أرواح القطط.. التسعة
منذ أن سكنت القطط ذاكرة الإنسان، وهي لا تدخل حياته ككائن أليف فحسب، بل كرمز غامض، يمرّ بين الأشياء كما تمرّ الفكرة الخفية بين السطور: هادئة، متوترة، ومفعمة بما لا يُقال. لا أحد ينظر إلى قطة فينتهي بها الأمر عند حدود الشكل؛ فثمة ما يوقظ في حضورها ذلك الحس القديم بالدهشة، كأنها ليست مجرد جسد صغير مكسوّ بالفراء، بل كائن يحمل في مشيته تاريخًا من الأسرار، وفي عينيه بقايا غابة بعيدة، وفي صمته حكمة مخلوق يعرف أكثر مما يفصح.
ومن هنا وُلدت الخرافة الجميلة: أن للقطط تسع أرواح. خرافة تبدو للوهلة الأولى ضربًا من المبالغة الشعبية، لكنها، حين تُفكك بروح التأمل، تكشف عن حقيقة أعمق من ظاهرها. فالمقصود لم يكن أبدًا أن القطة تعيش تسع مرات بالمعنى الحرفي، بل أن فيها من القدرة على النجاة، والخفة، والالتفاف على المصير، ما يجعلها تبدو وكأن الحياة تمنحها فرصًا متكررة للعودة من حافة الهلاك. إنها استعارة شعبية عن صلابة الرغبة في البقاء، وعن ذلك الاندفاع الغامض الذي يجعل الكائن ينجو فيما كان يفترض أن يهلك.
وقد أشار بعض العلماء إلى أن هذا الاعتقاد ليس وليد المصادفة وحدها، بل يجد جذوره في خصائص جسدية وسلوكية مدهشة لدى القطط. فهذه الحيوانات تمتلك توازنًا فريدًا في بنية أجسادها، ومرونة لافتة في العمود الفقري، وعددًا من الفقرات يفوق ما لدى الإنسان، مما يمنحها قدرة استثنائية على الالتفاف في الهواء وضبط اتجاه هبوطها. وليس الأمر سحرًا، بل هندسة دقيقة نسجتها الطبيعة على مهل، حتى بدت للقارئ البعيد عن العلم معجزة صغيرة متكررة. القطة تقفز من مكان مرتفع، ثم تهبط غالبًا على قدميها، وكأن بينها وبين الأرض عهدًا غير مكتوب، وكأنها تعرف مسبقًا كيف تُخاطب السقوط بلغة النجاة.
غير أن العلم، حين يشرح الظاهرة، لا يقتل الشعر فيها، بل يزيده وضوحًا. لأن ما يبدو لنا في القطة ضربًا من الأسطورة، ليس إلا نتيجة لعلاقة مدهشة بين البنية والحركة، بين الجسد واللحظة. فهي لا تقفز بطيش، بل بحسابات فطرية دقيقة؛ ولا تهبط مصادفة، بل عبر ردّ فعل سريع يسمح لها بتعديل وضعها في الهواء خلال جزء من الثانية. وفي هذا ما يكفي ليثير إعجاب العقل، بل وربما غيرة الإنسان نفسه: فكم من مرة سقطنا ولم نحسن الالتفاف؟ وكم من مرة هوت أرواحنا قبل أجسادنا؟ القطة، بهذا المعنى، ليست فقط كائنًا ينجو جسديًا، بل درسًا صامتًا في فن الخروج من الهاوية بأقل الخسائر الممكنة.
ولعل أجمل ما في القطط أنها لا تعلن قوتها. القوة عندها ليست استعراضًا، بل طبيعة هادئة. ليست عضلات صاخبة ولا بطولات متعجرفة، بل مرونة متخفية تحت المظهر الرقيق. هي كائن لا يحب أن يشرح نفسه، وكأن الشرح ينتقص من جوهره. ولهذا أحبها البشر في طبائعهم المتناقضة: أحبها الطفل لأنها لينة كالحلم، وأحبها العجوز لأنها صامتة كالحكمة، وأحبها الفنان لأنها لا تستقر على هيئة واحدة، بل تترك في كل حركة ظلالًا من المعنى، وأحبها المتعب لأنه يرى فيها كائنًا يعرف كيف ينسحب من الضجيج دون أن يبرر انسحابه.
والقطط، على صغر أجسادها، تعيش في الفضاء الإنساني حياةً اجتماعية معقدة. فهي ليست منزوية تمامًا، ولا منفتحة تمامًا، بل تقيم معنا علاقة مشروطة، تشبه إلى حد بعيد العلاقة الحديثة بين الإنسان والعالم: اقتراب محسوب، وودّ غير مستهلك، ومسافة ضرورية حتى لا يختنق المعنى. القطة لا تهب ثقتها مجانًا، ولا تمنح ألفتها بلا مقابل. إنها تختبر المكان، تتشمم الوقت، وتزن الوجوه بنظرة لا تخلو من ذكاء. وفي هذا السلوك ما يذكّر الإنسان بمسؤوليته تجاه العلاقات؛ فليس كل قربٍ حبًا، وليس كل ملامسةٍ طمأنينة، وليس كل حضورٍ صادقًا. القطة تعلمنا، من حيث لا تقصد، أن الاحترام أعمق من التملك، وأن المحبة الحقيقية لا تُفرض، بل تُكتسب.
وفي الجانب الاجتماعي، تبدو القطة كأنها كائن وُلد على تخوم الحضور والغياب. تدخل البيوت فلا تذوب فيها، وتشارك الناس يومهم فلا تتخلى عن استقلالها. هي شاهدة على صخب العائلة، على تعاقب الفصول داخل الغرفة، على تبدل الوجوه والأحوال، لكنها تحتفظ بمسافة صغيرة، حميمية ومهيبة في آن. تلك المسافة هي ما يجعلها آسرة. فالإنسان، في عمقه، لا يحب ما يبتلعه، بل ما يجاوره. لا يحب أن يُلغى، بل أن يُقابل بنديّة رقيقة. والقطة، بهذه الطبيعة، تبدو أشبه بمرآة لاحتياجنا القديم إلى علاقة لا تخنق، وحضور لا يحتل، وألفة لا تتظاهر بأنها امتلاك.
أما الأسطورة القائلة بأن لها تسع أرواح، فهي ليست مجرد حكاية طفولية تُقال لتلطيف الخوف من موتها، بل هي في الجوهر تعبير عن دهشة البشر من قدرة بعض الكائنات على الصمود. الإنسان، منذ بداياته، كان يقيس الحياة لا بعدد سنواتها فقط، بل بعدد المرات التي كادت فيها أن تنطفئ ثم عادت. ولذلك بدا للقطة نصيب من تلك الحكاية الكبيرة: حكاية الكائن الذي يقترب من الخطر ثم ينجو، الذي يسقط ولا يتحطم، الذي يبدو كأنه يملك رصيدًا خفيًا من الفرص. وكأن الناس، حين نسبوا إليها تسع أرواح، كانوا في الحقيقة يعترفون بعجزهم هم عن النجاة الكثيرة، ويتمنون لأنفسهم ما رأوه فيها من قدرة على الإفلات.
ومع ذلك، فإن هذا الاعتقاد الشعبي لا ينبغي أن يحجب حقيقة مؤلمة: القطة، مثلها مثل كل كائن حي، لا تملك إلا حياة واحدة. وكل حياة، مهما بدت خفيفة أو ماكرة أو مرنة، تظل هشّة أمام الزمن. هنا تتبدى المفارقة العميقة: الكائن الذي اشتهر بقدرته على النجاة هو نفسه قابل للفناء كغيره. وربما لهذا أحبّه البشر أكثر؛ لأن فيه جمعًا بين المتناقضات: قوة توحي بالخلود، وضعف يذكّر بالفناء. ونحن لا نتعلق غالبًا بالكائنات القوية فقط، بل بالكائنات التي توهمنا بأنها قريبة من الخلود، ثم تعيدنا برقة إلى حقيقة الزوال.
ولعل ما يزيد القطة سحرًا أنها لا تعيش الحياة كما نعيشها نحن. الإنسان كثير الكلام، كثير التخطيط، كثير الخوف من الغد. أما القطة، فحياتها أقرب إلى الحاضر الخالص. إنها تقيم في اللحظة كما تقيم النار في الحطب: كاملة، مكثفة، لا تشبه التردد. تنام حين تريد، وتتحرك حين تريد، وتجلس في النافذة كأنها تراقب العالم لا لتفسره، بل لتتأكد أنه ما يزال موجودًا. في عالم يطاردنا فيه التسارع، تبدو القطة درسًا في اقتصاد الحركة، وفي قيمة السكون، وفي المعنى العميق لأن تفعل أقلّ مما تقدر عليه، لا لأنك عاجز، بل لأنك حكيم.
وقد وجد فيها الأدب والفن مادة لا تنفد. ظهرت في اللوحات كرمز للغموض، وفي القصائد كقرين للأنوثة المتحولة، وفي الحكايات الشعبية ككائن بين المنزل والبرية، بين الأليف والمراوغ، بين البراءة والدهاء. كأنها لا تنتمي إلى خانة واحدة، وهذا بالضبط ما يجعلها ملهمة. فالإنسان يميل إلى الكائنات التي تعجز عن الاستقرار داخل تعريف بسيط. وكلما اتسعت منطقة الالتباس، اتسعت معها مساحة التأويل. والقطة، بأذنها التي ترتجف عند أدنى صوت، وعيونها التي تلمع في الظلمة، وخطوتها التي تشبه اللمح، تظل مادة خصبة لتأملات لا تنتهي.
ومن زاوية فلسفية، يمكن القول إن أسطورة الأرواح التسع تكشف عن حاجة البشر إلى مقاومة نهائية الموت عبر الخيال. نحن نبتكر للكائنات ما نفتقده لأنفسنا: الخلود، أو على الأقل، تعدد الفرص. فالقطة لا تمثل مجرد حيوان، بل تمثل أمنية بشرية دفينة بأن لا تكون النهاية حتمًا قاطعة، وبأن تكون السقطة قابلة للإصلاح، وبأن تُمنح الروح فرصة أخرى للارتفاع. هذه الرغبة هي أصل الكثير من الأساطير، وهي أيضًا أصل كثير من الأديان والأدب والفنون. فالإنسان، حين يعجز عن تغيير قانونه الوجودي، يعيد صياغته في الحكاية.
ولذلك، حين ننظر إلى قطة تهبط من علوّ صغير أو كبير، لا نرى مشهدًا بيولوجيًا فحسب، بل نرى تمثيلًا رمزيًا لفكرة البقاء. ثم نكتشف أن السر ليس في الأرواح التسع، بل في الروح الواحدة حين تكون يقظة، خفيفة، مستعدة، غير مستسلمة. القطة لا تهزم الجاذبية، لكنها تفاوضها. لا تنكر الخطر، لكنها تحسن مراوغته. وفي هذا درس بالغ للإنسان، الفرد والمجتمع معًا: ليس المطلوب أن نعيش بلا سقوط، بل أن نتعلم كيف نهبط بأقل قدر من الانكسار، كيف نلتف داخل العاصفة، وكيف نحفظ في داخلنا توازنًا يسبق الكارثة بدل أن يلاحقها.
أما العمر، فهو مفارقة أخرى في حياة القطط. فالعالم يحتفي بها وهي صغيرة، يراقبها وهي تكبر، ثم يفاجأ بأن عمرها، مهما طال، يبقى محدودًا مقارنة بما نتخيله. وقد ذُكرت قطط عاشت ما يقترب من ثلاثة عقود، مثل القطة المعروفة باسم «بينكي» التي بلغت 28 عامًا، وهو رقم يثير الإعجاب لأنّه في عالم القطط يُعدّ عمرًا مديدًا. لكن حتى هذا الامتداد لا يبدد الحقيقة الكبرى: الزمن لا يمنح أحدًا ضمانًا أبديًا. ولهذا فإن كل قطة عجوز، بعينيها اللتين حملتا سنوات البيت وصمته، تبدو لنا كحكمة تمشي على أربع: حكمة تقول إن الحياة لا تُقاس بطولها وحده، بل بكثافتها، وبما تتركه من أثر في الذاكرة.
في النهاية، ليست «الأرواح التسع» حقيقة علمية، لكنها حقيقة رمزية شديدة العمق. إنها اسم آخر لقدرة الكائن على المقاومة، ولرهافة الجسد حين يتحول إلى أداة للنجاة، ولخفة الروح حين تتعلم أن تتعامل مع السقوط بوصفه جزءًا من المشي لا نهايته. والقطط، بهذا المعنى، لا تعيش حياة واحدة فقط، بل تعيش معنا أيضًا في مخيلتنا: في الحارة، وفي النافذة، وفي الحلم، وفي ذاكرة الطفولة، وفي تلك اللحظة التي نراها فيها تقفز بثقة لا نملك مثلها، ثم تهبط كما لو كانت الأرض تعرفها وتعرفها الأرض.
وهكذا تظل القطة أكثر من حيوان أليف؛ إنها استعارة للنجاة، ودرس في التوازن، ورمز للعلاقة الغامضة بين الرقة والصلابة، بين الخوف والجرأة، بين الفناء والدهشة. وإذا كانت تسع أرواحها مجرد أسطورة، فإن ما هو أصدق من الأسطورة أنها تعلّمنا كيف نتمسك بحياتنا الواحدة كما لو كانت معجزة، وكيف نرى في كل هبوط فرصةً جديدة للوقوف من جديد.
