الحلم قبلة من تحت الوسادة
استيقظ على ارتباكٍ خفيف، كأن شيئًا في داخله لم يكتمل بعد. لم يكن ذلك الاستيقاظ الحاد الذي يقتلعك من نومك اقتلاعًا، بل كان انزلاقًا بطيئًا من عالمٍ دافئٍ إلى آخر أكثر برودة، أكثر واقعية… وأكثر إيلامًا. فتح عينيه نصف فتحة، كمن يخشى أن يبدد الضوء ما تبقى من حلمٍ لذيذ.
تحسس الوسادة بيده، فارتعشت أصابعه حين لامست شيئًا صغيرًا، ملفوفًا بورقٍ ناعم. رفعه ببطء، كمن يفتح سرًا لا يريد له أن ينكشف. كانت قطعة حلوى.
ابتسم. لكن الابتسامة لم تكن كاملة… كانت مشروخة بشكٍّ صغير.
"أكان حلمًا؟" سأل نفسه، بصوتٍ لم يخرج من شفتيه، بل ظل يتردد في داخله كصدى بعيد.
في الحلم — أو ما ظنه حلمًا — كانت سامية تقف عند حافة سريره.
لم تكن مجرد امرأة؛ كانت حضورًا دافئًا يسبقها. ابتسامة لا تُرى فقط، بل تُحس. شيءٌ فيها يشبه الطمأنينة حين تأتي متأخرة، لكنها تأتي.
اقتربت منه بخفة، كأن الأرض نفسها تفسح لها الطريق. لم توقظه. لم ترد أن تفسد عليه لذّة الغياب. فقط وضعت الحلوى تحت وسادته، كما تفعل الأمهات مع أطفالٍ يخافون الليل.
لكن الزمن، ذلك الخائن الصغير، خانه.
فتح عينيه.
نظر إليها، وتوقفت الدنيا لحظة.
قال، بصوتٍ مبحوح بين النوم واليقظة:
"أتاريني كنت بأحلى حلم لذيذ…"
ضحكت. لم تكن ضحكة صاخبة، بل كانت همسة ضوء. نظرت إليه بعينين فيهما شيء من الشفقة، وشيء أكثر غموضًا… شيء يشبه الحنين إلى أشخاص لم نعرفهم بعد.
في تلك اللحظة، لم يكن المريض مجرد مريض. كان رجلًا يكتشف فجأة أن الحلم، حين يتحقق، يصبح أكثر إرباكًا من كونه حلمًا.
في عنبرٍ آخر، كانت الحياة تأخذ شكلًا مختلفًا.
دخلت سامية، والعدسة تتبعها كظلٍّ فضولي. "الجيل الجديد" كان يسجل كل شيء؛ ليس فقط الصور، بل اللحظات التي لا تتكرر، حتى لو تكررت.
اقتربت من مريضٍ آخر، ناولته قطعة حلوى.
نظر إليها، ثم إلى الحلوى، ثم عاد إليها.
قال، بنبرة فيها خليطٌ من المزاح والصدق:
"الحلاوة صحيح… حلاوتك."
توقفت لحظة. ليس لأن الكلام جديد، بل لأنه صادق بطريقة محرجة.
ضحكت. لكن هذه المرة، كانت الضحكة أكثر حضورًا، أكثر حياة. اقتربت منه، وانحنت قليلًا، ثم طبعت قبلة خفيفة على جبينه.
في تلك اللحظة، التقطت العدسة الصورة.
لكن الصورة لم تكن مجرد قبلة.
كانت إعلانًا صغيرًا عن كارثة منزلية قادمة.
صرخ الرجل، فجأة، وهو يلتفت إلى المصور:
"خلاص! مراتي حتطلقني… والحمد لله!"
انفجر العنبر بالضحك.
لكن خلف الضحك، كان هناك شيء آخر… شيء يشبه الخوف من أن تُرى كما أنت، لا كما تدّعي.
مدير المستشفى كان يراقب المشهد بعينين فيهما بريق طفولي لا يناسب عمره ولا منصبه.
اقترب منها، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها رسمية، لكنها خانته:
"ممكن تعممي التقبيل؟ يمكن… يكون لي نصيب في الآخر."
نظرت إليه.
في عينيها لمعة فهمٍ سريع. كانت تعرف هذا النوع من الرجال؛ أولئك الذين يختبئون خلف النكات، بينما قلوبهم تطرق الباب بخجل.
ابتسمت.
"حاضر."
قالتها ببساطة، لكنها لم تكن مجرد موافقة، بل كانت قبولًا للعبة صغيرة اسمها "الإنسان".
اقتربت من مريضٍ ثالث.
كان شابًا، يبدو عليه أنه لم يتصالح بعد مع فكرة المرض. في عينيه شيء من التحدي، وشيء أكبر من الخوف.
حين مالت نحوه، فهم. ارتبك.
تراجع قليلًا، ثم قال بسرعة:
"حرام عليك! إنتِ عاوزه الولية تطلقني؟ أنا لسه عريس!"
توقفت.
نظرت إليه طويلًا، كأنها تقرأ سطورًا غير مكتوبة.
في داخله، كان هناك صوت آخر:
"أنا لا أخاف الطلاق… أنا أخاف أن أفقد الشيء الوحيد الذي يجعلني أشعر أنني حي."
لكن الصوت لم يخرج.
اكتفى بالضحك، ككل الرجال الذين يتقنون إخفاء هشاشتهم خلف النكات.
ابتسمت له، ولم تقبّله.
لكنها، في تلك اللحظة، منحت له شيئًا أهم من القبلة: احترمت خوفه.
وفي زاويةٍ أخرى، كان المشهد مختلفًا… وأكثر تعقيدًا.
عاملٌ بسيط، بملامح مرهقة، لكن بعينين فيهما جرأة غريبة.
حين اقتربت سامية، كان قلبه يسبق عقله.
قبّلته.
تجمد للحظة.
ثم، وكأن شيئًا داخله قرر أن يتمرد على كل القواعد، انحنى… وقبّلها.
لكن ليس على وجهها.
توقفت الدنيا.
احمرّ وجهها.
لم يكن احمرار خجلٍ فقط، بل احمرار دهشة. لم تتوقع أن يرد أحدهم الفعل بالفعل… بهذه الجرأة، بهذه البساطة.
نظرت إليه.
وفي عينيها، هذه المرة، لمعة أخرى… شيء بين الغضب والدهشة والضحك المكبوت.
قالت، وهي تبتعد خطوة:
"إنت… كهربتني!"
ضحك. ضحكته لم تكن وقحة، بل كانت عفوية، كطفلٍ لمس شيئًا لا يعرفه.
لكن في داخله، كان هناك صوت آخر:
"لم أقصد أن أكون جريئًا… فقط أردت أن أشعر أنني لست أقل."
العدسة التقطت كل شيء.
لكنها لم تلتقط ما كان يحدث داخلهم.
لم تلتقط ذلك الصراع الصامت بين الرغبة والخوف. ولا تلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان أكثر صدقًا حين يظن أن أحدًا لا يراه.
في نهاية الزيارة، كانت سامية تسير ببطء.
لم تعد الابتسامة كما كانت في البداية. لم تختفِ، لكنها تغيرت. أصبحت أثقل. كأنها تحمل وجوهًا كثيرة داخلها.
تساءلت، بصمت:
"هل كنت أُسعدهم… أم كنت أوقظ فيهم أشياء كانوا يفضلون أن تبقى نائمة؟"
لم تجد إجابة.
لكنها شعرت بشيء غريب… كأنها، وسط كل هذه اللحظات، لم تكن فقط تعطي… بل كانت تُؤخذ منها أشياء أيضًا.
أشياء لا تُرى.
الرجل الذي استيقظ من حلمه، كان لا يزال ممسكًا بالحلوى.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال لنفسه:
"لو كان حلمًا… فهو الحلم الوحيد اللي ساب دليل."
توقف.
ثم ابتسم، هذه المرة ابتسامة كاملة.
"ولو كان حقيقة… فهي الحقيقة الوحيدة اللي تشبه الحلم."
وضع الحلوى في فمه.
أغمض عينيه.
ليس لينام…
بل ليحاول، فقط، أن يعود قليلًا… إلى تلك اللحظة التي لم يكن يعرف فيها إن كان حيًا… أم يحلم.
