الأب الجاني
قراءة اجتماعية لجريمة العنف الأسري
ليست الجريمة فعلًا معزولًا عن سياق الحدث، ولا حدثًا عابرًا يمكن اختزاله في سطور خبرية ، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الفرد وبنيته النفسية ، والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها ، والمنظومة القيمية والقانونية التي سمحت – صراحة أو ضمنًا – بحدوثها. وفي الجرائم التي تقع داخل الأسرة، تتضاعف المأساة، لأن الجاني هنا لا ينتهك جسد الضحية فقط، بل يهدم المعنى الرمزي للأمان، ويقوض أحد أكثر الروابط الإنسانية قداسة: رابطة الأبوة.
القصة التي روتها الشابة «آية»، البالغة من العمر 22 عامًا، ليست مجرد واقعة اعتداء جنسي، بل تمثل نموذجًا صارخًا لجريمة مركبة تتقاطع فيها عناصر العنف الأسري، والاضطراب النفسي، والخلل القيمي، والتقصير المجتمعي والقانوني. إنها جريمة اغتصاب مكتملة الأركان، ارتكبها الأب بحق ابنته تحت التهديد بالقتل، في سياق يحمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة تستحق التحليل العلمي الرصين.
أولًا: السياق الاجتماعي للجريمة – الأسرة بوصفها مسرحًا للعنف
من الناحية الاجتماعية، تشير الوقائع إلى أن الضحية نشأت في أسرة مفككة؛ انفصال الوالدين منذ طفولتها، وغياب نموذج الأب الحامي، واستمرار العنف الجسدي المبرح بدافع إسقاط الأب كراهيته للأم على الابنة بسبب الشبه بينهما. هذا النمط من السلوك يُعرف في علم الاجتماع وعلم النفس بـالعنف الإسقاطي، حيث يُفرغ الفرد مشاعره العدائية تجاه طرف غائب على طرف حاضر أضعف.
تفكك الأسرة لا يصنع الجريمة وحده، لكنه يخلق بيئة خصبة لظهورها، خاصة عندما يقترن بغياب الرقابة المجتمعية، وثقافة الصمت، والخوف من “الفضيحة”، وهي عناصر ما زالت متجذرة في كثير من المجتمعات العربية. فالأسرة، التي يُفترض أن تكون مساحة أمان، تتحول هنا إلى فضاء مغلق يسمح للجاني بممارسة سلطته المطلقة دون مساءلة.
ثانيًا: التحليل النفسي للجاني – حين تسقط الأقنعة الإنسانية
من منظور علم النفس الجنائي، لا يمكن تفسير هذا السلوك بوصفه “لحظة ضعف” أو “اندفاعًا عابرًا”، بل هو سلوك إجرامي يعكس اضطرابًا عميقًا في البنية النفسية والأخلاقية للجاني. تهديد الابنة بالقتل، واحتجازها، وانتزاع هاتفها، والسيطرة على طفلتها، كلها مؤشرات على شخصية تسلطية قهرية تستخدم الخوف أداة للهيمنة.
كما يمكن قراءة الفعل في إطار ما يُعرف بـالانحراف الجنسي المرتبط بالسلطة، حيث لا يكون الدافع الأساسي هو الرغبة الجنسية، بل الإحساس بالقوة والسيطرة الكاملة على الضحية. اغتصاب المحارم، تحديدًا، يُعد من أخطر الجرائم النفسية، لأنه يكشف عن انهيار تام للحواجز الأخلاقية والوجدانية، وعن تشوه عميق في مفهوم الأبوة والحدود الإنسانية.
ولا يمكن إغفال عنصر التاريخ الشخصي للجاني؛ فالعنف المتكرر منذ الطفولة، والكراهية غير المعالجة تجاه الزوجة السابقة، والفشل في بناء علاقات صحية، كلها عوامل تتراكم لتنتج شخصية عدوانية ترى في الآخر موضوعًا للاستباحة لا كائنًا ذا كرامة.
ثالثًا: البعد الفلسفي – سقوط المعنى وانتهاك المقدس
فلسفيًا، تمثل هذه الجريمة انهيارًا لمعنى المسؤولية الأخلاقية. فالأب، وفق الفلسفات الأخلاقية والإنسانية، ليس مجرد رابط بيولوجي، بل هو حامل لواجب الرعاية والحماية. وعندما يتحول هذا الدور إلى نقيضه، فإننا أمام ما يمكن تسميته بـالشر الأخلاقي الجذري، حيث لا يعود الفعل قابلًا للتبرير أو الفهم التخفيفي.
الفيلسوف إيمانويل كانط يرى أن الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق رغبات الآخرين. في هذه الجريمة، تحولت الابنة إلى وسيلة لإشباع نزعة عدوانية مريضة، وسقط مبدأ الكرامة الإنسانية سقوطًا مدويًا. كما أن التهديد بقتل الطفلة يكشف عن استباحة مطلقة للحياة ذاتها، وهو ما يضع الجريمة في مصاف الأفعال التي تهدد الأساس الأخلاقي للمجتمع.
رابعًا: القراءة القانونية – جريمة مكتملة الأركان
قانونيًا، ما تعرضت له الضحية يُصنف بوضوح كجريمة اغتصاب بالإكراه، مقترنة بالتهديد، والاحتجاز غير المشروع، واستغلال سلطة الأبوة. وهي جرائم مشددة العقوبة في معظم التشريعات، خاصة عندما تقع على قاصر أو من ذوي القربى.
غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في تفعيلها، وفي قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة دون خوف أو وصم. لجوء الضحية إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وعمل “منشن” للمؤسسات الرسمية، يعكس أزمة ثقة في آليات الحماية التقليدية، ويشير إلى فجوة بين القانون المكتوب والواقع المعيش.
خامسًا: التفكير العلمي – من الإدانة إلى الوقاية
التفكير العلمي لا يكتفي بإدانة الجريمة، بل يسعى لفهم أسبابها البنيوية من أجل منع تكرارها. هذه الواقعة تفرض علينا أسئلة جوهرية:
• كيف نرصد مبكرًا أنماط العنف الأسري؟
• كيف نوفر دعمًا نفسيًا وقانونيًا فعالًا للضحايا؟
• كيف نكسر ثقافة الصمت والخوف؟
الإجابة تكمن في مقاربة شمولية: تعليم نفسي واجتماعي، تمكين اقتصادي للنساء، تدريب الجهات الأمنية على التعامل الحساس مع قضايا العنف الجنسي، وإعادة تعريف مفاهيم الشرف والعيب بما يحمي الضحية لا الجاني.
خاتمة: العدالة بوصفها فعل شفاء مجتمعي
ما حدث لآية ليس شأنًا فرديًا، بل جرحًا في جسد المجتمع كله. إن إنصاف الضحية، ومحاسبة الجاني، وتقديم الدعم النفسي طويل الأمد، ليست فقط متطلبات قانونية، بل واجبات أخلاقية وإنسانية. فالمجتمع الذي يتسامح مع العنف داخل الأسرة، أو يبرره، يشارك – بصمت – في إعادة إنتاج الجريمة.
حين يتحول الأب إلى ذئب، لا تكون المشكلة في الذئب وحده، بل في الغابة التي سمحت له أن يفترس دون رادع. والعدالة، في جوهرها، ليست انتقامًا، بل محاولة لإعادة الإنسان إلى إنسانيته، وحماية من لم يجدوا يومًا من يحميهم.
