الإيثار في الإسلام
دراسة دينية اجتماعية فلسفية نفسية
يُعدّ الإيثار من أسمى القيم الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام، ومن أرفع المراتب الإنسانية التي تُعبّر عن سموّ الروح وصفاء القلب. فالإيثار ليس مجرّد سلوك اجتماعي عابر، بل هو مبدأ روحي عميق يجمع بين البعد الديني والإحساني، ويمتد ليشمل أبعادًا نفسية واجتماعية وفلسفية تعبّر عن كمال النفس واتزانها.
وقد كان الإيثار صفةً راسخة في سلوك النبي ﷺ وصحابته الكرام، ومظهرًا من مظاهر الإنسانية الرفيعة التي تهدف إلى تحقيق التكافل والتوازن في المجتمع، وإلى تجاوز الأنا الأنانية إلى الأنا الإنسانية الرحبة.
أولًا: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للإيثار
الإيثار لغةً: مصدر من الفعل "آثَرَ" أي قدّم وفضّل، ويُقال: "آثره على نفسه" أي قدّمه وخصّه بشيء على حساب حاجته الخاصة.
أما اصطلاحًا، فهو: تقديم الغير على النفس في المنافع والمصالح مع الحاجة إليها، وهو ذروة الأخلاق الإيمانية ومظهر من مظاهر الأخوة الصادقة.
وقد لخّص ابن مسكويه هذا المعنى بقوله:
"الإيثار فضيلة للنفس بها يكفّ الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصّه حتى يبذلها لمن يستحقّها."
فالإيثار إذًا ليس مجرّد كرم مادي، بل هو موقف وجودي ونفسي يعكس القدرة على كبح الغريزة الأنانية، وتقديم الآخرين طواعيةً بدافع الإيمان والحبّ.
ثانيًا: الإيثار في ضوء الإسلام
يُعدّ الإيثار سلوكًا تعبّديًا في جوهره؛ إذ لا يصدر عن مجرّد نزعة اجتماعية أو عاطفة طيبة، بل عن إيمانٍ عميقٍ بالله تعالى واستحضارٍ لقيمة العطاء في سبيل الخير. قال تعالى في وصف الأنصار رضي الله عنهم:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]
هذه الآية الكريمة ترسم المثل الأعلى للإيثار: أن يُعطي الإنسان وهو محتاج، وأن يفرح بسعادة غيره قبل راحته هو.
وقد جسّد النبي ﷺ أروع صور الإيثار في حياته، حين قدّم حاجات أمّته على راحته، فكان يقول:
"اللهم أمتي، أمتي"
وفي حياة الصحابة شواهد كثيرة، منها قصة الرجل الذي قدّم طعامه لضيف رسول الله ﷺ مع أنّ بيته لم يكن فيه إلا قوت أطفاله، فأطفأ السراج وأوهمهم بالأكل ليشبع ضيفه. فقال النبي ﷺ في الصباح:
"عجب الله من صنيعكما بضيفكما"
وهنا يتجلّى الإيثار كقيمة روحية سامية تُعبّر عن عمق الإيمان وتكامل الإحساس بالآخرين.
ثالثًا: الإيثار من منظور علم النفس
من الناحية النفسية، يُعدّ الإيثار أحد مظاهر النضج العاطفي والاجتماعي، وهو تعبير عن قدرة الفرد على ضبط ذاته وتجاوز دوافع الأنانية والغريزة الذاتية.
وقد أشار علماء النفس الإنسانيون مثل "كارل روجرز" و"أبراهام ماسلو" إلى أن العطاء والإيثار من علامات تحقيق الذات، حيث يبلغ الإنسان مرحلة من الوعي يتجاوز فيها حاجاته الأنانية نحو خدمة الآخرين.
وفي ضوء علم النفس الاجتماعي، يُسهم الإيثار في بناء الثقة المتبادلة داخل الجماعة، ويزيد من تماسكها العاطفي، ويقلل من التوترات الفردية، مما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية العامة.
ما من المنظور التحليلي الفرويدي، فيمكن النظر إلى الإيثار كعملية تسامي (Sublimation)، حيث تتحول الطاقة الغريزية من مطلب ذاتي إلى سلوك اجتماعي نبيل.
رابعًا: الفرق بين الإيثار والسخاء والجود
قد يختلط على البعض مفهوم الإيثار بمفاهيم أخرى كالسخاء والجود، لكنها تختلف في درجاتها وعمقها. وقد فصّل ابن قيم الجوزية هذه الفروق بقوله:
"المراتب ثلاثة:
• أن لا يصعب البذل على صاحبه فهو السخاء.
• أن يعطي الأكثر ويبقي لنفسه مثل ما أعطى، فهو الجود.
• أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه، وهي مرتبة الإيثار."
إذن فالإيثار هو قمة الهرم الأخلاقي في العطاء؛ لأنّ صاحبه لا يهب من فائض ما يملك، بل من أعزّ ما يحتاج إليه، فيتجاوز حدود المصلحة الشخصية إلى رحابة الإيمان والإخلاص.
خامسًا: الإيثار من منظور اجتماعي وفلسفي
من الزاوية الاجتماعية، يُعتبر الإيثار أساسًا في بناء المجتمع الإسلامي المتكافل، إذ يقوم على وحدة المصير وتضامن الأفراد. فهو مضادّ للنزعة الفردانية التي تُضعف الروابط وتُفسد العلاقات.
أما من الزاوية الفلسفية، فيمثل الإيثار تعبيرًا عن انتصار الروح على الجسد، والعقل الأخلاقي على الغريزة، وهو في جوهره موقف وجودي يُعبّر عن الإنسان الكامل كما تصوّره الفلاسفة المسلمون كالفارابي وابن سينا.
وقد رأى علماء الاجتماع مثل إميل دوركايم أن الإيثار فعل جماعي يُكرّس الانتماء ويقوّي "الضمير الجمعي"، وهو ما يتوافق مع مفهوم الأمّة في الإسلام التي تُبنى على التعاون والتراحم لا على التنافس والصراع.
سادسًا: الإيثار والتحليل الأدبي للقيمة الإنسانية
الأدب العربي القديم والحديث زاخر بصور الإيثار، من أشعار الفرسان إلى حكايات الزهاد والمتصوفة. فالشاعر العربي كان يؤثر كرامته وشرفه على مصلحته، والزاهد كان يؤثر رضا الله على متاع الدنيا.
في قصائد المتنبي مثلًا نلمس معنى الإيثار حين يقول:
"وإذا كانت النفوس كبارًا **تعبت في مرادها الأجسامُ"
فهو هنا يُقدّم مثالًا على الإيثار الروحي، حيث يُقدّم صاحب النفس الكبيرة راحة الآخرين على نفسه في سبيل المجد أو الإيمان.
وفي الأدب الصوفي، يُصبح الإيثار طريقًا إلى الفناء في المحبوب الإلهي، أي أن يؤثر العبد إرادة الله على إرادته، فيذوب في المحبة الإلهية.
الإيثار في الإسلام ليس خُلقًا فرديًا فحسب، بل هو نظام قيمي شامل يجمع بين الإيمان والعقل، بين الأخلاق والإنسانية.
إنه سلوك ينبع من القلب المؤمن الواعي الذي يدرك أن السعادة الحقيقية لا تتحقق بالأخذ، بل بالعطاء.
ومن منظور نفسي واجتماعي وفلسفي، يُعدّ الإيثار وسيلة لتهذيب الذات وتطهيرها من الأنانية، ولتحقيق التوازن بين حاجات الفرد وواجباته نحو المجتمع.
فالإيثار هو جوهر المحبة، وميزان الإنسانية، وسرّ بقاء المجتمعات المؤمنة متماسكةً ومتعاطفةً عبر العصور
الإيثار: فضيلة إنسانية بين النص الديني والتحليل النفسي والاجتماعي
يُعدّ الإيثار من أسمى القيم الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام، ومن أعمق الصفات الإنسانية التي تُعبّر عن جوهر التراحم والتكافل بين البشر. فهو ليس مجرّد سلوك اجتماعي محمود، بل هو تجلٍّ لسمو النفس وارتقائها فوق الغرائز الفردية. في الإيثار يتحوّل “الأنا” إلى “نحن”، ويتقدّم نداء الضمير الجمعي على رغبة المصلحة الذاتية.
وفي ضوء علم النفس، يُنظر إلى الإيثار على أنه شكل من أشكال السلوك الاجتماعي الإيجابي (Prosocial Behavior)، الذي يسهم في تعزيز الترابط النفسي والاجتماعي ويُعبّر عن قدرة الفرد على تجاوز "الأنا الأنانية" نحو "الذات المتسامية" كما وصفها "ماسلو" في هرمه للحاجات الإنسانية. أما في الفلسفة الأخلاقية، فالإيثار يقف نقيضًا للأنانية، ويرمز إلى انتصار القيم العليا على نزعات البقاء والمصلحة الضيقة.
أولاً: فوائد الإيثار للفرد والمجتمع
1 - على مستوى الفرد
يمثل الإيثار مدرسة لتزكية النفس وتهذيبها من الأنانية والبخل. فحين يُقدّم الإنسان غيره على نفسه، فإنه يُخضع رغباته لميزان الضمير، ويتمرّن على العطاء دون انتظار مقابل.
ومن أبرز فوائده:
• القضاء على البخل والأنانية اللذين يُعدّان من أشد أمراض النفس فتكًا بالإنسان.
• التدريب على البذل والعطاء، وهو ما ينعكس على الشخصية قوةً في الإرادة ونقاءً في النية.
• القبول عند الناس وحسن السمعة، لأن النفوس تميل بالفطرة إلى من يُعطي ويسخى.
وقد أظهرت دراسات علم النفس الاجتماعي أنّ الأفراد الذين يمارسون سلوك الإيثار بانتظام يتمتعون بصحة نفسية أعلى، وبمستوى أقل من التوتر والاكتئاب، نظرًا لأن العطاء يفعّل مراكز المكافأة في الدماغ ويولّد شعورًا بالرضا الداخلي (الـ“Dopamine Reward System”).
2 - على مستوى المجتمع
الإيثار ليس فضيلة فردية فحسب، بل هو قاعدة لبناء مجتمع متكافل ومتماسك. ومن فوائده الاجتماعية:
• انتشار التعاون والتكافل بين أفراده، ما يقلّل الفوارق الطبقية ويحدّ من الأنانية الاجتماعية.
• توثيق روابط الأخوة والمحبة بين الناس، إذ يشعر كل فرد بأنّ في الجماعة سندًا له عند الحاجة.
• تجنّب العداوة والحسد والحقد، وهي أمراض اجتماعية تتغذّى على الشعور بالحرمان والفردانية المفرطة.
وعلى مستوى التحليل النفسي الاجتماعي، يمثّل الإيثار عملية إسقاط إيجابية؛ إذ يُحوّل الإنسان طاقاته ورغباته المكبوتة نحو فعل الخير ومساعدة الآخرين، مما يحقق له توازنًا نفسيًا واجتماعيًا صحيًا.
ثانياً: الإيثار في القرآن الكريم
1 - نموذج الأنصار في سورة الحشر
قال الله تعالى:
" وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ..." (الحشر: 9.)
في هذا النص القرآني، يقدّم الإسلام نموذجًا إنسانيًا فريدًا يتمثّل في الأنصار الذين آثروا المهاجرين على أنفسهم رغم فقرهم.
يقول الطبري
: "يعطون المهاجرين أموالهم إيثارًا لهم بها على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة وفاقة."
أما ابن كثير فيرى أن هذا الموقف دليل على كمال الإيمان وسموّ الأخلاق، لأن العطاء في حال الحاجة لا يصدر إلا عن قلب طاهر متحرّر من حبّ الذات.
ومن منظور نفسي، يعبّر هذا السلوك عن ما يُعرف بـ"التعاطف المتكامل (Empathic Concern)"، وهو الدافع الأصيل وراء الإيثار الصادق، حيث يتماهى الفرد مع معاناة الآخر فيتحوّل شعوره بالرحمة إلى فعل ملموس.
2 - الإيثار في مفهوم البرّ (سورة البقرة: 177(
قال تعالى:
"لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ... وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ..."
يُظهر النص أن البرّ الحقيقي ليس طقوسًا ظاهرية، بل سلوكًا عمليًا يُترجم الإيمان إلى تضحية وبذل.
ويرى ابن مسعود أن معنى قوله "على حبّه" هو الإنفاق في حال الصحة والرغبة، أي حين تكون النفس متعلّقة بالمال. وهنا تتجلى المجاهدة النفسية التي تعدّ لبّ الإيثار.
وقد أكّد علماء النفس الحديث أن العطاء في حال الحاجة يُعدّ أعلى درجات ضبط النفس، ويشكّل ما يُعرف في علم النفس السلوكي بـ"تأجيل الإشباع (Delayed Gratification)"، وهي مهارة تدل على نضج عاطفي وتوازن داخلي.
3 - الإيثار في سورة الإنسان
قال تعالى:
"إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا" (الإنسان: 9. )
تتجلّى هنا ذروة الإيثار، إذ يتحوّل العطاء إلى فعل خالص لوجه الله، بلا انتظار اعتراف أو مقابل.
وهو ما عبّر عنه ابن كثير حين رجّح أن الضمير في قوله "على حبّه" يعود إلى الطعام، أي أنهم يُطعمون رغم حاجتهم إليه.
إنّ هذا السلوك في ميزان التحليل النفسي يعبّر عن مرحلة نكران الذات (Self-Transcendence) التي تحدّث عنها فيكتور فرانكل، حيث يصبح الفعل الإنساني وسيلة لتجاوز الألم الشخصي نحو معنى أسمى من الذات.
4 - الإيثار كطريق إلى البرّ
"لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ..." (آل عمران: 92 (
هذه الآية تربط البرّ بالقدرة على التخلي عن المحبوب، أي التغلّب على التعلّق الدنيوي.
من منظور الفلسفة الأخلاقية، الإيثار هنا ليس نفيًا للذات بل تحقيقٌ أعمق لها، لأن الإنسان حين يعطي ممّا يحبّ يكتشف جوهره الإنساني، ويتحرّر من عبودية الأشياء.
وهذا ما يعبّر عنه علم النفس الإنساني حين يربط الإيثار بـ"تحقيق الذات عبر المعنى" - أي أن الإنسان لا يكتمل إلا حين يتجاوز حاجاته المادية نحو غاية تتصل بالخير الجمعي.
ثالثاً: الإيثار في السنة النبوية
1 - الصدقة في حال الصحة والشحّ
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ:
"أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى..."
يفسّر ابن بطال هذا الحديث بأن أعظم الصدقات هي تلك التي تُقدَّم في حال الخوف والطمع، لأن النفس تكون حينها في صراع بين رغبة البقاء وحبّ الثواب، ومن يغلب هذه الغريزة فهو مؤثر حقًا.
وهنا يظهر الإيثار في أرقى صوره النفسية: انتصار الإرادة الأخلاقية على دوافع الغريزة. وهو ما يتوافق مع نظرية "فرويد" حول كبح الدوافع (Ego Control)، التي تجعل الإنسان قادرًا على السلوك الأخلاقي رغم رغباته التلقائية.
¬2 - تكافل الأشعريين
عن أبي موسى الأشعري، قال ﷺ:
"إنّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم."
هذا الموقف الجماعي يُجسّد الإيثار التشاركي، حيث تتجاوز الجماعة الفردية نحو وحدة وجدانية. وقد وصف القرطبي ذلك بأنه دليل على كرم طباعهم وإيثارهم عند الحاجة.
في التحليل الاجتماعي، يمكن النظر إلى هذا الموقف كأحد أشكال التكافل الجمعي (Collective Altruism)، الذي يعزّز مناعة المجتمع النفسية أمام الأزمات ويقوّي شعور الانتماء.
3 - الإيثار في الطعام والمواساة
عن أبي هريرة، قال ﷺ:
"طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة..."
يؤكّد المهلّب أن المقصود هو الحثّ على المشاركة والمواساة لا التساوي في الأكل، أي أن الفضيلة في أن يُشرك الإنسان غيره في رزقه ولو قلّ، لأن البركة في المشاركة.
ومن الناحية النفسية، يعلّمنا الحديث أنّ الإيثار لا يرتبط بالوفرة، بل بالإحساس بالآخر. فالمشاركة هنا ليست مادية فقط، بل رمزية تعبّر عن دفء العلاقة الإنسانية وعمق التراحم.
رابعاً: التحليل النفسي والفلسفي لقيمة الإيثار
في ضوء علم النفس، يمكن النظر إلى الإيثار كعملية متكاملة تشمل:
1. الوعي بالآخر (Empathy): أي القدرة على إدراك مشاعر الغير بصدق.
2. النية الخيّرة (Moral Intention): أي اتخاذ قرار إرادي بالعطاء دون مصلحة.
3. السلوك الفعلي (Behavioral Execution): أي تحويل التعاطف إلى عمل واقعي.
ويرى علماء النفس التطوري أن الإيثار قد تطوّر كآلية لبقاء النوع، إذ إن التعاون والتكافل يرفعان احتمالات النجاة الجماعية. لكن في البعد الروحي الإسلامي، الإيثار لا يُفسَّر بمبدأ النفعية، بل كقيمة مطلقة تعبّر عن صفاء الإيمان وسموّ الروح.
أما من الناحية الفلسفية، فالإيثار يمثل انتصارًا للحرية الأخلاقية على الغرائز. إنه إعلان عن استقلال الإرادة عن الجسد، وتأكيد على أنّ الإنسان ليس كائنًا ماديًا فحسب، بل روحًا قادرة على تجاوز ذاتها في سبيل الخير.
الإيثار في الإسلام ليس مجرد سلوك اجتماعي أو خلق فاضل، بل أساسٌ لبناء إنسان متوازن ومجتمع متراحم.
فهو يُطهّر النفس من أنانية الامتلاك، ويزرع فيها بهجة العطاء، ويجعل من الفرد كائنًا متعاليًا على شهواته، فاعلًا في مجتمعه، قريبًا من الله والناس.
وفي ضوء التحليل النفسي، هو انتصار على “الأنا السفلى”، وفي ضوء التحليل الاجتماعي هو ركيزة للتكافل، وفي ضوء التحليل الفلسفي هو تجسيد لمعنى الإنسانية الحقّة.
"ومن يوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون." (الحشر: 9(
درجات الإيثار ومظاهره في ضوء الرؤية الإسلامية والتحليل النفسي والاجتماعي
يُعدّ الإيثار من أسمى القيم الأخلاقية التي ارتقت بها النفس الإنسانية إلى ذروة الفضيلة، فهو التعبير العملي عن تجاوز حدود الذات إلى رحاب الآخرين. ويُجسِّد الإيثار في جوهره مبدأ العطاء غير المشروط، حيث يقدّم الإنسان مصلحة غيره على مصلحته، ابتغاء مرضاة الله، أو بدافع إنساني فطري نابع من الإحساس بالرحمة والتعاطف.
وقد تناول علماء الإسلام هذه القيمة بالتحليل الدقيق، فجعلوها من مراتب الإيمان العليا، كما نظر إليها علماء النفس والاجتماع بوصفها تجسيدًا لنضج الضمير وسموّ الوعي الجمعي. وفي هذا البحث، نحاول استقراء درجات الإيثار كما صنّفها العلماء، وربطها بالأبعاد النفسية والاجتماعية والروحية، مع تحليل أدبي للقيمة في ضوء التجربة الإنسانية.
أولًا: مفهوم الإيثار وجوهره الإنساني
الإيثار لغةً هو التفضيل، واصطلاحًا: تقديم حاجة الغير على حاجة النفس طوعًا ومحبةً، دون انتظار مكافأة أو مقابل. وقد ورد ذكر الإيثار في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]
وهذه الآية تعدّ من أرفع صور التضحية الإنسانية، إذ تُمثّل لحظة انصهار الذات في الآخر، والتغلب على نزعة الأنانية التي تُعدّ من أقوى دوافع البقاء عند الإنسان.
وفي ضوء علم النفس الإنساني، يُعتبر الإيثار علامة على نضج "الأنا الأعلى" (Super-Ego) عند فرويد، أي تمكّن الضمير الأخلاقي من السيطرة على الغرائز الأنانية. كما يراه علماء السلوك الإنساني كأحد مظاهر "الذكاء العاطفي" الذي يجعل الفرد قادرًا على إدراك مشاعر الآخرين والتفاعل معها.
ثانيًا: درجات الإيثار عند علماء الإسلام
1 - الدرجة الأولى: إيثار الخلق في غير معصية أو ضرر
ذكر الهروي أن الإيثار الأول يتمثّل في أن يُقدّم الإنسان مصالح الناس على مصلحته فيما لا يحرّمه الدين ولا يفسد عليه وقته أو دينه.
قال ابن القيّم في شرحه:
"يعني أن تُقدّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، دون أن يؤدّي ذلك إلى ارتكاب محرّم أو تضييع واجب."
وهذه الدرجة تُعبّر عن المستوى العملي من الإيثار، وهو ما يمكن تفسيره نفسيًا بمرحلة الوعي الأخلاقي الجماعي عند كولبرغ، حيث يتجاوز الفرد المصلحة الذاتية ليعمل وفق مبدأ العدالة والخير العام.
2 - الدرجة الثانية: إيثار رضى الله على رضى الخلق
هي الدرجة العليا في البذل الروحي، إذ يُقدّم المؤمن ما يُرضي الله تعالى ولو سخط عليه الناس.
قال ابن القيّم:
"هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاة الله، ولو أغضب الخلق، وهي درجة الأنبياء والرّسل، وأعلاها لنبينا ﷺ."
وهذا المستوى من الإيثار يُماثل في علم النفس مفهوم التسامي (Sublimation)، أي تحويل الدوافع الغريزية إلى طاقات روحية وأخلاقية. إنه إيثار يتجاوز البُعد الاجتماعي إلى البُعد الإلهي، حيث يصبح الرضا الإلهي غاية الذات.
3 - الدرجة الثالثة: إيثار إيثار الله
يشرح ابن القيّم هذه المرتبة بأنها "أن تنسب الإيثار إلى الله لا إلى نفسك"، أي أن يرى الإنسان أن كل عطاء وتضحية إنما هي بتوفيق الله لا بجهده الشخصي.
وهذا المفهوم يقارب ما يُعرف في الفلسفة الصوفية بـ"فناء الإرادة في إرادة الحق"، وهو ذروة الاتحاد بين العبد وربّه في شعور التسليم المطلق.
من زاوية التحليل النفسي، يمكن اعتبار هذه الدرجة صورة من التحرر من الأنا (Ego transcendence)، حيث يتجاوز الفرد ذاته ليذوب في المعنى الكوني للخير، فيتحول الإيثار إلى حالة من الصفاء الوجودي.
ثالثًا: أقسام الإيثار بين الخالق والخلق
يُقسّم العلماء الإيثار إلى نوعين رئيسيين:
أ. إيثار رضا الله على رضا الناس
وهو الإيثار الروحي الذي تكون علامتاه – كما يذكر ابن القيّم – أن:
1. يفعل الإنسان ما يُحبّه الله وإن كرهته نفسه.
2. ويترك ما يُبغضه الله وإن رغبت فيه نفسه.
وهنا يتجلّى الصراع النفسي بين اللذة والواجب، بين "الهو" الغريزي و"الأنا الأعلى" الأخلاقي. والانتصار في هذا الصراع هو ما يصنع الإنسان الفاضل.
ب. إيثار الناس على النفس
وهو الإيثار الاجتماعي الذي يقوم على تقديم مصلحة الآخرين، وقد قسّمه ابن عثيمين إلى ثلاثة أقسام:
1. ممنوع: إذا كان في الواجبات الدينية.
2. مكروه أو مباح: في المستحبّات.
3. مباح مستحبّ: إذا لم يضرّ المؤثر في دينه أو دنياه.
ومن شروط هذا النوع كما حدّدها ابن القيّم: ألا يضيع الوقت، ولا يفسد الحال، ولا يضرّ الدين، ولا يمنع الخير عن النفس.
إذ الإيثار المحمود هو الذي يجمع بين العقل والرحمة، بين نُبل النية وصحة الفعل.
رابعًا: الأنواع النفسية للإيثار
1 - الإيثار الفطري أو الغريزي
وهو الإيثار القائم على العاطفة الطبيعية، كحنان الأم أو حبّ العاشق. ومن أروع أمثلته حديث عائشة رضي الله عنها عن المرأة الفقيرة التي قسّمت تمرتها بين ابنتيها، فقال النبي ﷺ:
"إن الله قد أوجب لها بها الجنة."
هذا النوع من الإيثار يعكس ما يسميه علماء النفس بـ"الاستجابة الوجدانية الطبيعية"، إذ يدفع الحب والرأفة الفرد إلى التضحية التلقائية دون تفكير أو تردّد.
2 - الإيثار الإيماني أو العقلي
وهو الذي يقوم على الإيمان والتفكير المنطقي، لا على العاطفة وحدها. إنه الإيثار القائم على وعي أخلاقي وإيمان راسخ بفضل العطاء.
يراه المفكر عبد الرحمن الميداني بأنه "إيثار يعتمد على عاطفة إيمانية عاقلة"، أي مزيج من الإيمان والعقلانية الأخلاقية.
خامسًا: الوسائل النفسية والتربوية لاكتساب الإيثار
يُشير ابن القيّم إلى جملة من الوسائل التي تُعين النفس على بلوغ مقام الإيثار، منها:
1. حبّ مكارم الأخلاق، فالنفس تميل إلى التقدير الاجتماعي لصاحب الفضيلة.
2. النفور من اللؤم والبخل، فالشحّ عدوّ الكرم، والبخل يولّد العزلة النفسية.
3. استشعار الحقوق الجماعية، أي الإحساس بأنّ المجتمع وحدة متكاملة، وسعادة الفرد لا تنفصل عن سعادة الجماعة.
ويؤكد علم النفس الاجتماعي الحديث أن هذه الوسائل تُماثل ما يُعرف بـ"التنشئة الأخلاقية" و"النموّ التعاطفي"، حيث يُدرَّب الفرد منذ الصغر على إدراك مشاعر الآخرين وفهم حاجاتهم.
سادسًا: الإيثار في التجربة الإنسانية – نماذج تطبيقية
1 - الإيثار في حياة النبي ﷺ
في الحديث الشريف عن سهل بن سعد:
أن امرأة أهدت للنبي ﷺ بردة، فلبسها ثمّ طلبها رجل، فأعطاها له رغم حاجته إليها، فكانت كفنه يوم مات.
تلك الحادثة تُجسّد نموذج الإيثار الكامل: العطاء بلا منّة، والتجرد من المصلحة الذاتية.
2 - إيثار الأنصار للمهاجرين
لما نزل المهاجرون على الأنصار، شاركوهم البيوت والأموال، فقال الرسول ﷺ:
"ما رأينا مثل قوم نزلنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أبذل في كثير منهم..."
وهي صورة جماعية من الإيثار تمثل ذروة التضامن الاجتماعي في الإسلام.
3 - مشهد الإيثار في غزوة اليرموك
حين استُسقي الجرحى، كلٌّ قدّم الماء لغيره حتى ماتوا جميعًا عطاشى، تجلّت أسمى صور التفاني التي تعجز عنها الأقلام والبيان. إنّه إيثار يُعيد تعريف البطولة لا كقوة جسدية، بل كسموّ روحي مطلق.
4 - إيثار الغلام الأسود
قصة الغلام الذي آثر طعامه على كلب جائع حتى جاع يومه كله، فاشتراه عبد الله بن جعفر وأعتقه، تُقدّم مثالًا على الإيثار الفطري الرحومي الذي يتجاوز حدود الإنسان ليشمل الحيوان، في أفق إنساني شامل.
سابعًا: التحليل النفسي والاجتماعي لظاهرة الإيثار
يرى علماء النفس أن الإيثار يُعبّر عن توازن الشخصية، حيث تنضبط الغرائز بمبدأ أخلاقي داخلي. وهو يتجلّى عند الأفراد ذوي الضمير الحيّ والقدرة على التعاطف المعرفي (Cognitive Empathy) أي فهم مشاعر الآخرين واستيعابها.
أما من الناحية الاجتماعية، فالإيثار يرسّخ قيم التضامن والتكافل، ويحدّ من النزاعات الناتجة عن التنافس والأنانية. وهو عنصر أساسي في بناء ما يسميه دوركهايم بـ"الضمير الجمعي" الذي يحفظ تماسك المجتمع.
ثامنًا: البعد الفلسفي والروحي للإيثار
من زاوية الفلسفة الأخلاقية، يُمثّل الإيثار نقيض "الأنانية الميتافيزيقية" التي ترى الإنسان مركز الكون. فالمؤثر يرى ذاته جزءًا من الكلّ، ويؤمن بأنّ العطاء امتداد للوجود الإلهي في داخله.
وفي الفكر الصوفي، يتحول الإيثار إلى مقام روحي يسمّى "الفناء في الآخر"، حيث لا يرى الإنسان لنفسه فضلًا فيما يعطي. وهذا ما عبّر عنه الحلاج بقوله: "ما رأيت شيئًا إلا رأيت الله قبله وبعده ومعه."
يُختتم القول بأن الإيثار ليس مجرد خُلق اجتماعي أو مبدأ ديني، بل هو حالة وعي راقٍ تتجاوز حدود الذات إلى المشاركة الوجدانية والروحية مع الآخرين. وهو – كما يصفه ابن القيّم – طريق السعادة الأبدية، وإن صعب المرتقى، لأن فيه انتصارًا على الأنا، وسموًّا بالإنسان نحو الكمال الأخلاقي.
فالإيثار يجمع بين الإيمان والإنسانية، والعقل والعاطفة، والروح والجسد، ويُجسّد توازنًا نادرًا بين العطاء الواعي والمحبة المطلقة، ليبقى منارة لكل نفس تسعى إلى السموّ في عالم يزداد أنانيةً وبرودًا.
المراجع
1. ابن القيّم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
2. الهروي، منازل السائرين إلى الحق المبين.
3. ابن عثيمين، شرح رياض الصالحين.
4. عبد الرحمن الميداني، الأخلاق الإسلامية وأسسها.
5. Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents, 1930.
6. Lawrence Kohlberg, The Psychology of Moral Development, 1981.
7. Émile Durkheim, The Division of Labor in Society, 1893.
8. Daniel Goleman, Emotional Intelligence, 1995.
