نساء المتعة
حين تحوّلت الحرب إلى سجنٍ مفتوح لجسد المرأة وذاكرتها
مقدمة: الاسم الذي أخفى الجريمة
في تاريخ الحروب، لا تُقاس المأساة بعدد المعارك وحده، ولا بعدد المدن التي احترقت والجنود الذين سقطوا في ساحات القتال. فثمّة حروب أخرى تجري في الظل، بعيدًا عن خرائط الجبهات، وتترك آثارها في الأجساد والذاكرة والبيوت، وتبقى بعد أن تصمت المدافع بسنوات طويلة. ومن أكثر هذه المآسي قسوةً ما عُرف في التاريخ باسم «نساء المتعة»، وهو تعبير ياباني كان يُستخدم لوصف النساء والفتيات اللواتي أُجبرن، في سياقات متعددة، على تقديم خدمات جنسية للجنود اليابانيين في منشآت عسكرية أو مرتبطة بالجيش الإمبراطوري الياباني خلال العقود التي سبقت الحرب العالمية الثانية وخلالها، ولا سيما بين ثلاثينيات القرن العشرين ونهاية الحرب سنة 1945.
ويحتاج هذا المصطلح، قبل كل شيء، إلى قراءة نقدية. فلفظة «المتعة» قد توحي، في ظاهرها، بعلاقة اختيارية أو بعمل اعتيادي، بينما تكشف الوثائق وشهادات الناجيات أن واقع عدد كبير من النساء كان قائمًا على الإكراه، والخداع، والاتجار، والاحتجاز، والعنف الجنسي المنهجي. ولهذا وصف تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة راديكا كوماراسوامي عام 1996 الممارسة بأنها شكل من أشكال العبودية الجنسية العسكرية، مع الإشارة إلى استمرار النقاش القانوني والتاريخي حول بعض تفاصيلها وصيغ توصيفها.
إن قصة هؤلاء النساء ليست فصلًا هامشيًا في تاريخ الحرب العالمية الثانية، بل نافذة قاسية على علاقة السلطة بالجسد، وعلى الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الإنسان، في زمن الحرب، إلى رقم في دفاتر الإدارة العسكرية، وإلى أداة في خدمة مؤسسة لا ترى فيه سوى وظيفة.
________________________________________
من هنّ «نساء المتعة»؟
كان اليابانيون يستخدمون لفظ «إيانفو» (ianfu)، وهو تعبير تلطيفي يُقصد به، في سياقه العسكري، النساء المرتبطات بما سُمّي «محطات المتعة». وهذه المحطات لم تكن ظاهرة محصورة في مدينة واحدة أو منطقة واحدة، بل امتدت مع اتساع الوجود العسكري الياباني في الصين وشبه الجزيرة الكورية وجنوب شرق آسيا وأجزاء أخرى من مناطق الاحتلال.
وتشير الدراسات والوثائق إلى أن النساء جئن من خلفيات وجنسيات مختلفة: من كوريا والصين والفلبين وإندونيسيا وتايوان وهولندا ومناطق أخرى، إضافة إلى نساء يابانيات. وكانت أعداد كبيرة من الكوريات والصينيات بين الضحايا، لكن القضية لم تكن كورية فقط، ولا صينية فقط، بل كانت ذات امتداد آسيوي ودولي واضح. وقد أظهرت شهادات ووثائق متعددة أن بعض النساء كنّ يعملن أصلًا في قطاع الدعارة، بينما دخلت أخريات إلى النظام نتيجة الخداع أو الإكراه أو ظروف اقتصادية واجتماعية قاهرة، وبعضهن نُقلن إلى مناطق بعيدة عن موطنهن دون أن يعرفن حقيقة ما ينتظرهن.
وهنا تكمن ضرورة التمييز التاريخي: ليس كل من مررن عبر هذا النظام قد أُجبرن بالطريقة نفسها، لكن وجود فروق في أساليب التجنيد لا يلغي حقيقة أن كثيرات فقدن القدرة على الرفض أو مغادرة المكان بعد وصولهن. وقد أقرت الحكومة اليابانية في بيان كونو الصادر في 4 أغسطس 1993 بأن الجيش كان متورطًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنشاء المحطات وإدارتها ونقل النساء، وأن التجنيد جرى في حالات كثيرة ضد إرادتهن، عبر الإقناع القسري أو الضغط أو وسائل أخرى، وأن عسكريين وإداريين شاركوا مباشرة في بعض عمليات التجنيد.
________________________________________
كيف وُلد النظام؟
لم يظهر نظام «محطات المتعة» فجأة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. فقد ارتبط بتطورات أسبق في بنية الإمبراطورية اليابانية والتوسع العسكري في شرق آسيا. ومع اتساع العمليات العسكرية في الصين في ثلاثينيات القرن العشرين، ظهرت منشآت مرتبطة بالجيش لتلبية حاجات الجنود وفق التصور العسكري السائد آنذاك.
وكانت السلطات اليابانية تطرح جملة من المبررات الرسمية لإنشاء هذه المنشآت، من بينها محاولة الحد من الاغتصاب في المناطق المحتلة، وتقليل انتشار الأمراض المنقولة جنسيًا، وتشديد الرقابة على العلاقات بين الجنود والسكان المدنيين، وضبط ما كان يُنظر إليه بوصفه قضية انضباط وأمن عسكري. وتكشف الوثائق اليابانية نفسها عن تدخل رسمي في تنظيم الاستقدام والسفر والإدارة والإشراف على هذه المنشآت. وتوجد، على سبيل المثال، وثائق من وزارة الجيش ووزارات الداخلية والشرطة خلال عامي 1937 و1938 تتحدث بصورة مباشرة عن تنظيم تجنيد النساء ونقلهن وإدارة المحطات.
غير أن المفارقة الأخلاقية والتاريخية هنا عميقة: النظام الذي قيل إنه أُنشئ لضبط العنف الجنسي ارتبط هو نفسه بعنف جنسي واسع النطاق. فقد أصبح جسد المرأة جزءًا من نظام عسكري منظم، يخضع فيه الإنسان لقواعد المؤسسة العسكرية، وتُحوّل فيه العلاقة الجنسية إلى خدمة مفروضة تتكرر بحسب أعداد الجنود والمواقع العسكرية والاحتياجات التشغيلية.
وبذلك انتقلت المرأة من كونها فردًا له اسم وأسرة وحياة، إلى كونها جزءًا من عملية إدارية. وهذه النقلة، في ذاتها، تكشف شيئًا مرعبًا عن طبيعة الحرب الحديثة: حين تكتمل آليات البيروقراطية حول العنف، يصبح القسْر أكثر انتظامًا، لا أقل.
________________________________________
الخداع بوصفه بابًا إلى الأسر
من أكثر الأساليب التي تتكرر في الشهادات والوثائق الخداع بالعمل. فقد جرى في بعض الحالات الإعلان عن وظائف في المصانع أو المستشفيات أو التمريض، وعن فرص للعمل في أماكن جديدة بأجور مرتفعة. وكانت النساء، ولا سيما القادمات من أسر فقيرة، يرَين في هذه الوعود فرصة لمساعدة أسرهن أو تسديد الديون أو بناء مستقبل مختلف.
لكن الطريق الذي يبدأ بإعلان صغير قد ينتهي بغرفة مغلقة في مدينة لا تعرفها صاحبتها.
وقد وثقت تقارير عسكرية وأرشيفية حالات جرى فيها استقدام نساء من كوريا إلى مناطق جنوب شرق آسيا تحت عناوين وظيفية مضللة، مع الحديث عن الرواتب والسفر والعمل في «خدمات» غير واضحة المعالم. ومن أبرز الوثائق المعروفة تقرير أمريكي عن نساء كوريات نُقلن إلى بورما عام 1942، ويذكر أن المجندين استخدموا وعودًا بالمال وتسديد الديون والعمل الميسر والحياة الجديدة لاستدراج نساء صغيرات السن.
ولم يكن الفقر تفصيلًا ثانويًا في هذه القصة، بل كان عنصرًا أساسيًا في قابلية المجتمعات للاستغلال. فالمرأة التي تعيش في أسرة مثقلة بالدَّين، أو في بيئة استعمارية تفتقر فيها إلى الحماية القانونية، تصبح أكثر تعرضًا للاتجار والاستدراج. وهنا تلتقي الحرب بالطبقة الاجتماعية وبالاستعمار وبالتمييز ضد النساء، فتتشكل مأساة مركبة لا يمكن فهمها من زاوية واحدة.
________________________________________
كوريا والصين: الاستعمار حين يضيف طبقة أخرى إلى القهر
كانت كوريا خاضعة للحكم الاستعماري الياباني منذ عام 1910 حتى عام 1945، وهو سياق مهم لفهم اتساع عمليات التجنيد فيها. فقد أدى النظام الاستعماري إلى إخضاع السكان لبنية سياسية وإدارية واقتصادية فرضتها السلطة اليابانية، فيما سهّلت شبكات النقل والإدارة والشرطة والوسطاء عمليات نقل النساء إلى أماكن مختلفة.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن البيئة الاستعمارية الكورية أتاحت ظروفًا ساعدت على تكثيف التجنيد، وأن النساء الكوريات دخلن النظام عبر وسائل مختلفة تراوحت بين الاستدراج والشراء والإكراه والخداع، وفي بعض الحالات التدخل المباشر أو غير المباشر من السلطات العسكرية والإدارية.
أما الصين، فكانت مسرحًا واسعًا للعمليات اليابانية، وتظهر الوثائق والدراسات المتعلقة بشنغهاي ونانجينغ وغيرها شبكة واسعة من المنشآت والخدمات المرتبطة بالجيش. وقد أدى الغزو الياباني للصين، وخصوصًا منذ 1937، إلى توسع هائل في الوجود العسكري وفي الحاجة إلى منشآت مرافقة للقوات، فانتشر النظام مع انتشار الجيش.
وتكشف دراسة صينية حول أرشيفات شنغهاي ونانجينغ عن عدد كبير من المحطات التي أقيمت في المناطق الواقعة تحت السيطرة اليابانية، كما تشير إلى أن الوصول إلى أرشيفات محلية جديدة أدى إلى ظهور معلومات أكثر تفصيلًا عن عمليات التجنيد والإدارة مقارنة ببعض المواد التي كانت متاحة في التحقيقات اليابانية الأولى خلال تسعينيات القرن العشرين.
وهنا يظهر وجه آخر من وجوه المأساة: لم تكن الحرب تُخضع الأرض وحدها، بل كانت تعيد ترتيب حياة الناس وفق حاجات القوة العسكرية. فالمدينة المحتلة لا تفقد سيادتها السياسية فقط، وإنما تُصاب كذلك بتصدعات في الأسرة والاقتصاد والمجتمع، ويصبح جسد المرأة واحدًا من ميادين الاحتلال.
________________________________________
الحياة داخل «المحطات»: العنف الذي تكرّر حتى صار نظامًا
لا تكمن فداحة القضية في وقوع الاعتداء مرة أو مرات، بل في تحويل الاعتداء إلى نظام متكرر.
كانت النساء يعشن، بحسب شهادات ووثائق كثيرة، في ظروف قاسية، وفي غرف ضيقة، وتحت مراقبة، مع تعرض بعضهن لعشرات الزبائن يوميًا. وتفاوتت التفاصيل من مكان إلى آخر ومن فترة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك في روايات الناجيات كان فقدان الحرية والتعرض للإيذاء والإجبار.
كما واجهن أمراضًا وإصابات وحالات حمل وإجهاض، فضلًا عن آثار نفسية عميقة رافقتهن سنوات طويلة. وقد أكدت تقارير حقوقية ودولية أن العنف لم يكن بدنيًا فقط؛ فالاحتجاز، والخوف المستمر، والإذلال، والتهديد، والعزلة، كلها عناصر تصنع جرحًا داخليًا قد لا يظهر في صورة أو وثيقة.
وكانت بعض النساء في سن المراهقة عند وقوعهن في هذا النظام، وهو ما يزيد فداحة المأساة، لأن ضحية الحرب هنا لم تكن امرأة بالغة فحسب، وإنما قد تكون فتاة لم تكتمل تجربتها الإنسانية أصلًا. ولهذا كانت القضية، منذ ظهور شهادات الناجيات، مرتبطة أيضًا بتاريخ العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال الجنسي للقاصرات.
________________________________________
كم كان عدد الضحايا؟ الرقم الذي لم يكتمل
من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين المؤرخين تحديد العدد الإجمالي للنساء اللواتي مررن بهذا النظام. وليس من الممكن إعطاء رقم واحد بوصفه حقيقة نهائية؛ إذ إن الوثائق المتبقية مجزأة، وبعض السجلات مفقود، كما تختلف الدراسات في طرق التقدير وفي تعريف الفئة التي تُحتسب ضمنها الضحايا.
ولهذا تتراوح تقديرات مؤرخين وباحثين في بعض الدراسات بين عشرات الآلاف وما يقارب مئتي ألف، بينما توجد تقديرات أخرى أوسع. ويؤكد هذا التباين أن الرقم ليس مجرد مسألة حسابية، بل مشكلة تاريخية تتعلق بنقص السجلات واتساع النظام وتعدد المناطق والسنوات.
ومن المهم، منهجيًا، ألا يتحول الرقم إلى بديل عن الإنسان. فحين نقول «عشرات الآلاف» قد ننسى أن كل رقم يختزن وجهًا وصوتًا وأسرة وطفولةً انقطعت. قد تكون هناك أم انتظرت ابنتها، أو أب ظل يجهل مصيرها، أو امرأة عادت بعد الحرب تحمل سرًا لم تستطع الحديث عنه خمسين عامًا.
________________________________________
لماذا صمتت الناجيات كل هذه العقود؟
بعد انتهاء الحرب عام 1945، لم تنتهِ مأساة النساء الناجيات. فقد بدأت مرحلة أخرى أكثر هدوءًا في ظاهرها وأشد قسوة أحيانًا في باطنها: مرحلة الصمت.
عادت بعض النساء إلى مجتمعاتهن، لكنهن عدن محمّلات بآثار نفسية وجسدية شديدة. وفي مجتمعات محافظة كان الحديث عن العنف الجنسي يحمّل الضحية نفسها شعورًا بالعار، ويهدد مكانتها الاجتماعية واحتمالات الزواج والاستقرار. ولهذا اختارت أو اضطرت نساء كثيرات إلى الصمت.
ولسنوات طويلة بقيت القضية في الهامش، قبل أن تتغير البيئة الاجتماعية والسياسية في كوريا الجنوبية، وأن تنشط منظمات نسائية وحقوقية في جمع الشهادات. ثم جاءت لحظة فارقة في عام 1991، عندما خرجت كيم هاك-سون إلى العلن وقدمت شهادتها بشأن تجربتها. شكلت شهادتها نقطة تحول دفعت نساء أخريات إلى الحديث، وحولت الألم الخاص إلى قضية عامة تتعلق بالذاكرة والعدالة وحقوق الإنسان.
وهكذا حدث شيء بالغ الأهمية: تحولت الناجية من موضوع للصمت إلى صاحبة رواية. لم تعد الحرب تُروى من كتب الجنرالات وتقارير الحكومات وحدها، بل دخلت إليها أصوات النساء اللواتي كنّ في غرفها المغلقة.
________________________________________
من الإنكار إلى الاعتراف الرسمي
دخلت القضية في التسعينيات مرحلة جديدة مع ازدياد الأبحاث والوثائق والشهادات. وقد أجرت الحكومة اليابانية تحقيقًا رسميًا بدأ في ديسمبر 1991، ثم أعلنت نتائج في 1992 و1993. وفي بيان كونو عام 1993 أقرت الحكومة اليابانية بأن محطات المتعة كانت تعمل في مناطق واسعة ولفترات طويلة، وأن السلطات العسكرية شاركت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إنشائها وإدارتها ونقل النساء، وأن التجنيد تم في حالات كثيرة ضد إرادة النساء. كما أعرب البيان عن اعتذار وندم رسميين.
غير أن الاعتراف لم يُنهِ الجدل؛ لأن السؤال لم يعد يتعلق بمجرد الاعتراف بوجود النظام، بل بمسائل المسؤولية والتعويض وطبيعة الاعتذار، وبالفرق بين الأموال المقدمة، والتسوية القانونية، والاعتراف التاريخي الكامل.
وفي عام 1995 أُنشئ صندوق المرأة الآسيوية، الذي عمل على تقديم دفعات «تكفيرية» وبرامج طبية واجتماعية، إلى جانب رسائل اعتذار من رئيس الوزراء الياباني. وواصل الصندوق أعماله حتى عام 2007.
لكن كثيرًا من الناجيات والمنظمات اعتبرن أن هذه الإجراءات لم تحسم كل مطالبهن، ولا سيما فيما يتعلق بالمسؤولية القانونية المباشرة وبطبيعة التعويض ومصادر الأموال. وهكذا بقيت القضية معلقة بين الاعتراف الأخلاقي، والتفسير القانوني، والذاكرة السياسية.
________________________________________
حين تدخل الذاكرة في العلاقات بين الدول
بمرور الوقت تحولت قضية «نساء المتعة» إلى أكثر من ملف تاريخي؛ أصبحت أيضًا عنصرًا حاضرًا في العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية، وفي النقاشات الأوسع بشأن الذاكرة الاستعمارية في شرق آسيا.
وفي 28 ديسمبر 2015 أعلنت الحكومتان اليابانية والكورية الجنوبية اتفاقًا تناول القضية، وتضمن اعتذارًا جديدًا من رئيس الوزراء الياباني وإجراءات مالية مرتبطة بالضحايا. وقد أعلنت الحكومة اليابانية لاحقًا أن الاتفاق كان يستهدف تسوية القضية بصورة نهائية ولا رجعة فيها، بينما خضعت طريقة التفاوض والاتفاق نفسه لمراجعة وانتقادات في كوريا الجنوبية، وهو ما أظهر أن التسويات الحكومية لا تؤدي بالضرورة إلى تطابق مواقف الحكومات والناجيات والمجتمع المدني.
وهنا تظهر مسألة أعمق: هل يمكن للدولة أن تغلق صفحةً لم تغلقها ذاكرة الضحية؟
التاريخ لا يعمل كملف إداري. وقد تستغرق المصالحة عقودًا، لأن الاعتذار الرسمي يمكن أن يُكتب في يوم، بينما تحتاج الذاكرة إلى أجيال كي تهدأ. وقد يحتاج المجتمع إلى متاحف وتماثيل وشهادات وأبحاث وتعليم، لا من أجل إبقاء الكراهية، بل من أجل منع النسيان.
________________________________________
ماذا تعلمنا هذه القضية؟
إن قصة «نساء المتعة» تتجاوز اليابان وكوريا والصين والحرب العالمية الثانية. إنها تضع أمامنا سؤالًا إنسانيًا بالغ القسوة: ماذا يحدث عندما تصبح المرأة في زمن الحرب بلا حماية؟
إن أول درس هو أن العنف الجنسي ليس «حادثًا جانبيًا» للحرب، بل يمكن أن يتحول إلى أداة مرتبطة بالسلطة والاحتلال والانضباط العسكري. والدرس الثاني أن الفقر والاستعمار والتمييز الاجتماعي تجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال. أما الدرس الثالث فهو أن الجريمة قد تنتهي في ميدان المعركة، لكنها تستمر داخل الذاكرة والجسد.
والأهم أن هذه القضية تذكّرنا بأن حفظ التاريخ ليس ترفًا. فالوثيقة القديمة ليست ورقة صامتة؛ إنها أحيانًا صوت مَن لم يستطع الكلام. والصورة بالأبيض والأسود ليست مجرد صورة؛ إنها بقايا حياة توقفت فجأة. والشهادة الشخصية ليست حكاية فردية فحسب، بل جزء من الذاكرة الجماعية.
________________________________________
خاتمة: حين تستعيد الضحية اسمها
ظل التعبير سنوات طويلة يحاول أن يلطّف شيئًا لا يمكن تلطيفه. سُمّيت النساء «نساء المتعة»، بينما كان كثير منهن يعيش تجربة لا تمت إلى المتعة بصلة، بل إلى الخوف والقسر والإذلال وفقدان الحرية.
وربما تكمن قوة التاريخ الحقيقي في أنه يعيد للأسماء معناها، وللضحايا إنسانيتهم. فبدل أن نتذكر «نظامًا» فقط، ينبغي أن نتذكر نساءً؛ لكل واحدة منهن حياة كانت قائمة قبل الحرب، واسمًا، وأمًا أو أبًا، وربما مدرسة وبيتًا وحلمًا صغيرًا. الحرب قطعت ذلك كله، لكن الذاكرة حاولت أن تجمع الشظايا.
ومن هنا فإن دراسة «نساء المتعة» لا ينبغي أن تكون وسيلة لإحياء الكراهية بين الشعوب، ولا لتبرئة الماضي أو تشويه الحاضر، بل لفهم الطريقة التي يمكن بها للسلطة، حين تفلت من الرقابة الأخلاقية والقانونية، أن تنقل الإنسان من مرتبة الغاية إلى مرتبة الأداة.
لقد مضت عقود على نهاية الحرب، واختفت الجيوش التي بنت ذلك النظام، ورحل معظم شهوده. لكن السؤال بقي حيًا: كيف نمنع أن تتحول أجساد النساء مرة أخرى إلى ساحات حرب؟
إن الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن كرامة الإنسان لا تسقط عندما تسقط الدولة، ولا تتبدل عندما يعبر الجيش الحدود، ولا تصبح أقل قيمة في زمن الحرب. فالمرأة التي فقدت حريتها في غرفة بعيدة في شرق آسيا ليست مجرد صفحة في كتاب تاريخ؛ إنها تذكير دائم بأن الحضارة تُقاس، في أشد لحظاتها ظلمة، بقدرتها على حماية الأضعف.
ولهذا تبقى هذه القصة، بعد كل هذه السنوات، مفتوحة على المستقبل أكثر مما هي مغلقة في الماضي: لأن الذاكرة لا تعيد الموتى، لكنها قد تمنع تكرار الموت.
يوجد هذا النظام أيضا في معتقد الشيعة تحت اسم زواج المتعة
#نساء_ متعة # ترفيه
