**بين الهَبَلِ والاستهبال… الحيّزُ الرماديُّ الذي يسكنه المجتمع**

**بين الهَبَلِ والاستهبال… الحيّزُ الرماديُّ الذي يسكنه المجتمع**
من الناحية **النفسية**، يمكن النظر إلى “الهبل” باعتباره حالة انعدام مسؤولية، تمامًا كالطفل الذي لا يُحاسَب على فعله لأنه لم يتشكل لديه بعد معيار للتمييز. أما “الاستهبال” فهو فعل مكر، يملك صاحبه القدرة على إدراك القوانين وقدرة مماثلة على التحايل عليها. وبينهما يضع الكاتب شريحة من المسؤولين، ممن لا يُعرف هل يجهلون أم يتجاهلون، هل يعيشون في ضباب خطابهم أم يتعمدون خلق هذا الضباب للآخرين. هذه الحالة تُشبه ما يصفه علم النفس الاجتماعي بـ“الاغتراب الإدراكي”، حيث تتباعد صورة الخطاب عن صورة الواقع إلى حد يصبح معه المتلقي في حيرة: هل من يتحدث غير واعٍ، أم واعٍ ويخدع؟ في هذا السياق، يظهر المسؤول الذي يطل عبر شاشة التلفاز ليعلن –بوقار مصطنع– أنه “ابن الثورة”، وأنه يدعو المواطنين إلى “ضبط النفس”. لكن المفارقة النفسية أن من يطلب من الآخر ضبط النفس، يجب أن يمتلك أولًا قدرة داخلية على الضبط، وأن يعيش في بيئة مستقرة تسمح بذلك. فإذا كان الناس يواجهون الغرق في المشاكل –كما يقول النص– فطلب ضبط النفس يتحول من دعوة عقلانية إلى نوع من الاستهبال، يشبه أن يطلب أحدهم من غريقٍ أن “يهدأ” ليتمكن من العوم، بينما السبب الحقيقي لغرقه هو من يقف على الشاطئ متفرجًا. أما من الزاوية **الاجتماعية**، فالنص يرسم ملامح مجتمعٍ يعاني تشوشًا في العلاقة بين الفرد والمؤسسة. الفرد يرى شوارع مليئة بالمشاكل، وأزمات أمنية متتالية، وبطالة، وفسادًا إداريًا، وغيابًا للعدالة. لكنه، في المقابل، يسمع خطابًا رسميًا يصف إنجازات لا يجد لها أثرًا في أرض الواقع. هذا الانفصال يخلق ظاهرة تُعرف في علم الاجتماع بـ“التنافر المعرفي الجمعي”، حيث يعيش المجتمع بين صورتين متعارضتين: الواقع الثقيل الصلب، والوعود الخفيفة اللامعة. تُذكّر هذه الظاهرة بحالات واقعية حدثت في دول عديدة. في الاتحاد السوفييتي مثلاً، في سنواته الأخيرة، كانت الدولة تُعلن زيادة الإنتاج بينما الأرفف في الأسواق خالية. وفي لبنان اليوم، يتحدث بعض الساسة عن “خطط إصلاحية” في بلدٍ يعيش انهيارًا اقتصاديًا شبه كامل. وفي السودان، يعلَن عن “عودة الأمن” في وقت يعيش الناس اعتداءات يومية. في كل هذه الحالات، لا يكمن الخطر الأكبر في الكذب ذاته، بل في المسافة بين الخطاب والواقع، تلك المسافة التي تُفقد المواطن القدرة على الثقة، وتدفعه تدريجيًا نحو اللامبالاة أو الانفجار. و أي كاتب يستعرض سلسلة من الأحداث الأمنية – كأحداث بورسعيد المؤلمة– ويقارنها بسؤال بسيط لكنه فلسفي في جوهره: إذا كانت المؤامرة واضحة، فلماذا لا تُتخذ إجراءات واضحة؟ هنا يتحول النص من السخرية إلى ما يشبه التأمل الوجودي في معنى السلطة. فالسلطة التي تعجز عن ضبط الفوضى ليست سلطة ضعيفة فقط، بل سلطة لا تفهم طبيعة مسؤوليتها. ومن منظور فلسفة الدولة، كما يطرحها فلاسفة مثل هوبز وروسو، فإن وجود الدولة نفسه مشروط بقدرتها على حماية الناس؛ فإذا عجزت، فإن العقد الاجتماعي يتصدع، ويصبح المواطن مُخَيّرًا بين الطاعة القسرية أو الفوضى. النص يستعمل صورة “الثعبان” الذي لا يُقتل إلا من رأسه. هذه الصورة ذات جذور رمزية قديمة؛ في الثقافة اليونانية القديمة، كان الرأس مقرّ “العقل” و“الإرادة”. وفي التحليل النفسي الفرويدي، يمثل الرأس الوعي، بينما الجسد يمثل الرغبات والقوى التي تتحرك بلا وعي. عندما تُقطع الذيل بدلاً من الرأس، فأنت لا تعالج المشكلة بل تستفزّها. وهكذا يشير الكاتب إلى أن مطاردة البلطجية (الذيل) لا تعالج فساد المنظومة (الرأس). من الناحية **الاجتماعية–النفسية**، تعيش الشعوب في مرحلة ما بعد الثورات صراعًا داخليًا بين الأمل والإحباط. الأمل يولّد طاقة معنوية هائلة تُريد أن ترى ثمار التغيير، بينما الإحباط ينشأ عندما تتكرر الأخطاء وتُعاد إنتاج البنية القديمة. وهنا يدخل “الاستهبال” –كما يسميه الكاتب– ليصبح حيلة تمارسها السلطة لإبقاء الناس في حالة انتظار دائم. الانتظار نفسه يصبح أداة حكم. في الفلسفة السياسية، يكتب آجمبن عن “الحالة الاستثنائية” التي تُبقي الشعوب في حالة طوارئ دائمة، تسمح للسلطة أن تتصرف خارج القانون بينما تدّعي أنها تحمي القانون. ويذكر الكاتب مشاهد من السرقات المنظمة وعمليات الإرهاب المحلي، ليشير إلى أن تكرار هذه الأحداث بطريقة واحدة يُظهر وجود تخطيط لا فوضى عشوائية. هنا يتجسد مفهوم “الفوضى المصطنعة” التي تُستخدم أحيانًا لترهيب المجتمع وجعله يقبل بإجراءات قاسية أو بسياسات معينة بحجة “الحفاظ على الأمن”. حدث هذا تاريخيًا في أكثر من مكان؛ ففي أمريكا اللاتينية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، استخدمت أنظمة عسكرية الفوضى الأمنية لتبرير القمع. وفي الشرق الأوسط، شهدت بعض الدول استخدام “الانفلات الأمني” كورقة ضغط على المجتمع. النصّ لا يتهم أشخاصًا بعينهم، لكنه يكشف آلية اجتماعية: وجود طبقة تستفيد من الفوضى أكثر مما تستفيد من الاستقرار، لأن الفوضى تمنحها القدرة على ابتزاز الشعب والسلطة معًا. هذه الطبقة التي يسميها الكاتب “العصابة” ليست مجرد أفراد، بل هي شبكة مصالح متشابكة بين رجال أعمال فاسدين ومسؤولين تهاونوا أو تواطؤوا. وهنا يظهر السؤال الفلسفي الكبير: ما الفرق بين الخطأ والتواطؤ؟ بين الغباء والخيانة؟ بين الجهل المتعمد والجهل الحقيقي؟ في الفكر الفلسفي، يميز هابرماس بين “الفعل الأداتي” و“الفعل التواصلي”. الأول يستخدم اللغة أداة للتلاعب، والثاني يستخدمها لبناء التفاهم. النص يرى أن خطاب بعض المسؤولين يقع في المستوى الأول: استخدام الكلمات ليس لتوضيح الحقيقة، بل لتغطيتها. وهنا يصبح “الاستهبال” قوة لغوية، لا فقط سلوكًا اجتماعيًا. اللغة نفسها تتحول إلى أداة تضليل. ولكي نفهم البعد النفسي بعمق أكبر، علينا أن ندرك أن “الهبل” الذي يتحدث عنه الكاتب ليس مجرد سذاجة، بل هو شكل من أشكال الهروب النفسي. قد يتظاهر البعض بالهبل كي لا يتحمل مسؤولياته. وهذا يحدث في المؤسسات حين يكرر الموظف: “مش فاهم.. مش عارف.. مش مسئوليتي”، وهو في الحقيقة يفهم جيدًا لكنه يريد تجنب المحاسبة. في المقابل، “الاستهبال” هو تظاهر بالبراءة بهدف التلاعب. وهذان السلوكان –الهروب والتحايل– ينتشران حين يشعر الأفراد بأن النظام الأكبر غير عادل، وأن المحاسبة انتقائية، وأن الحق ليس واضحًا. وهكذا تصبح المساحة الرمادية بين الهبل والاستهبال انعكاسًا لمساحة أكبر: مساحة ضبابية في العدالة. ومن الأمثلة الواقعية على اتساع هذه المساحة الرمادية: * المسؤول الذي يبرر فشل مشروع ضخم بعبارات مبهمة: “الظروف كانت خارجة عن إرادتنا”. * وموظف يخطئ خطأً جسيمًا ثم يقول: “أنا فاكر إنك قلتلي كده”، بينما لم يقل له أحد شيئًا. * والوزير الذي يحتفل بإنجازات ورقية، بينما المؤسسات في الميدان تعمل بربع طاقتها. * والشركة التي تعلن “خدمة أفضل” بينما تقلل عدد الموظفين. هذه ليست مجرد حالات فردية، بل أعراض لبنية ثقافية تسمح للهبل أن يبدو طبيعيًا، وللاستهبال أن يبدو ذكاءً. النص في ختامه يذهب إلى منطقة ذات طابع وجودي: “المساحة الرمادية بين الهبل والاستهبال واسعة جدًا حتى نكاد نغرق فيها جميعًا”. هنا لا يتحدث الكاتب عن السلطة وحدها، بل عن المجتمع ككل. كأن هذه المنطقة أصبحت ثقافة؛ ثقافة التبرير، ثقافة التغاضي، ثقافة التصفيق لما لا يجب التصفيق له، وثقافة الخوف من تسمية الأشياء بأسمائها. هذا الغرق الوجودي يشبه ما تحدث عنه كامو حين وصف العبث بأنه لحظة إدراك انقطاع الصلة بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه. فإذا كان الواقع لا يشبه ما يُقال عنه، فإن الإنسان يفقد قدرته على الفهم، ثم على الفعل. من زاوية **علم النفس الجماعي**، الشعوب التي تعيش طويلاً في هذه المساحة الرمادية تتعرض لأمرين خطيرين: 1. **اللامبالاة**: وهي شعور بأن الأمور لن تتغير، فيستسلم الناس. 2. **الاحتقان**: وهو شعور بأن الأمور يجب أن تتغير فورًا، فيثور الناس. والشعب الذي يقف “متطلعًا إلى رحمة الله” كما يقول الكاتب، يقف بين اللامبالاة والاحتقان. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: كلما زاد الاستهبال من فوق، زاد الهبل من تحت. فحين يتكرر الكذب، يعتاد الناس عدم التفكير. وحين تُسحق المبادرات الفردية، يستسلم الأفراد للانتظار. وهكذا تتضخم المساحة الرمادية حتى تصبح “نظام حياة”. **الخلاصة الفلسفية** إن الفقرة ليست مجرد نقد سياسي، بل تشريح لسلوكيات نفسية واجتماعية، وتحذير فلسفي من تحول العبث إلى قدر. وهي تُظهر أن المشكلة ليست في وجود الهبل أو الاستهبال، بل في ضياع الحدود بينهما. فحين يفقد المجتمع القدرة على التمييز، يصبح كل شيء مباحًا: الخطأ يُبرر، والضعف يُتظاهر بأنه قوة، والكذب يُسوق على أنه إنجاز. إن الخروج من هذه المساحة الرمادية يحتاج إلى وضوح: وضوح في المسؤولية، ووضوح في الخطاب، ووضوح في المعايير. فالوضوح هو الضوء الوحيد الذي يستطيع تبديد العتمة التي تتكاثر فيها أشكال الهبل والاستهبال. وهكذا يتحول النص إلى مرآة يرى فيها القارئ لا السلطة فقط، بل نفسه أيضًا: أين يقف من هذه المنطقة الرمادية؟ وهل يملك الشجاعة للخروج منها؟ تُقيم الفقرة التي بين أيدينا بناءً لغويًا ساخرًا، لكنه لا يكتفي بالسخرية بوصفها أسلوبًا للتندر، بل يجعلها أداة تفكيك وتحليل للواقع السياسي والاجتماعي. وهي تعتمد ثنائية “الهبل” و“الاستهبال”؛ الأولى تشير إلى البراءة الساذجة المختلطة بضعف الوعي وفقدان القدرة على التمييز، بينما الثانية تشير إلى التذاكي المتعمد، وإلى ذكاء خبيث يستخدم التظاهر بالجنون ستارًا للمراوغة. وبين هاتين الحالتين تنفتح منطقة رمادية واسعة تسكن فيها العلاقات المشروخة بين الشعب والسلطة، بين وعي المواطن وتشوهات الخطاب الرسمي، وبين حاجة المجتمع إلى الحقيقة وحاجة السلطة إلى تضبيبها.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال