المادّية الإقصائيّة حين يُمحى الإنسان من لغته

المادّية الإقصائيّة حين يُمحى الإنسان من لغته
تمهيد: العقل بوصفه شبحًا قديمًا في الأزمنة القديمة، كان الإنسان ينظر إلى داخله كما لو أنّه يطلّ على بئرٍ معتمة؛ يسمع فيها صدى الرغبات، ويرى انعكاس الخوف، ويُسمّي ذلك كلّه: روحًا، أو نفسًا، أو قلبًا. ثم جاءت العصور الحديثة، محمّلةً بمصابيح المختبر، لتقول إنّ ما نسمّيه «أنا» ليس سوى تفاعلاتٍ كيميائية، وذبذباتٍ كهربائية، ونشاطاتٍ عصبيّة تجري في ظلام الدماغ. ومن بين أكثر الأفكار جرأةً وقسوةً في فلسفة العقل، برزت المادّية الإقصائيّة؛ لا باعتبارها مجرّد نظريّة فلسفيّة، بل كإعلانٍ بارد عن نهاية اللغة التي اعتاد الإنسان أن يصف بها ذاته. إنّها لا تقول فقط إنّ العقل مادّي، بل تذهب أبعد من ذلك: تقول إنّ مفاهيم مثل الإرادة، الاعتقاد، الرغبة، الألم، الحب، الحنين… ليست سوى أوهام لغويّة صنعها البشر لأنّهم لم يكونوا يفهمون أدمغتهم جيدًا. كأنّ الإنسان، في هذه الرؤية، ظلّ قرونًا يحدّث نفسه بأسطورة. الفصل الأول: الإنسان الذي فقد داخله المادّية الإقصائيّة (Eliminative Materialism) تنتمي إلى تيّارات فلسفة العقل المعاصرة، وقد ظهرت بوضوح في ستينات وسبعينات القرن العشرين، حين بدأت العلوم العصبيّة تكتسب سلطةً شبه مطلقة على فهم الإنسان. ترى هذه الفلسفة أنّ ما يُعرف بـ«علم النفس الشعبي» — أي الطريقة اليومية التي نفسّر بها أنفسنا والآخرين — هو بناءٌ خاطئ من أساسه. حين نقول: • «أنا أؤمن بهذه الفكرة» • «أرغب في الرحيل» • «أشعر بالحزن» • «أتذكّر طفولتي» فنحن، بحسب الإقصائيّين، لا نصف حقائق علميّة، بل نستعمل مفرداتٍ بدائيّة تشبه حديث القدماء عن الأرواح والأشباح. هم يعتقدون أنّ المستقبل العلمي سيستبدل هذه الكلمات بمصطلحات عصبيّة دقيقة؛ فبدلًا من قول: «أحبّك»، قد يصبح الوصف: «هناك نشاطٌ متزامن في مناطق المكافأة العصبيّة». وبدلًا من: «أنا خائف»، سيقال: «اللوزة الدماغية دخلت في حالة استثارة مرتفعة». هكذا يتحوّل الإنسان، شيئًا فشيئًا، من كائنٍ يعيش التجربة… إلى ملفّ بيولوجيّ قابل للتفسير. الفصل الثاني: موت اللغة القديمة المادّية الإقصائيّة لا تريد إصلاح اللغة النفسيّة، بل إعدامها. إنّها تشبه موقف الكيميائي الحديث من فكرة «الفلوجستون» القديمة، تلك المادة المتخيّلة التي ظنّ الناس أنّها سبب الاحتراق. كما استبعد العلم وجود «الأثير المضيء» الذي كان الفيزيائيون يتخيّلونه حاملًا للضوء، فإنّ الإقصائيّين يريدون استبعاد مفاهيم العقل التقليديّة نفسها. الفكرة هنا ليست أنّ «الرغبة» تحتاج تفسيرًا أفضل، بل أنّ الرغبة أصلًا غير موجودة بالمعنى الذي نتخيّله. وهذا ما يجعل هذه الفلسفة مرعبة على المستوى الوجودي؛ لأنّها لا تنفي فكرةً فحسب، بل تنفي اللغة التي يشعر الإنسان من خلالها بإنسانيّته. فالإنسان لا يعيش داخل العالم فقط، بل يعيش داخل الكلمات التي يصف بها ألمه وحبّه وخوفه. وإذا سُحبت هذه الكلمات من روحه، فماذا يبقى منه؟ ربّما مجرّد جهازٍ عصبيّ يتنفّس. الفصل الثالث: الوعي بوصفه وهمًا مضيئًا بعض النسخ المتطرّفة من المادّية الإقصائيّة لا تتوقّف عند إنكار «الاعتقاد» و«الرغبة»، بل تصل إلى التشكيك في وجود الخبرة الواعية نفسها. الألم، في هذا التصوّر، ليس شيئًا يُعاش، بل نشاطًا عصبيًّا يُرصد. واللون الأحمر ليس إحساسًا داخليًا، بل معالجة بصريّة لموجة ضوئيّة محدّدة. لكن هنا يظهر السؤال الذي حيّر الفلاسفة طويلًا: كيف يمكن تفسير الشعور نفسه؟ كيف يمكن لخلية عصبيّة أن تنتج إحساسًا بالوحدة في منتصف الليل؟ كيف تتحوّل الكهرباء إلى حنين؟ وكيف يصبح الدماغ قادرًا على البكاء على ذكرى؟ العلم يستطيع أن يصف ما يحدث في الدماغ أثناء الحزن، لكنّه لا يستطيع أن يشرح لماذا يبدو الحزن من الداخل بهذا العمق المظلم. وهنا تتعثّر المادّية الإقصائيّة أمام أكثر أسرار الإنسان غموضًا: التجربة الذاتية. ذلك الصوت الخفي الذي يجعل كلّ واحدٍ منّا يشعر أنّه ليس آلة، بل كائنٌ يسكن العالم من الداخل. الفصل الرابع: الجسد الذي ابتلع الروح في التراث الصوفي، كان الإنسان يُنظر إليه بوصفه مرآةً بين الأرض والسماء؛ جسدٌ من طين، وروحٌ من نفخة غامضة. أمّا المادّية الإقصائيّة، فتقوم بعكس هذه الصورة تمامًا: إنّها تُعيد الإنسان إلى الطين وحده. لا وجود لروحٍ مستقلّة، ولا لجوهرٍ داخلي، ولا لمعنى يتجاوز المادة. كلّ ما نظنّه سرًّا روحيًّا ليس إلا تفاعلاتٍ عصبيّة معقّدة. لكنّ المتصوّفة كانوا يرون أنّ الحقيقة لا تُدرك كلّها بالعقل. كانوا يقولون إنّ في الإنسان «باطنًا» لا تصل إليه اللغة المباشرة، وإنّ القلب يعرف أحيانًا ما تعجز عنه البراهين. وحين كتب النفّري: «كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة»، كان يلمّح إلى تلك المنطقة التي يعجز العلم عن تحويلها إلى معادلات. فهل الوعي مجرّد وهم بيولوجي؟ أم أنّ الإنسان أكبر من خرائط الدماغ التي ترسمه؟ الفصل الخامس: الوحدة الحديثة المادّية الإقصائيّة ليست فكرة فلسفيّة معزولة؛ إنّها ابنٌ شرعيّ للعصر الحديث. العصر الذي حوّل الإنسان إلى رقم، والعلاقات إلى بيانات، والمشاعر إلى مؤشّرات كيميائيّة. في المدن الحديثة، يبدو الفرد أحيانًا كأنّه منفصل عن ذاته. يعمل كثيرًا، يستهلك كثيرًا، يتكلّم كثيرًا… لكنّه لا يعرف ماذا يشعر حقًا. لقد صار الإنسان محاطًا بالمعرفة، لكنّه يفتقر إلى المعنى. ومن هنا تجد المادّية الإقصائيّة أرضًا خصبة؛ فحين تُختزل الحياة إلى ما هو قابل للقياس، يصبح من السهل التعامل مع الحبّ بوصفه هرمونًا، ومع الحزن بوصفه خللًا عصبيًّا، ومع الروح بوصفها استعارة أدبيّة قديمة. غير أنّ الإنسان، في أعماقه، يقاوم هذا الاختزال. لأنّه لا يريد فقط أن يُفهم، بل أن يُعاش.ولا يريد أن يعرف كيف يعمل قلبه بيولوجيًا، بل لماذا ينكسر أحيانًا دون سببٍ واضح. الفصل السادس: بين المختبر والمرآة ليست المشكلة في العلم نفسه؛ فالعلم كشف للإنسان خرائط مذهلة عن الدماغ والجسد والكون. لكنّ المشكلة تبدأ حين يتحوّل التفسير العلمي إلى عقيدةٍ تنفي كلّ ما لا تستطيع قياسه. المختبر يرى الإنسان من الخارج، أمّا الوعي فيعيش نفسه من الداخل. وهناك مسافة هائلة بين الأمرين. يمكن للطبيب أن يشرح كيمياء الدموع،لكنّه لا يستطيع أن يشرح معنى أن يبكي إنسانٌ وحيدًا بعد خسارةٍ كبيرة. ويمكن للعالِم أن يرصد نشاط الدماغ أثناء الصلاة، لكنّه لا يستطيع أن يقيس رجفة الطمأنينة التي يشعر بها المؤمن في لحظة خشوع. لهذا ظلّ الإنسان، رغم كلّ التقدّم، محتفظًا بأسئلته الأولى: • من أنا؟ • لماذا أشعر؟ • ما معنى الألم؟ • وهل الوعي حقيقة… أم حلم طويل داخل الدماغ؟ الفصل السابع: الإنسان بوصفه لغزًا لا ينتهي ربّما تكمن مأساة المادّية الإقصائيّة في أنّها تحاول إنقاذ الحقيقة، لكنها تُفقِد الإنسان نفسه أثناء ذلك. إنّها تريد عالمًا نقيًّا من الأوهام، لكنّها تنسى أنّ بعض «الأوهام» هي ما يجعل الحياة قابلةً للاحتمال. فالإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها، بل بالرموز أيضًا. يحتاج إلى الحبّ، ولو لم يكن قابلًا للقياس. ويحتاج إلى المعنى، ولو لم يُرصد داخل الدماغ. إنّ أعظم ما في الإنسان أنّه كائنٌ يعرف أنّه سيموت، ومع ذلك يكتب الشعر، ويحبّ، ويحلم، ويبحث عن الله في عتمة العالم. ولو كان مجرّد آلة بيولوجيّة، فلماذا يخاف الفراغ؟ ولماذا يحدّق طويلًا في السماء؟ ولماذا يشعر، في لحظات الوحدة، أنّ داخله أعمق من جسده؟ خاتمة: ما الذي يبقى من الإنسان؟ المادّية الإقصائيّة ليست مجرّد نظريّة عن العقل؛ إنّها سؤالٌ حضاريّ عن معنى الإنسان نفسه. هل نحن مجرّد أدمغة تعمل بالكهرباء؟ أم أنّ في داخلنا شيئًا لا يمكن اختزاله؟ ربّما لن نجد جوابًا نهائيًا.لكنّ المؤكّد أنّ الإنسان سيظلّ معلّقًا بين صورتين: • صورةٍ علميّة ترى فيه بنيةً مادّية معقّدة. • وصورةٍ وجوديّة ترى فيه سرًّا يمشي على الأرض. وفي المسافة بين الصورتين، يولد القلق الفلسفي، ويولد الشعر، وتولد الأسئلة التي لا تنتهي. ربّما لهذا ظلّ الإنسان، منذ أوّل مرّة نظر فيها إلى المرآة، يشعر بأنّه أكثر من جسده… وأقلّ من حلمه. مراجع وإحالات 1. بول وبتريشيا تشرشلاند — دراسات في فلسفة العقل والمادّية الإقصائيّة. 2. دانيال دينيت — الوعي وتفسير العقل. 3. جيلبير رايل — مفهوم العقل. 4. توماس نيغل — كيف يبدو أن تكون خفّاشًا؟ 5. مارتن هايدغر — الكينونة والزمان. 6. النفّري — المواقف والمخاطبات. 7. ابن عربي — الفتوحات المكيّة. 8. موريس ميرلوبونتي — ظاهراتيّة الإدراك

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال