8. نذير رشيد، القرار.
9. سليمان الموسى، تاريخ الأردن الحديث.
10. محمود عباس، الطريق إلى أوسلو.
________________________________________
المراجع الأجنبية
1. Avi Shlaim, Lion of Jordan: The Life of King Hussein in War and Peace.
2. Yezid Sayigh, Armed Struggle and the Search for State.
3. William B. Quandt, Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict.
4. Benny Morris, Righteous Victims.
5. Rashid Khalidi, The Iron Cage.
6. Helena Cobban, The Palestinian Liberation Organisation.
7. Nigel Ashton, King Hussein of Jordan.
8. David Hirst, The Gun and the Olive Branch.
9. Kamal Salibi, The Modern History of Jordan.
10. Barry Rubin, The PLO and the Politics of Survival.
أيلول الأسود حينَ تصادمتِ البنادقُ في ظلالِ العروبة وتكسّرَ الحلمُ الفلسطينيُّ على أسوارِ عمّان
الناشر :مدونة فكر أديب
-
