حين يتكلم الناس بالشعر في النفس التي تبحث عن نفسها بين الحكاية والحكمة

حين يتكلم الناس بالشعر في النفس التي تبحث عن نفسها بين الحكاية والحكمة
ليس الإنسان كائنًا يكتفي بأن يعيش، بل كائن يريد أن يفهم ما عاشه. وحين تضيق الحياة عن تفسير نفسها، يبحث الإنسان عن نافذة صغيرة يطل منها على المعنى. قد تكون تلك النافذة كتابًا، أو أغنية، أو حكاية تُروى في مساء طويل، أو بيتًا من الشعر يخرج من فم رجل بسيط، فيصيب قلب رجل آخر دون أن يعرف كلاهما كيف حدث ذلك. ربما لهذا لم يكن الشعر يومًا ملكًا للقصور وحدها. صحيح أن الكتب حفظت أسماء الشعراء الكبار، وأن الدواوين احتفظت بآثار الملوك والفرسان والعشاق، لكن الحياة نفسها كانت تكتب شعرًا آخر على ألسنة الناس. شعرًا لا يحتاج إلى قاعة فخمة كي يُسمع، ولا إلى ناقد كي يمنحه شهادة الميلاد. كان يولد في السوق، وفي الطريق، وفي البيوت، وعلى عتبات المقاهي، وفي مجالس السمر، ثم يمشي بين الناس خفيفًا كالماء. هناك، في المسافة الفاصلة بين الفصحى والعامية، بين الكتاب والحديث اليومي، نشأت ألوان من القول الشعبي مثل الزجل والمواليا والكان وكان والقوما. ولم تكن هذه الفنون مجرد ألعاب لغوية أو أوزانًا غنائية يتسلى بها الناس، بل كانت، في جانب عميق منها، محاولة جماعية لفهم الحياة. فحين يعجز الإنسان عن تغيير العالم، يحاول أولًا أن يمنحه اسمًا. وحين لا يستطيع أن يرد الظلم، يضعه في بيت من الشعر. وحين يخاف من المستقبل، يحوله إلى حكمة. وحين يفقد عزيزًا، يجعل الحزن أغنية كي يستطيع أن يحمله. وهنا تكمن المسألة النفسية الأجمل: الإنسان لا يتخلص من ألمه دائمًا بنسيانه، بل أحيانًا بمنحه صورة. كان الرجل الشعبي القديم يعرف، بفطرته، أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده. كان يحتاج إلى كلمة تسنده حين يتعب، وإلى حكمة ترده حين يضل، وإلى جماعة يشعر داخلها أنه ليس وحده. ولذلك امتلأ الشعر الشعبي بالنصيحة. لا تؤجل عملك. اطلب العلم. اعمل بيدك. لا تكن عالة على غيرك. احفظ مالك. تجنب الديون. ابتعد عن الحسد. أحب وطنك. أحسن إلى الناس. استمع إلى النصيحة ولو جاءت من شخص لا يشبهك. خذ الحكمة حيث وجدتها. قد تبدو هذه المعاني، في ظاهرها، بسيطة إلى حد التواضع. لكنها تكشف عن شيء أعمق: المجتمع كان يحاول أن يربي أفراده بالكلمة قبل أن تربيهم المدرسة، وكان يحاول أن يصنع من التجربة الفردية ذاكرة مشتركة. فالرجل الذي عاش الفقر لا يحتفظ بتجربته لنفسه، بل يقول للآخرين: لا تنفق ما لا تملك. والذي عرف مرارة الدين يحذر غيره من أن يمد يده إلى ما لا يستطيع رده. والذي رأى الجهل يضع صاحبه في آخر الصف يقول لابنه: تعلم، فالمعرفة باب لا يُغلق. هكذا تتحول التجربة الشخصية إلى ملك للجماعة. وهذا من أقدم أشكال التربية الاجتماعية: أن يحول الإنسان جرحه إلى نصيحة. فما الحكمة في جوهرها إلا ألمٌ قديم تعلّم كيف يتكلم؟ ولعل أجمل ما في هذه الفنون أنها لم تكن تفصل الإنسان عن جماعته. كان الفرد يظهر فيها، لكنه لا يبقى فردًا طويلًا؛ سرعان ما يصبح صوته صوت الآخرين. في الزجل، مثلًا، اتسع المجال للغة الناس اليومية، وانتقل الشعر من عناية الوزن والإعراب إلى عفوية النغم وقرب العبارة، فصار الكلام قادرًا على الوصول إلى من لم يدخلوا مدارس الأدب. وقد أشار ابن خلدون إلى أن العامة نسجوا على منوال التوشيح، واستحدثوا لأنفسهم لونًا شعريًا بلغتهم الحضرية، حتى صار للزجل مجال واسع في البلاغة بحسب لغة أهله. وليس الأمر هنا مجرد تغيير في شكل اللغة. إنه تغيير في موقع الإنسان نفسه. فحين تدخل لغة العامة إلى الشعر، يشعر الإنسان البسيط، ولو للحظة، أن حياته تستحق أن تُقال. أن تفاصيله اليومية ليست أقل شأنًا من قصص الملوك. أن خوفه من الغد، وضيق يده، وفرحه الصغير، وخصومته مع جاره، وحبه لابنه، وشوقه إلى وطنه، كلها مواد صالحة لأن تتحول إلى كلام جميل. وهذه حاجة نفسية عميقة. فالإنسان يريد أن يرى نفسه في المرآة، وإذا لم يجد صورته في الكتب، صنع مرآته بنفسه. ثم تأتي المواليا، وفيها شيء آخر. إنها ابنة الحزن تقريبًا. تروي المادة القديمة أن هذا اللون ارتبط، في إحدى روايات نشأته، برثاء البرامكة بعد نكبتهم، وأن لفظ "يا مولى" كان يتردد في سياق الحزن حتى غلب على الفن اسمه. وسواء أخذنا بهذه الرواية أو بغيرها، فإن الصورة نفسها تحمل معنى إنسانيًا بالغ الدلالة: حين يسقط أصحاب السلطة، لا يبقى منهم في الذاكرة سوى صوت من يرثيهم. ما أغرب الزمن! السلطة التي كانت تملأ المكان صخبًا قد تصبح بعد سنوات بيتًا شعريًا. والقصور التي كانت تخيف الناس قد تتحول إلى أطلال تسكنها الحكاية. والأسماء التي كان الجميع يخشى نطقها تصبح موضوعًا للرثاء. وهنا يتدخل الشعر في واحدة من أعقد وظائفه: إعادة توزيع السلطة داخل الذاكرة. فالزمن لا يحفظ الأشياء كما حدثت، بل كما استطاع الإنسان أن يرويها. قد يسقط القصر، ويبقى البيت الشعري. قد يموت السلطان، وتبقى دمعة جارية مجهولة الاسم. قد يختفي الجيش، ويبقى صوت امرأة تقول: أين الذين كانوا يملكون الأرض؟ أين الذين كانوا يحمونها؟ ثم تكتشف أن كل قوة بشرية، مهما بدت ثابتة، تحمل في داخلها بذرة الزوال. الشعر، في هذه اللحظة، لا يكون زينة للحياة؛ بل شاهدًا عليها. أما "الكان وكان"، فيفتح بابًا آخر على النفس الإنسانية. الاسم نفسه يوحي بالحكاية القديمة: كان هناك، وكان كذا، ثم مضى كل شيء. وقد عُرف هذا الفن في بداياته بالحكايات والخرافات، ثم دخلته المواعظ والحكم، حتى صار وسيلة لقول ما يصعب قوله مباشرة. والإنسان يحب الحكاية لأنه لا يحب أن يُؤمر. حين تقول له: لا تكن قاسيًا، قد يعاند. لكن حين تحكي له عن رجل قسا حتى تحجر قلبه، ثم خسر الناس من حوله، يبدأ في التفكير. وحين تقول له: لا تنفق مالك بلا حساب، قد يضيق بكلامك. لكن حين تحكي عن رجل كان يملك الكثير، ثم صار يهرب منه أصحابه بعد أن أفلس، فإنه يرى نفسه في الحكاية من بعيد. هذه المسافة الصغيرة بين "أنا" و"هو" تمنح النفس فرصة للتأمل. فالإنسان يستطيع أن يرى عيوب الآخرين بسهولة، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يرى عيوبه وهي تسكنه. والحكاية تأتي كمرآة لا تقول له: أنت المقصود، لكنها تتركه أمام صورة يعرفها جيدًا. وهذا هو الذكاء النفسي للحكاية الشعبية. إنها لا تقتحم الإنسان من الباب، بل تدخل من النافذة. ولذلك لم يكن التحذير من الديون في الشعر الشعبي تحذيرًا ماليًا فحسب. الدين، في المخيال الشعبي، ليس رقمًا في دفتر. إنه ظل يمشي خلف الإنسان. يستيقظ معه، ويجلس إلى مائدته، ويدخل معه إلى نومه. حين يطرق الدائن الباب، لا يسمع المديون صوت طرقات فقط؛ يسمع صوته الداخلي وهو يقول: كيف وصلت إلى هنا؟ ولهذا تصف الأشعار الدين بوصفه همًّا وذلة، لا لأنه كذلك في كل الأحوال، ولكن لأن تجربة العجز عن السداد كانت تجربة اجتماعية قاسية، تضع الإنسان تحت ضغط الحاجة ونظرة الآخرين. وفي هذا تكشف الحكمة الشعبية شيئًا مهمًا عن النفس: نحن لا نتألم من الفقر وحده، بل من الصورة التي نصبح عليها في أعين الناس حين نعجز. وهنا يدخل المجتمع إلى داخل الإنسان. فالإنسان لا يعيش نفسه كما هي فقط، بل كما يتخيل أن الآخرين يرونه. قد يكون جائعًا، فيحتمل الجوع. وقد يكون فقيرًا، فيحتمل الفقر. لكن أن يشعر بأنه أصبح موضع شفقة أو سخرية أو احتقار، فذلك جرح آخر. ومن هنا كانت الدعوة إلى العمل والكسب والاستقلال أكثر من نصيحة اقتصادية. كانت دفاعًا عن الكرامة. "اعمل بيدك" تعني في عمقها: لا تجعل وجودك رهينة في يد أحد. والحسد أيضًا لم يكن مجرد عيب أخلاقي في تلك النصوص، بل مرضًا اجتماعيًا. فالحاسد لا يكره نعمة غيره لأنها كثيرة فقط، بل لأنها تذكره بما يظنه ناقصًا فيه. إنه لا يرى نجاح الآخر وحده؛ يرى فشله هو. ولهذا يتحول الحسد إلى علاقة مؤلمة بين شخصين: أحدهما يملك، والآخر يشعر أنه ينبغي أن يملك. أحدهما يتقدم، والآخر يرى تقدمه إهانة شخصية له. وحين ينتشر الحسد في جماعة، تتحول العلاقات إلى منافسة صامتة. يراقب الناس بعضهم بعضًا بدل أن يسند بعضهم بعضًا. لهذا تبدو الدعوة إلى المحبة والتعاون والتعاضد في الشعر الشعبي أكثر من موعظة أخلاقية؛ إنها محاولة لإنقاذ المجتمع من التحول إلى مجموعة جزر منفصلة، كل جزيرة تخشى الجزيرة الأخرى. فالإنسان وحده ضعيف، لكن الجماعة المتعاونة تستطيع أن تمنح الضعيف مكانًا يقف فيه. ولذلك كان المجتمع القديم يكرر فكرة بسيطة: ساعد أخاك. ليست المسألة بطولة. أحيانًا يكون أعظم ما يفعله الإنسان أن يجعل يوم شخص آخر أقل قسوة. ومن هنا نصل إلى التعليم. في المادة الشعبية التي بين أيدينا يظهر العلم بوصفه طريقًا للخروج من الجهل والعجز، وتظهر الدعوة إلى تعليم الأبناء القراءة والكتابة والمعرفة بوصفها استثمارًا في المستقبل. كما يظهر العلم في مقابل الجهل بوصفهما طريقين مختلفين في الحياة. لكننا إذا نظرنا إلى الفكرة بعين نفسية، وجدنا أن التعليم ليس مجرد تراكم للمعلومات. التعليم هو أن تعطي الإنسان قدرة على تفسير العالم. والإنسان الذي يفهم العالم أقل خوفًا منه. كلما اتسعت معرفته، اتسعت المسافة بينه وبين الخرافة، وبين الاندفاع والحكم، وبين أن يكون تابعًا وأن يكون قادرًا على الاختيار. لذلك كان الرجل الشعبي ينظر إلى العلم باعتباره نوعًا من الرفعة. ليس لأن المتعلم يصبح أعلى من الناس، بل لأنه يصبح أقل قابلية لأن يُقاد بعماه. المعرفة لا تجعل الإنسان معصومًا من الخطأ، لكنها تمنحه مصباحًا حين يخطئ. ثم تأتي فكرة الوطن، فتأخذ الشعر من دائرة الفرد إلى دائرة أوسع. الوطن، في هذه النصوص، ليس مجرد أرض. إنه مسؤولية. أن تحب بلدك لا يعني أن تقول إنك تحبه، بل أن تسأل: ماذا أستطيع أن أضيف إليه؟ المعلم يضيف علمه. والفلاح يضيف محصوله. والصانع يضيف مهارته. والكاتب يضيف فكرته. والطبيب يضيف معرفته. والمواطن العادي قد لا يملك شيئًا من ذلك كله، لكنه يستطيع أن يؤدي عمله بإخلاص وألا يكون عبئًا على غيره. وهنا تتخذ الوطنية معنى يوميًا بسيطًا، بعيدًا عن الخطب الكبيرة. أن تؤدي عملك جيدًا. أن تحترم الطريق. أن تساعد جارًا. أن تعلم طفلًا. أن تحافظ على ما ليس ملكك. أن تقول الحق حين يكون قول الحق ممكنًا. فالأوطان لا تُبنى فقط بالإنجازات الضخمة، وإنما بتراكم السلوكيات الصغيرة التي لا يكتب عنها أحد. ومن أكثر الأفكار إثارة للتأمل في هذه المادة الدعوة إلى ترك التقليد الأعمى. فالإنسان كائن يحب أن يشبه غيره. التقليد يريحه؛ لأنه يعفيه من السؤال. حين يفعل الجميع الشيء نفسه، لا يحتاج المرء إلى أن يسأل: هل هذا صحيح؟ يكفيه أن يقول: هكذا يفعل الناس. لكن الحضارة تبدأ غالبًا من شخص قرر أن يسأل. والسؤال في ذاته فعل مقاومة هادئة. لماذا؟ لماذا نفعل هذا؟ هل يصلح لنا؟ هل يناسب زماننا؟ هل ورثناه لأنه نافع، أم لأننا ورثناه فقط؟ إن الماضي مهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قفص. والتراث الذي لا يسمح لنا بالحركة يتحول من ذاكرة إلى عبء. أما التراث الحي فهو الذي يمنح الإنسان جذورًا دون أن يمنعه من النظر إلى السماء. وفي نهاية الطريق، يظهر "القوما" بوصفه لونًا آخر من ألوان الشعر الذي اتصل بحياة الناس، وله بناء موسيقي خاص، واستُخدم في أغراض متعددة، ومنها المدح في سياقات اجتماعية ودينية. لكن المهم هنا ليس الوزن وحده. المهم أن الناس كانوا يحولون الزمن إلى إيقاع. رمضان له صوته. العيد له صوته. السوق له صوته. الحزن له صوته. المديح له صوته. وكأن المجتمع لا يستطيع أن يعيش الأحداث الكبرى صامتًا؛ يحتاج إلى أن يغنيها كي تستقر في ذاكرته. وهذا يفسر بقاء الشعر الشعبي. إنه ليس مجرد كلام يُقال ثم ينتهي. إنه ذاكرة متنقلة. يحملها الأب إلى ابنه، ويحملها المسافر في ذاكرته، وترددها الجماعة حتى يصبح البيت الشعري جزءًا من وجدانها دون أن تعرف أحيانًا من قاله أول مرة. ولعلنا اليوم، وسط هذا العالم السريع، بحاجة إلى أن نتأمل هذه الظاهرة من جديد. نحن نعيش في زمن تتكاثر فيه الكلمات حتى تفقد الكلمة قيمتها. كل شخص يستطيع أن يتحدث. كل شخص يستطيع أن ينشر رأيه. كل شخص يستطيع أن يحكي قصته. لكن كثرة الكلام لا تعني كثرة المعنى. في الماضي، كانت الكلمة تسافر ببطء، ولذلك كان لها وقت كي تنضج. أما اليوم، فكلمة واحدة قد تصل إلى آلاف الناس قبل أن يسأل صاحبها نفسه: هل تستحق أن تصل؟ وهنا تعود الحكمة القديمة لتهمس لنا من بعيد: الكلمة مسؤولية. فكما كان الشاعر الشعبي يقول للناس: لا تسرف، لا تحسد، لا تتكاسل، تعلم، اعمل، تعاون، فإن إنسان اليوم يحتاج أيضًا إلى أن يتعلم كيف يستخدم صوته. ليس المطلوب أن نصمت. بل أن نعرف ماذا نقول، ولماذا نقوله، وماذا سيحدث للآخرين بعد أن نقوله. إن الشعر الشعبي، في جوهره، ليس شعر "العامة" بالمعنى الذي يجعل العامة أقل شأنًا من الخاصة. إنه شعر الإنسان حين ينزل من المنصة ويجلس إلى جوار أخيه. شعر الإنسان وهو جائع، وفرح، وخائف، ومديون، ومحب، وحزين، وحالم. ولهذا فهو قريب من النفس. إنه لا يتحدث عن الإنسان كما ينبغي أن يكون فقط، بل عن الإنسان كما هو. والإنسان كما هو كائن ناقص، يبحث عن الكمال، ويخطئ ثم يبرر، ويحسد ثم يندم، ويحب ثم يخاف، ويخاف ثم يتظاهر بالشجاعة. وفي هذه المسافة بين ما نحن عليه وما نريد أن نكون، تولد الحكمة. ربما لهذا ظل الشعر حيًا. لأنه لا يعطينا حياة أخرى، بل يساعدنا على احتمال حياتنا. حين نحزن، يمنح الحزن لغة. وحين نخطئ، يمنحنا فرصة للاعتراف. وحين نخاف، يقول لنا إن آخرين خافوا قبلنا. وحين ننجح، يذكرنا بأن نجاحنا لا يكتمل إلا إذا صار نافعًا لغيرنا. وهذه هي القيمة الأعمق للكلمة الشعبية: أنها لا تريد أن تجعل الإنسان شاعرًا، بل تريد أن تجعله أكثر إنسانية. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا صنع الناس الشعر؟ السؤال الأعمق هو: لماذا احتاج الناس إليه؟ والجواب قد يكون بسيطًا جدًا. لأن الحياة أثقل من أن يحملها الإنسان وحده. نحتاج إلى الحكاية كي نتذكر. ونحتاج إلى الحكمة كي نتعلم. ونحتاج إلى الأغنية كي نخفف الحزن. ونحتاج إلى الضحكة كي لا تتحول الأيام إلى حجر. ونحتاج إلى الشعر كي نكتشف أن التجربة التي نظنها خاصة بنا عاشها قبلنا بشر كثيرون، وأن وحدتنا، مهما بدت عميقة، ليست كاملة. لقد كان الشعر الشعبي بيتًا صغيرًا لجأ إليه الإنسان حين كبر عليه العالم. وفي ذلك البيت، لم يكن هناك فرق كبير بين غني وفقير، ولا بين متعلم وأمي، ولا بين من يملك القصر ومن يسكن العتبة؛ كان هناك إنسان واحد يروي للإنسان الآخر ما تعلمه من الطريق. وهكذا بقيت الكلمة. تسقط الأشياء من حولها، وتتغير الوجوه، وتتعاقب الأزمنة، وتنهدم البيوت، ويأتي جيل بعد جيل، لكن جملة صادقة تستطيع أن تعبر كل ذلك. ربما لأن الإنسان يموت، أما المعنى الذي استطاع أن يصوغه بصدق، فيبحث دائمًا عن فم جديد. ومن هنا نفهم سر الشعر الشعبي: لم يكن مجرد فن جرى على ألسنة الناس، بل كان الناس أنفسهم وهم يحاولون أن يفهموا حياتهم. كان صوت الخوف حين يتعلم الحكمة. وصوت الحزن حين يجد نغمة. وصوت المجتمع حين يريد أن يقول لأبنائه، ببساطة شديدة: اعملوا، وتعلموا، وأحبوا، وتعاونوا، ولا تجعلوا قسوة الحياة سببًا في أن تفقدوا إنسانيتكم. ففي آخر الأمر، ليست قيمة الإنسان فيما يملك من كلام، بل فيما يتركه كلامه من أثر. والكلمة التي تجعل إنسانًا أفضل، ولو قليلًا، قد تكون أصدق من قصيدة كاملة. وقد يكون بيت شعري مجهول القائل، قيل منذ مئات السنين، أقدر على إنقاذ قلب متعب من مئات الخطب. لأن بعض الكلمات لا تُكتب بالحبر. تُكتب بالحياة. ثم تنتظر طويلًا، حتى يأتي شخص ما، فيقرأها بقلبه.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال