التمركز حول الأنثى نقد عبد الوهاب المسيري للحركة النسوية

التمركز حول الأنثى نقد عبد الوهاب المسيري للحركة النسوية
من مركزية الإنسان إلى سيولة المعنى في النصف الأول من القرن العشرين، كان الإنسان — بوصفه كائنًا ذا كرامة ومعنى — هو المركز الذي تدور حوله الفلسفات والحركات الاجتماعية. كانت هناك حدود واضحة، وإن بدت أحيانًا متوترة، بين الإنسان والطبيعة، بين الروح والمادة، بين القيم والمنفعة. وكان ثمة إيمان — ولو ضمني — بأن للإنسان طبيعة مشتركة، ومرجعية أخلاقية عليا، يمكن الاحتكام إليها عند الاختلاف. غير أنّ هذه الصورة لم تلبث أن بدأت بالتصدّع، خصوصًا منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حين أخذت موجات الترشيد المادي تتصاعد بوتيرة متسارعة، لتعيد تشكيل الإنسان والمجتمع وفق معايير جديدة، قوامها المنفعة الاقتصادية، والجدوى الإنتاجية، والقياس الكمي لكل شيء. في هذا السياق، يقدّم عبد الوهاب المسيري قراءة نقدية عميقة لهذا التحول، كاشفًا كيف انتقل الإنسان من كونه مركزًا مرجعيًا إلى كونه هامشًا داخل منظومة مادية صمّاء. لم يعد الإنسان غاية، بل وسيلة؛ ولم تعد القيم مرجعًا، بل أصبحت انعكاسًا لحركة السوق. وهكذا، تسللت المادية إلى أدق تفاصيل الحياة، حتى غدا تعريف العمل ذاته محصورًا فيما يُنجز مقابل أجر نقدي، وفي رقعة الحياة العامة تحديدًا. أما ما يُنجز خارج هذا الإطار — كالأمومة، والتربية، والعمل المنزلي — فقد أُقصي إلى الهامش، وكأنه نشاط بلا قيمة، لأنه لا يُترجم إلى أرقام. تآكل المعنى: حين تُقصى الأمومة من دائرة القيمة في ظل هذا التصور، لم تعد الأمومة فعلًا إنسانيًا ساميًا، بل أصبحت عبئًا غير مرئي في حسابات الإنتاج. المرأة التي تُنشئ الأجيال، وتبني الإنسان من جذوره، تُختزل إلى "غير عاملة" لأنها لا تتقاضى أجرًا. وهنا يكشف المسيري عن مفارقة مؤلمة: كيف يمكن لمجتمع أن يدّعي التقدم، وهو يُقصي أهم أدوار الإنسان من منظومة الاعتراف؟ لقد تسرب هذا الفهم إلى الوعي الجمعي، بل إلى اللاوعي ذاته، حتى باتت ربة البيت — حين تُسأل عن عملها — تجيب بنبرة خافتة: "لا أعمل". ليست هذه مجرد عبارة، بل هي انعكاس لانكسار رمزي عميق، حيث فقد العمل الإنساني معناه لصالح العمل المادي. ومع انفجار ثورة المعلومات، وتدفق الصور المثالية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تعمّق هذا الشعور بالدونية. فالعالم الرقمي لا يعترف إلا بما يُرى ويُقاس ويُقارن، بينما تبقى الجهود الخفية — كالتربية والرعاية — خارج دائرة الضوء، رغم أنها تشكل العمود الفقري لأي مجتمع حي. المصطلح بوصفه رؤية: لماذا “التمركز حول الأنثى”؟ في هذا السياق، يتوقف المسيري عند المصطلح ذاته: "النسوية" أو "Feminism". ويرى أن هذه التسمية — رغم شيوعها — لا تعبّر بدقة عن المضامين الكامنة في الحركة، بل تخفي خلفها شبكة معقدة من الافتراضات الفلسفية والثقافية. لذلك يقترح ترجمتها بـ "التمركز حول الأنثى"، وهو تعبير يكشف البعد المعرفي للحركة، لا مجرد بعدها الحقوقي. فالمصطلحات، كما يؤكد المسيري، ليست بريئة ولا محايدة؛ إنها تحمل في طياتها تاريخًا، وثقافة، ورؤية للعالم. وعندما تُنقل إلى سياقات أخرى دون تمحيص، فإنها قد تُحدث نوعًا من "التهجين الثقافي"، حيث تُفرض نماذج غريبة على بيئات لها خصوصياتها. ثنائية صلبة: المرأة بوصفها “أنا” والرجل بوصفه “آخر” ينطلق مفهوم التمركز حول الأنثى — في قراءة المسيري — من ثنائية حادة: الأنا (المرأة) في مقابل الآخر (الرجل). ليست هذه الثنائية مجرد تمييز بيولوجي، بل هي انقسام وجودي، يُفترض فيه غياب أي مرجعية مشتركة بين الطرفين. وكأن الرجل والمرأة ينتميان إلى عالمين منفصلين، لا يلتقيان إلا في ساحة صراع. في هذا الإطار، تتحول العلاقة بين الجنسين من علاقة تكامل إلى علاقة تنازع. ويُعاد تفسير التاريخ الإنساني كله بوصفه تاريخًا من الهيمنة الذكورية، ومحاولات متواصلة من المرأة للتحرر منها. وهكذا، تنتقل الحركة من الدفاع عن حقوق المرأة إلى إعادة صياغة العالم من منظور أنثوي صرف. من الحقوق إلى الهوية: تحوّل المسار النسوي لم تعد القضية — في هذا التصور — مجرد تحسين شروط الحياة للمرأة، بل أصبحت مشروعًا لإعادة تعريف الهوية ذاتها. من نحن؟ كيف نعرف أنفسنا؟ ما معنى أن تكون امرأة أو رجلًا؟ هذه الأسئلة لم تعد تُطرح ضمن إطار إنساني مشترك، بل ضمن إطار صراعي، يفترض أن كل طرف يسعى لتأكيد ذاته على حساب الآخر. وهنا، تتخذ الحركة طابعًا أنثروبولوجيًا شاملًا، إذ تعيد قراءة التاريخ، واللغة، والرموز، بل وحتى الطبيعة البشرية، وفق هذه الثنائية. ويصبح الهدف ليس فقط تحقيق العدالة، بل إعادة تشكيل الواقع بأسره. ذروة الواحدية: حين تنفصل الأنثى عن الإنسان يبلغ هذا المسار ذروته — كما يرى المسيري — حين تنفصل المرأة عن أي إطار إنساني مشترك، وتعلن استقلالها الكامل عن الرجل، لا بوصفه فردًا، بل بوصفه مبدأ. في هذه اللحظة، تتحول "الأنثى" إلى مرجعية ذاتها، مكتفية بنفسها، ومنغلقة على عالمها. هذا الانفصال لا يؤدي إلى التحرر، بل إلى نوع جديد من العزلة الوجودية، حيث يصبح كل إنسان جزيرة مغلقة، لا تربطه بالآخرين سوى علاقات مصلحية عابرة. وهنا، يلتقي هذا التصور مع ما وصفه زيغمونت باومان بـ"الحداثة السائلة"، حيث تتفكك الروابط، وتذوب الهويات، وتفقد المعاني ثباتها. ذوبان الفروق: من الثنائية إلى السيولة المفارقة العميقة في هذا المسار أنه يبدأ بتأكيد الفروق بين الرجل والمرأة، لكنه ينتهي بإلغائها تمامًا. فحين يُختزل الإنسان إلى كائن مادي، لا تعود هناك أهمية للذكورة أو الأنوثة، بل يصبح الجميع مجرد وحدات إنتاج واستهلاك. وهكذا يظهر مفهوم "الجنس الواحد" (Unisex)، حيث تتلاشى الفروق، وتذوب الخصوصيات، ويُعاد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا محايدًا بلا ملامح. في هذا العالم، لا تعود المرأة "أمًا" أو "زوجة" أو "أختًا"، بل تصبح "فردًا" مجردًا من أي سياق إنساني. سقوط الأسرة: حين تتفكك الدائرة الإنسانية في هذا السياق، تحذر هبة رؤوف عزت من أن سقوط مفاهيم الأمومة والزوجية يؤدي بالضرورة إلى تفكك الأسرة، ومن ثم إلى تآكل المجتمع ذاته. فحين تختفي المساحات المشتركة، ويغدو كل فرد منشغلًا بذاته، تتلاشى الروابط التي تمنح الحياة معناها. ويؤكد علي عزت بيغوفيتش أن الأمومة ليست مجرد وظيفة، بل هي تجربة إنسانية لا يمكن تعويضها بأي دور آخر. إنها جوهر العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الحاضر والمستقبل. اللغة والوجود: حين تمتد الثورة إلى المقدس لا تتوقف آثار هذا التحول عند حدود الاجتماع، بل تمتد إلى اللغة ذاتها، بل إلى تصور الإنسان للإله. ففي بعض التيارات، يُرفض استخدام الضمائر التقليدية للإشارة إلى الله، بحجة أنها تنطوي على انحياز ذكوري، ويُقترح استخدام صيغ محايدة أو متعددة. هذه المحاولة — رغم ظاهرها اللغوي — تكشف عن عمق التحول، حيث لم يعد هناك ما هو ثابت أو مقدس، بل كل شيء قابل لإعادة التعريف، وفق معايير اللحظة. تشابه البنى: مقارنة مع الصهيونية في قراءة لافتة، يقارن المسيري بين التمركز حول الأنثى والحركة الصهيونية، من حيث البنية الفكرية، لا من حيث الأهداف. فكلاهما — في رأيه — يقوم على "ثنائية صلبة"، تفصل بين الأنا والآخر، وتنكر وجود مرجعية إنسانية مشتركة. هذه المقارنة تفتح أفقًا لفهم أعمق، حيث لا تُفهم الحركات فقط من خلال شعاراتها، بل من خلال بنيتها المعرفية الكامنة. نحو بديل إنساني: استعادة المعنى المفقود في مواجهة هذا المشهد، لا يكتفي المسيري بالنقد، بل يقترح بديلًا يقوم على إعادة الاعتبار للإنسان، بوصفه كائنًا مركبًا، يجمع بين المادة والروح، بين الفرد والجماعة. يرى أن قضايا المرأة يجب أن تُدرس ضمن سياقها التاريخي والثقافي، لا بوصفها نسخة من تجارب أخرى. وأن الحل لا يكمن في تمركز كل طرف حول ذاته، بل في إعادة بناء العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس التكامل، لا الصراع. الأسرة بوصفها نقطة الانطلاق يقترح المسيري أن نعيد صياغة الخطاب، من الحديث عن "حقوق الفرد" إلى الحديث عن "حقوق الأسرة"، بوصفها الإطار الذي تتشكل فيه هذه الحقوق. فالفرد لا يوجد في فراغ، بل داخل شبكة من العلاقات التي تمنحه هويته ومعناه. إعادة تعريف العمل: من الإنتاج المادي إلى الإنتاج الإنساني كما يدعو إلى إعادة تعريف العمل، بحيث لا يُقاس فقط بالعائد المادي، بل بالقيمة الإنسانية. في هذا الإطار، تصبح الأمومة من أسمى أشكال العمل، لأنها تُنتج الإنسان ذاته، لا مجرد سلعة. بين السيولة والجذور في عالم يتجه نحو السيولة، حيث تتلاشى الحدود وتذوب المعاني، يذكّرنا المسيري بأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا جذور. وأن الحرية الحقيقية لا تتحقق في الانفصال، بل في الانتماء الواعي؛ لا في الصراع، بل في التكامل. إن التحدي اليوم ليس في اختيار الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بل في استعادة الإنسان ذاته، بوصفه مركزًا للكون، وغاية للوجود. وفي هذا الاسترداد، قد نجد الطريق إلى توازن مفقود، حيث تكون المرأة — كما الرجل — شريكًا في بناء عالم أكثر إنسانية، لا ساحة لصراع لا ينتهي.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال