أثر السينما في الصغار
بين سحر الصورة وخطر التكوين النفسي
تمهيد
لم تكن السينما، منذ دخولها مجتمعاتنا، مجرد وسيلة ترفيه بريئة، بل كانت — ولا تزال — قوة ناعمة تشكّل الوجدان، وتعيد صياغة الخيال، وتغرس القيم أو تزعزعها. وقد بدا هذا الأثر أوضح ما يكون في نفوس الصغار، حيث تكون الشخصية في طور التشكّل، والعقل في طور التلقي، والخيال بلا سياج من النقد أو التجربة.
باعتبارها مؤثّرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا، يملك القدرة على البناء كما يملك القدرة على الهدم.
أولًا: ذاكرة الطفولة وسحر المحرَّم
كنا - ونحن صغار - نردد بإلحاح: «نريد أن نذهب إلى السينما»، فيقابلنا الآباء بنظرات الغضب والتحذير، وكأننا نطلب اقتحام محراب محرّم. كانت السينما في نظرهم وكرًا للخطر، ومستنقعًا للأخلاق، ومدرسة خفية للجريمة والانحراف.
وإذا حدث - على سبيل المغامرة - أن دخلناها خلسة، ثم كُشف أمرنا، انهال العقاب ضربًا وحرمانًا، لا لذنب اقترفناه، بل لأننا اقتربنا من عالم لم نُهيَّأ له بعد.
والمفارقة أن هذا المنع الشديد لم يُضعف جاذبية السينما، بل زادها سحرًا؛ إذ إن النفس البشرية - وخصوصًا نفس الطفل - تنجذب بطبيعتها إلى الممنوع، وترى في المحظور وعدًا بالمغامرة والاكتشاف.
ثانيًا: طبيعة ما كنا نراه
كانت الأفلام التي تُعرض آنذاك تدور في معظمها حول العنف والصراع:
ضرب، ملاكمة، مطاردات، مسدسات، أبطال يواجهون لصوصًا، وحروبًا تنتهي بانتصار القوة. ولم نكن - صغارًا - ندرك من ذلك سوى الإثارة والحركة، دون وعي بالعواقب أو الدلالات.
أما الكبار، فقد كانوا يجدون في السينما لذّة أخرى، أدركناها لاحقًا:
نساء جميلات، علاقات مشبوهة، صالونات فاخرة، وبارات تفيض بالإغراء. وهنا يتجلى الفرق بين تلقي الطفل وتلقي البالغ؛ فالصغير يرى الفعل، بينما يرى الكبير المعنى الكامن خلفه.
ثالثًا: الوهم الأول… واليقظة المتأخرة
في طفولتنا، لم نشعر أن السينما أفسدتنا مباشرة.
لم نحمل سكاكين، ولم نسرق، ولم تشتعل في نفوسنا غرائز نائمة. وظننا - بسذاجة العمر - أن التحذيرات كانت مبالغًا فيها.
غير أن الحقيقة تكشفت لاحقًا، حين كبرنا ونظرنا إلى مصائر بعض رفاقنا.
رأينا أن نفرًا من ضعاف الشخصية قد جنت عليهم السينما فعلًا:
منهم من انصرف عن الدراسة، ومنهم من احترف حرفًا لا تشرف، ومنهم من ضاع في طرق مظلمة لا نعلم أين انتهت به.
وهؤلاء جميعًا كانوا - بلا استثناء - ممن أسرفوا في ارتياد السينما، ووجدوا فيها عالمًا بديلًا يعوّض نقصًا داخليًا أو فراغًا أسريًا.
رابعًا: السينما بين التهذيب والإفساد
ثم لاحظنا - في مرحلة لاحقة - أن مستوى السينما قد ارتفع:
قلت فيها أفلام الجرائم والإغراء، وظهرت موضوعات إنسانية واجتماعية سامية، فخفّ الخوف منها، بل صرنا من المهتمين بها والمدافعين عنها.
غير أن هذا التطور لم يكن - في جوهره - انتصارًا أخلاقيًا، بل نتيجة قوانين السوق؛ إذ لم يعد الذوق العام - في مصر- يميل إلى الإفراط في العنف، بعكس مجتمعات أخرى.
وقد كشفت الإحصاءات في فرنسا، وغيرها، أن أفلام الجريمة لا تزال تفسد نفوس عدد كبير من الصغار، وهو ما جعلنا نحمد الله أن الخطر كان - نسبيًا - بعيدًا عن أبوابنا.
خامسًا: عودة الخطر بثوب جديد
لكن الخطر لا يختفي، بل يتبدل شكله.
فمع ازدياد دور السينما، واتساع الجمهور، عادت أفلام الجريمة تدق أبوابنا بعنف، ورأينا أبناءنا الصغار يتدافعون نحوها، مدفوعين بحب المغامرة والإثارة، وهو حب فطري لا لوم فيه.
وهنا يتبدى الواجب الأخلاقي والاجتماعي:
أن نتقدم بالنصح، لا بالمنع الأعمى، وبالحماية الواعية، لا بالعقاب القاسي.
سادسًا: التحليل النفسي لتأثير السينما
يؤكد عالم النفس الفرنسي هنري والون أن الطفل، حين يشاهد فيلمًا مثيرًا، لا يكتفي بالمشاهدة، بل يسعى - لا شعوريًا - إلى تحقيق ما رآه.
فأبطال الفيلم يصبحون نماذج للإعجاب، وتشتعل المخيلة، وتظل الصور عالقة في الذهن أيامًا وربما أسابيع.
وقد روت فتاة صغيرة أنها ظلت تحلم أسبوعًا كاملًا بفيلم رعب شاهدته، حتى امتنعت عن الطعام من شدة الخوف.
وهذا طبيعي؛ لأن خيال الطفل غير ناقد، وتجربته محدودة، فلا يستطيع الفصل بين التمثيل والواقع، ولا بين الخطر الحقيقي والوهم السينمائي.
سابعًا: السينما بوصفها قوة إيحاء
أثبتت دراسات معهد التربية الطبي في فرنسا أن مشاهد الرعب، رغم إخافتها للصغار، تجذبهم وتستولي على تفكيرهم، وقد تدفعهم إلى التقليد.
فقد حاول بعض الأطفال شنق زميل لهم تقليدًا لمشهد رأوه في فيلم، دون وعي بخطورة الفعل.
ويزداد هذا التأثير كلما:
• قلت ثقافة الطفل
• ضعفت قدرته العقلية
• ساءت ظروفه الأسرية
ولهذا فإن ضحايا السينما غالبًا من ضعاف الحماية النفسية، لا من الأطفال المحاطين بالتوجيه والرعاية.
ثامنًا: الأخطار الصحية والاجتماعية
لا يقتصر الخطر على النفس وحدها، بل يمتد إلى الجسد.
فدور السينما الشعبية، خصوصًا في الدرجات الدنيا، تفتقر إلى الشروط الصحية:
ازدحام، هواء فاسد، مقاعد ملوثة، تدخين، وبقايا طعام.
ويخرج الصبيان بعد ساعات من هذا الجو، بوجوه شاحبة، وأجساد مرهقة، وأذهان مشوشة، يقلدون ما رأوه على الشاشة دون وعي أو تمييز.
خاتمة: سؤال المسؤولية
إذا كانت دول كثيرة تحرّم دخول السينما على من هم دون السادسة عشرة،
فلماذا لا نفعل؟
وهل نحتاج فعلًا إلى كارثة أخلاقية أو صحية حتى نتحرك؟
إن القضية ليست تحريم الفن، بل تنظيمه، وليست قمع الخيال، بل حمايته،
وليست منع السينما، بل توجيهها.
فالطفل أمانة، والصورة أقوى من الكلمة، ومن يملك الصورة، يملك المستقبل.
مراجع فكرية
1. هنري والون – علم نفس الطفل
2. غوستاف لوبون – سيكولوجية الجماهير
3. جان بياجيه – تكوين العقل عند الطفل
