احترس… فالمدينة لا تنام، ووجوهها ليست كما تبدو
السيدة التي بكت عند الضريح
عندما وطئت قدماها أرض العاصمة، شعرت كأنها تدخل عقلًا واسعًا لا مدينة.
الضجيج أفكار، والوجوه أسئلة، والطرقات احتمالات.
وكانت أول فكرة طافت بذهنها — لا رغبة ولا خطة — أن تزور السيدة الطاهرة.
كأن روحًا خفية همست لها: «ابدئي من هنا».
خرجت ستّ أخواتها من المحطة، تحمل صرّتها الصغيرة كأنها قلبها مطويّ في قماش.
سألت أول رجل صادفته في الميدان عن طريق السيدة زينب، فأرشدها ابن الحلال،
ركبت الترام، ساعة كاملة من الاهتزاز، من النظر في الوجوه، من الإصغاء إلى صمتها الداخلي.
وعند الضريح، اختلط دعاؤها بدعاء النسوة. أصوات متشابكة، دموع لا تُفرَّق، رجاء واحد بأسماء متعددة.
وهناك، إلى جوارها، جلست امرأة سمراء اللون، ملامحها منكسرة، عيناها مغسولتان بالبكاء. بكاء مرّ، ليس فيه تكلّف، كأن الألم أقدم من الدموع.
تسللت نسمات من العاطفة إلى قلب ستّ أخواتها.
اقتربت منها، همست:
مالك يا أختي؟
وبين شهقة وشهقة، حكت المرأة قصتها.
قالت إنها مربية لدى أسرة كريمة، أرسلتها سيدتها لتضع جنيهًا نذرًا في صندوق الضريح، شكرًا لنجاح الابن.
حضرت، بحثت عن الجنيه… فلم تجده.
والآن هي حائرة:
إن عادت بالحقيقة ضُربت، وإن كذبت خافت من غضب السيدة زينب.
كانت الكلمات تسقط كالحجارة.
وفي داخل ستّ أخواتها دار حوار صامت:
أيعقل أن يُعاقَب الفقر دائمًا؟ أليس الله أرحم؟ أليس القلب أهم من الجنيه؟
مدّت يدها إلى صدرها، أخرجت صرّتها، فتحتها، وأخرجت ورقة من فئة العشرة قروش.
وضعتها في يد المرأة.
لحظة صمت. ثم أشرق وجه السمراء كفجرٍ مفاجئ. تمتمت بآيات الشكر، ارتمت عليها، قالت:
هات إيدك أبوسها…
سحبت ستّ أخواتها يدها مستغفرة. لكن المرأة قبّلت رأسها، وانصرفت وهي تلهج بالدعاء.
خرجت ستّ أخواتها من المقام، ركبت الترام، وضعت يدها في صدرها…
لم تجد الصرّة.
أمام البوليس حكت القصة.
ابتسم الضابط ابتسامة من يعرف المدينة أكثر مما ينبغي، وقال بهدوء قاتل:
دي مش مربية يا ست… دي نشّالة.
اسمها سيدة حسين حنين، شهرتها الخشباشة. أول حادثة 1928، وآخرها 1954.
خارجة من السجن وراجعة للشغل.
جلست ستّ أخواتها صامتة. وفي عقلها دار سؤال فلسفي موجع:
هل كانت مخدوعة… أم كانت إنسانة؟ وهل يُلغى الخير إذا سُرق؟
الرجل الذي نادوه بالدكتور
وقف الأتوبيس في المحطة، مزدحمًا كعادة الحياة. صعد شاب، ووقف في الطرقة، وخلفه رجل يحمل حقيبة. رفع أحد الركاب رأسه، حدّق في حامل الحقيبة، ثم صاح فجأة:
إزاي الصحة يا دكتور؟
ردّ الآخر بلهجة متأنقة:
أهلاً وسهلاً… أهو بنعمة ربنا.
طب اتفضل اقعد.
لا لا، واقف أحسن.
المشهد بدا عاديًا. العادي هو أخطر ما في المدينة.
غادر الشاب الأتوبيس، أخرج علبة سجائره، وجدها فارغة. مدّ يده إلى جيبه ليخرج المحفظة…لا شيء. فتّش جيوبه، قلب سترته، ارتبك. تذكّر الأتوبيس.
تذكّر الدكتور. ركض في الشارع، يصرخ:
دكتور! المحفظة! فلوس المصلحة!
لكن الأتوبيس كان قد ابتلع صوته.
الدكتور لم يكن دكتورًا. اسمه محمد أحمد علي، شهرته الضعيف. والرجل الذي ناداه بالدكتور لم يكن سوى عونٍ مدرّب.
بدأ نشاطه مبكرًا، عام 1940. دخل الإصلاحية، خرج منها أكثر حنكة. عشرون حادثة حتى الآن. آخرها في السيدة زينب.
يحمل حقيبته، يصعد الترام، ينتظر النداء:
إزاي الصحة يا دكتور؟
احترس…
فالألقاب في المدينة قد تكون مصائد.
الحسناء التي سرقت القماش
في حي الموسكي، الزحام موج، والروائح تختلط:
عطر، قماش جديد، ذهب، عرق، أحلام.
ادخل هذا المحل. قف أمام الفاترينة، راقب البائع. عقله آلة حساب، وعينه ميزان.
وفجأة… تدخل حسناء فارعة. ابتسامة عريضة، مشي واثق، حقيبة أنيقة.
الثوب ده لو سمحت.
اتفضلي.
لا، مش ده… ده.
تفتح حقيبتها ، يتناثر داخلها رزم من أوراق خضراء وحمراء. يسيل لعاب البائع.
عقله يغيب، وعينه تلاحق أناملها.
ممكن تواليت؟
يذهب ليحضر الثوب الآخر. تبتسم. تفرد القماش… وتختفي. تعود، تعتذر، تقول إنها ستعود مع خالتها. ينظر إليها حتى تغيب. ثم يلتفت ليجمع أقمشته. يتوقف.
الله… الثوب فين؟
لا فائدة. الثوب ذهب، كما ذهبت البسمة.
اسمها روائح على عثمان. أما النقود فـمارك ألماني قديم.
احترس من البسمة الواسعة…فبعض الجمال مهنة.
راكب الدراجة
أول الشهر. المرتب ما زال دافئًا في الشنطة. أحلامك أكبر منه.
تنزلين من الأتوبيس، تقفين أمام الفاترينة العاشرة، ثم العشرين.
تفكرين، تترددين، تحسبين. ثلاثون جنيهًا لا تكفي ستين حلمًا.
تعبرين الطريق.
تنتظرين سيارة، تمر دراجة…
وفجأة:
الشنطة طارت.
راكب الدراجة اختفى.
والعرق الذي جمعه زوجك شهرًا… تبخّر.
اسمه رفعت حسين محمد. متخصص. محترف.
احترسي يا سيدتي. فالمدينة لا ترحم الأحلام المتعبة.
خاتمة فلسفية
المدينة ليست شريرة… لكنها ذكية. تعرف كيف تختبر قلوبنا:
بالدمعة، باللقب، بالبسمة، وبالدراجة.
احترس… ليس لأنك ضعيف، بل لأنك إنسان.
