يهود الإسكندرية بين السماحة المصرية والعنف الصهيوني
المدينة بوصفها كائنًا حيًّا
ليست الإسكندرية مدينةً من حجرٍ وبحرٍ فقط، بل كائنٌ حيٌّ من ذاكرةٍ ورمز، من تاريخٍ يتنفس، ومن حضارةٍ تتراكم طبقاتها كما تتراكم طبقات الصدف على جسد السفن القديمة. هي مدينة المرافئ المفتوحة، واللغات المتعددة، والوجوه المختلطة، مدينة وُلدت كجسرٍ بين الشرق والغرب، فصارت معبرًا للثقافات، وميناءً للأديان، ومختبرًا للهوية الإنسانية في أنقى صورها وأكثرها تعقيدًا.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، دخلت الإسكندرية عصرها الذهبي، فغدت أشبه بـ مرآة حضارية كبرى تعكس تناقضات الحداثة نفسها: الرخاء والفقر، التسامح والصراع، الانفتاح والعزلة، الوطنية والاغتراب. وفي قلب هذا المشهد المتعدد، تشكّلت الجالية اليهودية السكندرية كجزءٍ من النسيج الكوزموبوليتي للمدينة، لا كجسمٍ طارئ، بل كفاعلٍ تاريخيٍّ شارك في الاقتصاد، والثقافة، والعمران، والتعليم، والمال، والبنوك، والتجارة، والفنون.
الإسكندرية الكوزموبوليتانية: برج بابل الجديد
كانت الإسكندرية في تلك الحقبة برج بابل حديثًا، لا بمعنى الفوضى، بل بمعنى التعدد المنظم: يونانيون، إيطاليون، أرمن، شاميون، أتراك، مصريون، يهود، أوروبيون… كلهم يتحركون في فضاءٍ واحد، بلغاتٍ متعددة، وقوانين متداخلة، وثقافات متشابكة.
في هذا السياق، لعب اليهود دورًا بالغ الذكاء في الوساطة الحضارية والاقتصادية بين الجاليات الأجنبية والمجتمع الوطني المصري. كانوا حلقة الوصل بين المال والتجارة، بين الشرق والغرب، بين الرأسمال الأوروبي والأسواق المحلية. هذا الدور الوسيط منحهم نفوذًا اقتصاديًا واسعًا، وفتح لهم أبواب الصعود الاجتماعي السريع.
لكن هذه الوظيفة نفسها زرعت بذرة الانفصال الرمزي:
فبدل أن يكون الاندماج طبيعيًا في المجتمع المصري، بدأ يتشكل كيان اجتماعي مغلق، يتغذّى على الامتيازات القنصلية، والحماية الأجنبية، والاقتصاد العابر للحدود، ما جعل الجالية اليهودية، تدريجيًا، تتحول من جماعة دينية داخل المجتمع إلى طبقة فوق-وطنية منفصلة عنه.
من الجالية إلى الطبقة: الاقتصاد بوصفه أداة هوية
برزت عائلات المال الكبرى:
دي منشه – قطاوي – موصيري – رولو – أجيون – سوارس – عاداه – سموحة
فلم تكن مجرد عائلات ثرية، بل شبكات سلطة اقتصادية وسياسية واجتماعية.
لقد تحولت الإسكندرية إلى عاصمة مالية غير رسمية:
• بنوك عالمية
• شركات صرافة
• بيوت تجارة
• بورصة قطن
• شركات ملاحة
• تأمين
• استيراد وتصدير
• صناعات غذائية
• عقارات
• أراضٍ زراعية
وكان اليهود في قلب هذا كله، لا باعتبارهم جماعة دينية فقط، بل كـ نخبة رأسمالية عابرة للهويات الوطنية.
ومن هنا بدأت المفارقة الكبرى:
بين يهودية مصرية اجتماعية عاشت قرونًا في التسامح المصري، ويهودية سياسية حديثة بدأت تتشكل مع المشروع الصهيوني.
العائلة بوصفها دولة مصغّرة: نموذج "دي منشه"
تمثل عائلة دي منشه نموذجًا رمزيًا لتحول الجالية إلى بنية سلطوية:
• من الصرافة البسيطة
• إلى البنوك
• إلى شبكات التجارة الدولية
• إلى النفوذ السياسي
• إلى السيطرة على مجلس الطائفة
• إلى تأسيس مؤسسات تعليمية وصحية
• إلى التحكم في القرار الديني والاجتماعي
لقد تحولت الطائفة إلى دولة داخل الدولة، والمجلس إلى مجلس عائلة، والدين إلى أداة تنظيم اجتماعي، والمدارس إلى آلات تشكيل وعي.
المؤسسات: صناعة الوعي المغلق
أنشئت المدارس، والمعابد، والمستشفيات، والجمعيات، ليس فقط للخدمة الاجتماعية، بل لـ:
• إنتاج هوية مغلقة
• فصل الأطفال اليهود عن الثقافة المصرية
• خلق ذاكرة جماعية مستقلة
• بناء ولاء ثقافي بديل
• تكوين "إنسان يهودي كوني" لا "مواطن مصري يهودي"
وهنا يظهر التحول الخطير:
من التعايش إلى الانعزال ، من الاندماج إلى التحصّن ، من الانتماء الوطني إلى الانتماء العابر للأوطان
الصهيونية: من فكرة إلى اختراق اجتماعي
دخلت الصهيونية إلى الإسكندرية لا كحركة شعبية، بل كـ مشروع نخبوي منظّم:
• عبر العائلات الثرية
• عبر المؤسسات التعليمية
• عبر الجمعيات
• عبر المحافل
• عبر الحاخامات
• عبر الصحف
• عبر العلاقات الدولية
لم تُقدَّم الصهيونية كعدوان، بل كـ:
"هوية ثقافية" ، خلاص تاريخي" ، "عودة روحية" ، "حلم ديني"
بينما كانت في جوهرها مشروعًا استيطانيًا استعماريًا.
التناقض الأخلاقي: من التسامح إلى العنف
المفارقة المأساوية أن مدينة احتضنت اليهود قرونًا، ومنحتهم الأمان والرزق والمكانة، خرج منها:
• جواسيس
• إرهابيون
• شبكات تخريب
• خلايا لافون
• قتلة سياسيون
• عناصر استخباراتية
ليس لأن الإسكندرية فشلت أخلاقيًا، بل لأن الهوية صُنعت خارجها، والولاء أُعيد تشكيله بعيدًا عنها، والانتماء أُعيد تعريفه سياسيًا لا إنسانيًا.
التحليل الفلسفي: حين تتحول الهوية إلى سلاح
حين تتحول الهوية من:
"انتماء إنساني" إلى "مشروع سياسي" ومن "ذاكرة ثقافية" إلى "أداة استعمارية"
تصبح:
• الجيرة خيانة
• التعايش ضعفًا
• الوطن مرحلة انتقالية
• الإنسان وسيلة لا غاية
وهنا يولد العنف المقدس، وتُشرعن الجريمة باسم العقيدة، ويتحول الدين إلى أيديولوجيا، والتاريخ إلى سلاح.
الإسكندرية الضحية
الإسكندرية لم تخن أحدًا، لكن بعض من عاشوا فيها خانوا معناها. لم تطرد اليهود،
بل احتضنتهم. لم تعادِهم، بل فتحت لهم أبوابها. لم تميّز ضدهم، بل ساوتهم بغيرهم.
لكن المشروع الصهيوني لم يرَ في الإسكندرية وطنًا، بل محطة، ولم يرَ في مصر بيتًا، بل مرحلة، ولم يرَ في التعايش قيمة، بل عائقًا.
خاتمة فكرية شاعرية
كانت الإسكندرية أمًّا كبرى، تُرضع أبناءها من بحرها، وتكسوهم من رياحها، وتُدفئهم بشمسها، وتُعلّمهم لغات الموج والصخر والريح.
لكن بعض أبنائها اختاروا أن يكونوا غرباء في حضن أمهم، وأن يحملوا خناجر الأفكار بدل دفء القلوب، وأن يستبدلوا الوطن بالخريطة، والإنسان بالمشروع،
والتاريخ بالعقيدة السياسية.
وهكذا، لم يكن الصراع بين يهود الإسكندرية ومصر، بل بين اليهودية المصرية المتسامحة والصهيونية الاستعمارية العنيفة، بين هوية تعايش وهوية اقتلاع، بين دينٍ روحي وأيديولوجيا سياسية.
إن مأساة يهود الإسكندرية ليست في خروجهم من المدينة، بل في خروج المدينة من وجدانهم.
وليست في هجرتهم الجغرافية، بل في هجرتهم الأخلاقية. وليست في تغيير المكان،
بل في تبدل المعنى.
فالإسكندرية لم تطرد أحدًا… لكن بعضهم اختار أن يخرج من روحها.
