شهر رجب بين قدسية الزمان وتهذيب الإنسان قراءة دينية في فقه الاستعداد الروحي

شهر رجب بين قدسية الزمان وتهذيب الإنسان قراءة دينية في فقه الاستعداد الروحي
المقدمة رَجَب الشهر السابع من السنة القمرية أو التقويم الهجري ويقال (رجب الرجل الأسد) أي هابه وخاف منه، وهذا الشهر من الأشهر الحرم ويمثل أهمية بالنسبة للمسلمين لحدوث معجزة «الإسراء والمعراج». وهو الشهر الأَصَمّ في الجاهلية، لأنه كان لا يُسْمَع فيه لا حركةُ قتالٍ ولا قَعْقَعةُ سلاح، لكونه من الأشهر الحُرُم. للزمن في التصور الإسلامي قدسيته الخاصة، فهو ليس مجرد إطار تتحرك فيه الأحداث، بل وعاء للمعاني، ومسرح لاختبار القيم، وميدان لتزكية النفوس. ومن بين محطات الزمن التي اختصها الله بفضلٍ وتشريف، يبرز شهر رجب بوصفه أحد الأشهر الحرم، ومحطة إيمانية عميقة في مسار التهيئة الروحية قبل شهر رمضان المبارك. يأتي رجب في منتصف الطريق بين غفلة الشتاء ولهيب الاستعداد الرمضاني، فيوقظ القلوب، ويذكّر الأرواح، ويدعو الإنسان إلى مراجعة ذاته، وتصحيح مساره، بعيدًا عن الغلو والابتداع، وقريبًا من روح الشريعة ومقاصدها. ومن هنا، تتداخل الأبعاد الدينية والاجتماعية والنفسية والفلسفية في فهم هذا الشهر، لا بوصفه موسم طقوس، بل مدرسة تربية. الفصل الأول: رجب في ميزان القرآن والسنة أولًا: رجب من الأشهر الحرم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا … مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (التوبة: 36( ورجب أحد هذه الأشهر الأربعة التي عظّمها الله، فجعل فيها الإثم أعظم، والطاعة أرجى، والقلوب أقرب للخشوع. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «اختصّ الله الأشهر الحرم بأمرٍ زائد على غيرها»، في إشارة إلى شرف الزمان وتأثيره في مضاعفة المعنى لا في تغيير الحكم. ثانيًا: رجب في السنة النبوية لم يثبت عن النبي ﷺ تخصيص رجب بعبادات بعينها، غير أن الثابت هو تعظيمه بوصفه شهرًا حرامًا. ومن الدعاء المشهور – وإن كان في سنده كلام – ما كان يقوله ﷺ: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان» وهو دعاء يحمل بُعدًا نفسيًا عميقًا، إذ يربط بين الزمن والرجاء، وبين التخطيط الروحي واستشراف المستقبل الإيماني. الفصل الثاني: فلسفة تعظيم الزمان في الإسلام الزمان كقيمة أخلاقية في الفلسفة الإسلامية، لا يُنظر إلى الزمان بوصفه محايدًا، بل هو عنصر تربوي. فتعظيم رجب ليس لأن أيامه تختلف ماديًا، بل لأن الإنسان يُطالَب فيه بتعظيم المعنى. يقول الإمام الغزالي: «الزمان وعاء العمل، وشرف الوعاء بشرف ما يوضع فيه». ومن هنا، فإن تعظيم رجب هو تعظيم للالتزام، وضبط للسلوك، وتربية للإرادة. بين القداسة والانحراف حين يتحول تعظيم الزمان إلى طقوس مبتدعة، ينقلب المعنى إلى نقيضه. ولهذا شدّد علماء أهل السنة على أن العبادة توقيفية، وأن تخصيص رجب بصيام معين أو صلاة مخصوصة لم يثبت بدليل صحيح، حمايةً للدين من التحريف، وللنفس من الوهم. الفصل الثالث: البعد النفسي والاجتماعي لشهر رجب رجب: شهر الإيقاظ النفسي من منظور علم النفس السلوكي، يمثل رجب مرحلة الانتقال من الكمون إلى الوعي. فالإنسان الذي أثقلته الذنوب والغفلات، يحتاج إلى محطة توقف، ورجب يقوم بهذا الدور؛ يوقظ الضمير، ويهيئ العقل، ويخفف من الصدمات الروحية التي قد تصاحب الدخول المفاجئ في رمضان. رجب والمجتمع اجتماعيًا، يُعد رجب فرصة لإحياء قيم السلم، وضبط النزاعات، واستعادة المعاني الأخلاقية، خاصة أن العرب كانت تسميه «الأصم» لسكون صوت السلاح فيه. وهذا المعنى لا يزال صالحًا اليوم في عالم يضج بالصراعات؛ فتعظيم رجب يعني خفض حدّة العنف، وضبط اللسان، وترميم العلاقات. الفصل الرابع: الأعمال المستحبة في رجب – فقه الاتباع لا الابتداع أولًا: العبادات العامة • الإكثار من الصلاة النافلة • الصيام غير المخصص (كصيام الاثنين والخميس ، و الثلاثة البيض ) • قيام الليل دون اعتقاد خصوصية عدد أو وقت • الاستغفار و الدعاء بالخير و البركة قال ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» ثانيًا: الذكر والدعاء الاستغفار في رجب له بُعد نفسي عميق؛ إذ يحرر الإنسان من ثقل الماضي، ويمنحه صفاء الاستقبال. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثالثًا: التوبة والاستعداد لرمضان قال بعض السلف: «رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد» ذوهي استعارة زراعية بليغة، تعكس فقه التدرج، وتنسجم مع قوانين النفس البشرية التي تحتاج إلى التهيئة لا الصدمة. الفصل الخامس: رجب في الأدب والشعر قال الشاعر: ألا إنما الأيامُ ضيفٌ مقيمُنا فأكرمْ به إذ حلَّ قبل رحيله وفي هذا البيت إشارة فلسفية إلى أن الزمن ضيف، وأن رجب ضيف كريم، لا يُكرم بالبدع، بل بحسن الاستقبال وصدق العمل. ويقول آخر: وما العمرُ إلا وقفةٌ بين آيتين فكن آيةً في الخير تُتلى وتُذكر وهنا يلتقي الأدب بالدين في دعوة الإنسان ليكون أثرًا لا مجرد عابر. الخاتمة إن شهر رجب ليس موسمًا للغلو، ولا ساحة للابتداع، بل جسر عبور روحي بين الغفلة واليقظة، وبين التراخي والاستعداد. تعظيمه لا يكون بتخصيص لم يأذن به الله، بل بإحياء القلب، وضبط السلوك، واستثمار الزمن. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث، يبقى رجب فرصة نادرة للوقوف مع الذات، ولمساءلة النفس، ولإعادة ترتيب الأولويات، استعدادًا لشهر رمضان، شهر التحول الأكبر. المراجع 1. القرآن الكريم 2. صحيح البخاري 3. صحيح مسلم 4. ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف 5. الغزالي، إحياء علوم الدين 6. ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم 7. دراسات في علم النفس التربوي الإسلامي

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال