إرهابي الضوء الأحمر: قراءة اجتماعية-قانونية-فلسفية في الجريمة الإرهابية

إرهابي الضوء الأحمر: قراءة اجتماعية-قانونية-فلسفية في الجريمة الإرهابية
مقدمة تُعدّ الجريمة الإرهابية من أعقد الظواهر الاجتماعية المعاصرة، إذ تتشابك فيها الدوافع النفسية بالبنى الأيديولوجية، وتتقاطع مع السياقات القانونية والسياسية والإعلامية. ومن بين القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً في الوعي العام المصري حادث تفجير الدرب الأحمر بالقاهرة في فبراير 2019، والذي استهدف نقطة تفتيش شرطية وأسفر عن سقوط ضحايا من رجال الأمن والمواطنين. في هذا السياق، ظهر في الخطاب الإعلامي تعبير «إرهابي الضوء الأحمر» بوصفه توصيفاً رمزياً للحادث أو لمرتكبيه، وهو تعبير يحمل دلالات تتجاوز الوصف المباشر إلى فضاءٍ رمزيٍّ يشي بالخطر والتحذير والانقطاع عن المسار الطبيعي للمجتمع. تهدف هذه الدراسة إلى إعادة تنسيق وتحليل هذا المفهوم في قالب اجتماعي-قانوني-فلسفي، مع توظيف أدوات علم النفس وتحليل الجريمة، والاعتماد على التفكير العلمي النقدي لفهم الظاهرة بعيداً عن التبسيط أو التهويل. أولاً: الإطار الوقائعي للحادث وفقاً لما أعلنته الجهات الرسمية وتناولته وسائل الإعلام في حينه، وقع التفجير في منطقة الدرب الأحمر، وهي منطقة ذات كثافة سكانية عالية وتاريخ اجتماعي عريق. استهدف التفجير كميناً للشرطة، في فعلٍ ينطوي على رسالة مزدوجة: الاعتداء على مؤسسات الدولة، وبثّ الخوف في المجال العام. وأشارت التحقيقات الأولية آنذاك إلى تورط شخص يُدعى الحسن عبد الله، مع ربطه—وفق ما تداوله الإعلام—بشبكات أو تنظيمات متطرفة. وقد تناول إعلاميون بارزون القضية، مُدرجين الحادث ضمن سياق أوسع من العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر في تلك المرحلة. ومن المهم، من منظور علمي وقانوني، التأكيد على أن هذه الروابط تُقدَّم بوصفها نتائج تحقيقات وروايات إعلامية، لا أحكاماً فلسفية أو اجتماعية مُطلقة. ثانياً: دلالة مصطلح «الضوء الأحمر» يكتسب المصطلح أهميته من كونه تسمية رمزية أكثر منه توصيفاً قانونياً. فالضوء الأحمر، في الثقافة الإنسانية، يحمل معاني التحذير، التوقف القسري، والخطر الداهم. ومن هنا يمكن قراءة المصطلح عبر ثلاثة مستويات: 1. المستوى الرمزي: يشير الضوء الأحمر إلى حالة إنذار قصوى، وكأن الجريمة تقول للمجتمع: هناك خلل عميق يستدعي التوقف والتأمل. الإرهاب هنا لا يُقدَّم كفعل معزول، بل كإشارة إلى أزمة أعمق في البنية الفكرية والنفسية لبعض الأفراد. 2. المستوى الإعلامي: تميل وسائل الإعلام إلى استخدام الرموز المكثفة لتبسيط الأحداث المعقدة وإيصالها للجمهور بسرعة. ومن ثمّ قد يكون المصطلح نتاجاً لخطاب إعلامي يسعى إلى ترسيخ صورة ذهنية محددة عن الخطر. 3. المستوى النفسي-الاجتماعي: استخدام الضوء الأحمر قد يعكس حالة «الصدمة الجمعية»، حيث يبحث المجتمع عن لغة تعبّر عن خوفه وقلقه، فيلجأ إلى الرموز ذات الشحنة الانفعالية العالية. ثالثاً: التحليل النفسي للجريمة الإرهابية من منظور علم النفس الجنائي، لا يمكن اختزال الإرهابي في صورة «الشر المطلق»، بل ينبغي فهمه كنتاج تفاعل معقّد بين الفرد والبيئة. تشير نظريات التطرّف العنيف إلى مجموعة من العوامل المحتملة، منها: • الشعور بالتهميش أو الإقصاء: حيث يجد الفرد في الأيديولوجيا المتطرفة إطاراً يمنحه معنى وهوية. • التشوهات المعرفية: مثل التفكير الثنائي (نحن/هم)، وتبرير العنف باعتباره واجباً أخلاقياً. • التلاعب الأيديولوجي: إذ تُستغل النزعات الدينية أو السياسية لإعادة تشكيل الضمير الفردي. في حالة الدرب الأحمر، لا يعني التحليل النفسي تبرير الفعل، بل تفكيك دوافعه بهدف الوقاية المستقبلية. فالفهم العلمي للجريمة هو الخطوة الأولى نحو مكافحتها بفعالية. رابعاً: البعد الاجتماعي للجريمة الإرهاب لا يستهدف الأفراد فحسب، بل يضرب نسيج المجتمع ذاته. فاختيار مكان عام مكتظ بالسكان يعكس رغبة في تعميم الخوف، وتحويل الحياة اليومية إلى فضاء مهدَّد. من هذا المنطلق، يمكن القول إن الجريمة الإرهابية هي اعتداء على: • الأمن الاجتماعي: عبر زعزعة الثقة في الفضاء العام. • العقد الاجتماعي: الذي يقوم على احتكار الدولة لاستخدام القوة في إطار القانون. • الذاكرة الجمعية: حيث تظل الحوادث الإرهابية حاضرة في الوعي العام بوصفها جراحاً مفتوحة. خامساً: المقاربة القانونية من الناحية القانونية، تُصنَّف هذه الأفعال ضمن الجرائم الإرهابية التي تُعالج بقوانين خاصة، نظراً لخطورتها وطبيعتها العابرة للأفراد. ويقوم القانون هنا بوظيفتين أساسيتين: 1. الردع والعقاب: من خلال ملاحقة الجناة ومحاكمتهم وفق إجراءات تكفل العدالة. 2. الحماية الوقائية: عبر تفكيك الشبكات الداعمة، وتجفيف منابع التمويل، ومراقبة الخطاب المحرّض على العنف. غير أن المقاربة القانونية، على أهميتها، تبقى قاصرة إن لم تتكامل مع أبعاد نفسية وثقافية وتعليمية. سادساً: القراءة الفلسفية للإرهاب فلسفياً، يطرح الإرهاب سؤالاً جوهرياً حول معنى العنف وحدود الفعل السياسي أو الديني. فحين يتحول الإنسان إلى أداة قتل باسم فكرة، تتعطل الأخلاق لصالح أيديولوجيا مغلقة. هنا يظهر «الضوء الأحمر» كرمز فلسفي للتوقف أمام انحراف العقل عن غايته الإنسانية. الفلسفة، في هذا السياق، لا تكتفي بالإدانة، بل تسأل: كيف يمكن للمجتمع أن يُنتج خطاباً عقلانياً بديلاً، يعيد الاعتبار لقيمة الحياة، ويحصّن الأفراد ضد السقوط في فخ التطرف؟ خاتمة إن مصطلح «إرهابي الضوء الأحمر»، رغم طابعه الإعلامي، يفتح باباً واسعاً للتأمل في ظاهرة الإرهاب بوصفها أزمة متعددة الأبعاد. فحادث الدرب الأحمر ليس مجرد واقعة أمنية، بل مرآة تعكس توترات نفسية، واختلالات اجتماعية، وتحديات قانونية، وأسئلة فلسفية عميقة. ومن خلال توظيف علم النفس وتحليل الجريمة، واعتماد التفكير العلمي النقدي، يمكن للمجتمع أن ينتقل من ردّ الفعل الانفعالي إلى الفهم العميق، ومن الإدانة المجردة إلى الوقاية الواعية. عندها فقط، يتحول «الضوء الأحمر» من رمز للخطر إلى إشارة وعيٍ تُنذر بضرورة الإصلاح قبل فوات الأوان

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال