نابليون في مصر حين عبرت الجيوش البحر ودخل التاريخ من بوابة النيل

نابليون في مصر حين عبرت الجيوش البحر ودخل التاريخ من بوابة النيل
مقدمة: مصر بين سيف نابليون ومرآة التاريخ في أواخر القرن الثامن عشر، كانت أوروبا تعيش على إيقاع الثورة والحروب والتحولات الكبرى. كانت فرنسا قد خرجت من الثورة الفرنسية وهي تحمل في يدها شعارات الحرية والمساواة، وفي اليد الأخرى سيفًا لا يهدأ. وفي ذلك الزمن المضطرب ظهر نابليون بونابرت، الضابط الشاب الذي أخذ يصعد بسرعة مذهلة في سلم المجد العسكري، حتى بدا كأن التاريخ نفسه قد فتح له طريقًا خاصًا بين جيوش أوروبا. لكن الطريق إلى المجد لم يكن دائمًا يمر عبر أوروبا. ففي عام 1798 اتجهت أنظار نابليون نحو مصر، تلك البلاد القديمة التي لم تكن بالنسبة إلى الأوروبيين مجرد وادٍ خصيب تحرسه الصحراء، بل كانت بوابة استراتيجية إلى الشرق، ومفتاحًا لطريق الهند، وأرضًا أسطورية تختلط فيها صور الفراعنة بحكايات الشرق، وتلتقي فيها الجغرافيا بالتاريخ. وهكذا بدأت الحملة الفرنسية على مصر والشام، وهي حملة عسكرية استعمارية في جوهرها، لكنها حملت معها، في الوقت نفسه، مشروعًا علميًا وثقافيًا واسعًا. ولذلك بقيت في الذاكرة التاريخية حدثًا مركبًا لا يمكن اختزاله في صورة جيش غازٍ أو في صورة بعثة علمية فقط. فقد كانت مدافعها تفتح الطريق للجنود، بينما كان العلماء والمهندسون والرسامون يسجلون ما تقع عليه أعينهم من آثار ونباتات وعادات وخرائط. كان في الحملة تناقض عميق: جيش جاء ليحتل، وعلماء جاءوا ليدرسوا؛ سلطة عسكرية تتحدث عن التحرير، وواقع سياسي يقوم على السيطرة؛ ونابليون الذي أراد أن يصنع لنفسه مجد الإسكندر، لكنه وجد في مصر تاريخًا أقدم من أحلام الفاتحين جميعًا. ومن هنا تبدأ الحكاية. الفصل الأول: لماذا مصر؟ لم تكن مصر اختيارًا عابرًا في حسابات نابليون. كانت بريطانيا العدو الأكبر لفرنسا، وكان التنافس بين القوتين يتجاوز أوروبا إلى البحار والمستعمرات والطرق التجارية. وكانت الهند تمثل جوهرة مهمة في الإمبراطورية البريطانية، ولذلك رأى الفرنسيون أن مصر يمكن أن تكون موطئ قدم يهدد الطريق الذي يصل بريطانيا بمصالحها في الشرق. وكانت مصر في ذلك الوقت ولاية عثمانية، وإن كانت السلطة الفعلية فيها موزعة بين قوى متعددة، وفي مقدمتها المماليك. وكان مراد بك وإبراهيم بك من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية المؤثرة في البلاد. أما نابليون، فكان يرى في مصر أكثر من هدف عسكري. كان الشرق بالنسبة إليه مساحة للخيال السياسي. وقد وجد في تاريخ الإسكندر الأكبر نموذجًا يستفزه ويغريه في الوقت نفسه. أراد أن يظهر باعتباره رجلًا يستطيع أن يعبر حدود أوروبا، وأن يصنع لنفسه مكانًا في ذاكرة الشرق كما صنعه الإسكندر قبل أكثر من ألفي عام. لكن خلف هذا الخيال التاريخي كان هناك حساب سياسي واضح: إبعاد نابليون عن الساحة الفرنسية مؤقتًا، وضرب المصالح البريطانية، وإقامة نفوذ فرنسي في مصر، وفتح طريق محتمل نحو الهند. وهكذا تحولت مصر من صورة في كتب الجغرافيين إلى هدف على الخرائط العسكرية. وفي 19 مايو 1798 أبحرت الحملة الفرنسية من طولون. لم يكن نابليون يحمل معه جيشًا صغيرًا، بل قوة كبيرة ترافقها سفن كثيرة ومعدات وذخائر، إضافة إلى نخبة من العلماء والفنانين والمهندسين. كان البحر في تلك اللحظة يبدو كأنه فاصلة بين عالمين: وراء الفرنسيين أوروبا المضطربة، وأمامهم مصر التي ستختبر أحلامهم وقوتهم وحدود إمبراطوريتهم. الفصل الثاني: الإسكندرية... اللحظة الأولى وصل الفرنسيون إلى السواحل المصرية في أواخر يونيو، وتم الإنزال في الإسكندرية في 1 يوليو 1798، ثم سيطروا على المدينة في الأيام الأولى للحملة. كانت الإسكندرية بالنسبة إلى نابليون مدخلًا طبيعيًا إلى مصر، لكنها كانت أيضًا مدينة ذات ذاكرة هائلة. هنا كانت آثار العالم القديم تلمع تحت شمس المتوسط، وهنا كانت أسماء الإسكندر وكليوباترا ومكتبة الإسكندرية القديمة تحوم في المخيلة الأوروبية. ولم يكن استقبال المصريين للفرنسيين استقبالًا هادئًا. كان الاحتلال صدمة سياسية وعسكرية واجتماعية. وفي الإسكندرية برزت مقاومة محلية ارتبط اسمها بمحمد كريم، الذي أصبح رمزًا من رموز المقاومة في المدينة. ثم تحرك نابليون بجيشه نحو الداخل. كانت الصحراء قاسية، والمسافة شاقة، والجيش الفرنسي يواجه بيئة مختلفة تمامًا عن ميادين أوروبا. لم تكن المعركة مع جيش الخصم وحده، بل مع المناخ والمسافات والعطش وطبيعة الأرض أيضًا. ومع ذلك، كان نابليون يعرف أن عليه الوصول سريعًا إلى القاهرة، لأن بقاءه طويلًا في الصحراء قد يضعف قواته قبل أن تصل إلى قلب البلاد. وفي 21 يوليو 1798 وقعت المعركة التي عُرفت في الذاكرة الفرنسية باسم «معركة الأهرام»، قرب إمبابة. الفصل الثالث: الأهرام... انتصار عسكري وظل حضارة واجه الفرنسيون قوات المماليك بقيادة مراد بك وإبراهيم بك. كان المماليك فرسانًا اشتهروا بالشجاعة والمهارة الفردية، لكن القوة الفرنسية امتلكت تنظيمًا عسكريًا مختلفًا. فقد استخدم نابليون تشكيلات المشاة المعروفة باسم المربعات، وهي تشكيلات دفاعية صممت لمواجهة هجمات الفرسان. كان المشهد أشبه بصدام بين زمنين عسكريين: فرسان يمتلكون تقاليد الحرب القديمة، وجيش أوروبي حديث يعتمد على الانضباط الجماعي والمدفعية والتنظيم. وانتهت المعركة بانتصار الفرنسيين، وأصبح الطريق إلى القاهرة مفتوحًا. دخل نابليون القاهرة في 24 يوليو 1798، وكان يدرك أن السيطرة على المدينة لا تعني السيطرة الكاملة على مصر. فالمدينة ليست مجرد شوارع ومبانٍ؛ إنها مجتمع له علماءه ومشايخه وتجارُه وحرفيوه وعلاقاته المعقدة. ولذلك حاول نابليون أن يقدم نفسه للمصريين بصورة مختلفة عن صورة الغازي الأوروبي. خاطب العلماء والأعيان، واستعمل لغة سياسية ودينية تسعى إلى إظهار احترام الإسلام، وادعى أن الفرنسيين جاؤوا لإنقاذ المصريين من ظلم المماليك. لكن الكلمات لم تستطع إخفاء حقيقة الاحتلال طويلًا. فقد كان الناس يرون الجنود الفرنسيين في الشوارع، ويرون الضرائب والمطالبات والإجراءات العسكرية، وكانت الفجوة بين خطاب نابليون وممارسة السلطة تتسع يومًا بعد يوم. ومن هنا بدأت مقاومة جديدة. الفصل الرابع: من القاهرة إلى أبي قير... حين انتصر البحر على البر إذا كان نابليون قد نجح بسرعة في البر، فإن البحر حمل له خبرًا مختلفًا تمامًا. في 1 أغسطس 1798 واجه الأسطول الفرنسي الأسطول البريطاني بقيادة الأميرال هوراشيو نيلسون في معركة أبي قير البحرية، المعروفة أيضًا باسم معركة النيل. كانت النتيجة كارثية بالنسبة إلى الفرنسيين. فقد دُمّر الجزء الأكبر من الأسطول الفرنسي، وانقطعت عمليًا الصلة البحرية بين الجيش الموجود في مصر وفرنسا. كان ذلك التحول أشبه بإغلاق باب خلف الجيش. لقد أصبح نابليون في مصر أكثر عزلة. لم يعد قادرًا على الاعتماد بسهولة على الإمدادات والتعزيزات القادمة من فرنسا، وأصبح عليه أن يدير حربًا بعيدة عن وطنه، في أرض شاسعة، وسط خصوم محليين وإقليميين ودوليين. وهنا ظهر وجه آخر من عبقرية نابليون العسكرية: القدرة على المناورة في ظروف صعبة. لكنه، مهما بلغ من المهارة، لم يستطع أن يلغي الجغرافيا. فالبحر الذي حمل جيشه إلى مصر أصبح بعد أبي قير جدارًا يفصله عن فرنسا. ومن تلك اللحظة بدأت الحملة تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا. الفصل الخامس: القاهرة الثائرة... عندما تصطدم الثورة بالاحتلال لم يكن الاحتلال الفرنسي مجرد مواجهة بين جيشين. كان احتكاكًا يوميًا بين مجتمع محلي وقوة أجنبية. وفي أكتوبر 1798 اندلعت ثورة القاهرة. خرج الأهالي وطلاب الأزهر ومجموعات من السكان في مواجهة الوجود الفرنسي. واتخذت المقاومة طابعًا شعبيًا ودينيًا وسياسيًا في آن واحد. ورد الفرنسيون بقوة عسكرية شديدة، واستخدموا المدفعية لإخماد الثورة. وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات في الحملة: نابليون الذي حاول تقديم نفسه في بياناته باعتباره صديقًا للمصريين وحاميًا للإسلام وجد نفسه يقمع ثورة داخل القاهرة بالقوة. إن التاريخ لا يُقرأ من بيانات الحكام وحدها، بل من آثار أفعالهم أيضًا. فبينما كانت منشورات الحملة تتحدث عن النظام والعدل والتقدم، كان المصريون يعيشون واقعًا آخر؛ واقع جيش أجنبي يفرض سلطته على بلادهم. وهذه المسافة بين الخطاب والممارسة هي واحدة من أكثر المسائل إثارة للتأمل في تجربة نابليون المصرية. الفصل السادس: العلماء في الطريق... عندما حمل نابليون الكتب إلى جوار المدافع ربما كان الجانب الأكثر بقاءً من الحملة الفرنسية هو الجانب العلمي. فقد رافق الحملة عدد كبير من العلماء والمتخصصين في الهندسة والرياضيات والطب والطبيعة والآثار والجغرافيا والرسم والطباعة وغيرها من العلوم. وتذكر المصادر أن لجنة العلوم والفنون ضمت 167 متخصصًا. لم يكن وجود هؤلاء العلماء تفصيلًا هامشيًا. لقد كانوا جزءًا من المشروع الفرنسي في مصر، وكانت مهمتهم دراسة البلاد من جوانب متعددة: آثارها، جغرافيتها، طبيعتها، مواردها، منشآتها، عادات سكانها، ونظمها المختلفة. وفي 22 أغسطس 1798 تأسس «معهد مصر» في القاهرة، ليكون مركزًا للبحث العلمي والنقاش وتبادل المعرفة. كان المشهد فريدًا: في مدينة تعيش تحت الاحتلال، يجتمع العلماء للحديث عن الرياضيات والفلك والآثار والطبيعة. وهنا لا بد من رؤية الأمرين معًا: العلم الذي أنتج معرفة حقيقية عن مصر، والسلطة الاستعمارية التي جعلت هذا العلم جزءًا من مشروع السيطرة والمعرفة السياسية. فالعلم لم يكن منفصلًا تمامًا عن السياسة. ومع ذلك، فإن النتائج العلمية بقيت بعد رحيل الجنود. فالخرائط والرسومات والدراسات والملاحظات التي أنجزها العلماء أسهمت في تغيير المعرفة الأوروبية بمصر، ومهدت الطريق لمرحلة جديدة من الدراسات المصرية والأثرية. الفصل السابع: حجر رشيد... حجر صغير فتح بابًا إلى آلاف السنين في يوليو 1799 عثر جنود فرنسيون أثناء أعمال التحصين قرب مدينة رشيد على حجر أصبح لاحقًا واحدًا من أشهر الآثار في العالم. إنه حجر رشيد. كانت أهمية الحجر في كونه يحمل نصًا واحدًا بثلاثة أنظمة كتابية: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية. ولأن اليونانية كانت معروفة لدى العلماء، أمكن مقارنتها بالنصين المصريين القديمين، وهو ما فتح الطريق أمام جهود طويلة انتهت إلى فك رموز الكتابة الهيروغليفية، خصوصًا مع أعمال العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون في العقود اللاحقة. لم يكن الحجر وحده هو الذي صنع علم المصريات، بالطبع، لكنه أصبح مفتاحًا رمزيًا وعلميًا بالغ الأهمية. ومن المفارقات التاريخية أن حجرًا مصريًا اكتُشف خلال حملة عسكرية أجنبية أصبح جزءًا من قصة علمية عالمية، ثم انتهى به المطاف إلى المتحف البريطاني بعد استسلام الفرنسيين في 1801. وهكذا حمل الحجر قصة أخرى عن الحروب: فقد تنتصر الجيوش في ميدان، لكن الأشياء التي تخرج من ذلك الميدان قد تدخل في صراع آخر حول الملكية والذاكرة والتراث. الفصل الثامن: نابليون في الشام... حين بدأ الحلم يتصدع بعد استقرار الفرنسيين في مصر، قرر نابليون التحرك نحو بلاد الشام في أوائل عام 1799. كان الهدف مرتبطًا بتأمين الحدود الشمالية لمصر ومواجهة القوى العثمانية التي بدأت تستعد لمقاومة الفرنسيين. تقدم الجيش عبر العريش وغزة ويافا، ووقعت أحداث دامية في يافا، ثم وصل الفرنسيون إلى عكا. وهناك اصطدم نابليون بعقبة لم يستطع تجاوزها. ففي حصار عكا، واجه الفرنسيون مقاومة قوية، كما أسهم الدعم البحري البريطاني في إفشال محاولات الاستيلاء على المدينة. وبعد أسابيع من القتال، رفع نابليون الحصار وعاد إلى مصر. كان فشل عكا نقطة مهمة في مسار الحملة؛ فالرجل الذي بدا قبل أشهر وكأنه قادر على فتح الطريق أمامه بلا حدود اصطدم الآن بجدار عسكري وسياسي حقيقي. عاد إلى مصر، لكنه لم يعد الرجل نفسه الذي خرج منها. كان البحر قد قطع صلته بفرنسا، والشام أوقفت اندفاعه، ومصر لم تستسلم تمامًا، والدولة العثمانية وبريطانيا تواصلان الضغط. ومع ذلك، كانت فرنسا نفسها تعيش تحولات سياسية خطيرة. الفصل التاسع: جوزفين وبولين فوريس... الجانب الخفي من نابليون وراء القائد الذي كان يحرك الجيوش كانت هناك حياة شخصية مضطربة. كان زواج نابليون من جوزفين دي بوهارنيه جزءًا مهمًا من حياته العاطفية والسياسية. وقد وصلت إليه في مصر أخبار وشائعات عن علاقتها بهيبوليت شارل، الأمر الذي أثار غضبه وألمه. تذكر المصادر والمراسلات أن خبر خيانة جوزفين كان له أثر واضح في حالته النفسية، وأنه تحدث عن الطلاق في لحظات غضب شديدة. لكن التاريخ الشخصي هنا يحتاج إلى الحذر؛ فمذكرات نابليون وضباطه لم تُكتب كلها في اللحظة نفسها، وبعضها كتب بعد سنوات، وقد اختلط فيها التذكر بالتبرير وصناعة الصورة الشخصية. وفي المقابل، دخل نابليون نفسه في علاقة مع بولين فوريس، زوجة الضابط الفرنسي شارل فوريس. وقد عُرفت بولين في بعض الروايات بلقب «كليوباترا نابليون»، وأصبحت قصتها واحدة من أكثر الحكايات إثارة في تاريخ الحملة. وكانت العلاقة جزءًا من عالم نابليون الشخصي المضطرب، لكنها أيضًا تكشف جانبًا إنسانيًا من القائد الذي تصوره كتب التاريخ أحيانًا كآلة عسكرية لا تتعب ولا تتألم. كان الرجل الذي يقود عشرات الآلاف من الجنود يحمل، في الوقت نفسه، غضبه وغيرة الحب وشعور الخيانة والخوف من المستقبل. وهذه المفارقة مهمة؛ لأن الشخصيات التاريخية ليست تماثيل حجرية. إنها بشر. الفصل العاشر: لماذا عاد نابليون إلى فرنسا؟ في صيف 1799 كان وضع الحملة يزداد صعوبة. وبينما كانت الجيوش الفرنسية تقاتل بعيدًا عن الوطن، كانت الأوضاع السياسية في فرنسا تتغير بسرعة. قرر نابليون العودة سرًا إلى فرنسا، وغادر مصر في 22 أغسطس 1799، تاركًا قيادة الجيش للجنرال جان باتيست كليبر. وصل نابليون إلى فرنسا في أكتوبر من العام نفسه، ثم شارك في الانقلاب الذي أدى إلى سقوط حكومة الإدارة وصعود نظام القناصل. أما الجيش الذي تركه وراءه فلم ينتهِ برحيله. كان كليبر قائدًا مقتدرًا، وتمكن من تحقيق انتصار في معركة هليوبوليس عام 1800، لكنه اغتيل في القاهرة في 14 يونيو من العام نفسه. بعد مقتله تولى الجنرال جاك-فرانسوا مينو القيادة. لكن الظروف أصبحت أكثر صعوبة. وفي عام 1801 وصلت قوات بريطانية وعثمانية إلى مصر، وتعرض الفرنسيون للهزيمة في معركة كانوب، ثم اضطر مينو إلى الاستسلام. وفي سبتمبر 1801 انتهى الوجود العسكري الفرنسي في مصر، وأبحرت القوات الفرنسية عائدة إلى أوروبا. وهكذا انتهت الحملة التي بدأت قبل ثلاث سنوات بمشروع إمبراطوري واسع، وانتهت باتفاق عسكري أجبر فرنسا على مغادرة البلاد. الفصل الحادي عشر: الحملة الفرنسية... فشل عسكري أم بداية عصر جديد؟ من السهل أن نسأل: هل نجحت الحملة الفرنسية أم فشلت؟ لكن السؤال الأدق هو: في ماذا نجحت؟ وفي ماذا فشلت؟ عسكريًا وسياسيًا، لم تحقق فرنسا هدفها النهائي في السيطرة على مصر. فقد انتهى الاحتلال بانسحاب القوات الفرنسية عام 1801، وبقيت مصر ضمن الدولة العثمانية. لكن آثار الحملة تجاوزت النتيجة العسكرية. لقد أنتجت الحملة كمًا ضخمًا من المعرفة المتعلقة بمصر، وأسهمت أعمال العلماء والمهندسين والرسامين في ظهور مشروع «وصف مصر»، ذلك العمل الضخم الذي جمع دراسات ورسومات وخرائط عن البلاد. كما تركت الحملة أثرًا في الإدارة والتنظيم والطباعة والطب والهندسة والخرائط، وأثارت في الوقت نفسه سؤالًا أعمق حول علاقة أوروبا بالشرق. لكن ينبغي ألا يتحول هذا الأثر العلمي إلى تبرير للاستعمار. فالمعرفة يمكن أن تكون نافذة، ويمكن أن تكون أداة سلطة أيضًا. لقد درس الفرنسيون مصر بعين العالم، لكنهم دخلوها بسلاح الجندي. وهذه الثنائية هي مفتاح فهم الحملة. الفصل الثاني عشر: مصر بعد نابليون... من الاحتلال إلى التحول لم تنتهِ قصة مصر بخروج الفرنسيين. فبعد سنوات قليلة برز محمد علي باشا، الذي أصبح حاكمًا لمصر منذ 1805، وبدأ مشروعًا واسعًا لإعادة بناء الجيش والإدارة والاقتصاد والتعليم. وليس من الدقة أن ننسب كل ما حدث في مصر الحديثة إلى الحملة الفرنسية وحدها، فالتغيرات كانت نتيجة عوامل مصرية وعثمانية وأوروبية متعددة. لكن الحملة كشفت بوضوح حجم الفجوة العسكرية والتقنية بين أوروبا وبعض مناطق الدولة العثمانية، وأظهرت أهمية التنظيم والجيش الحديث والعلوم والطب والطباعة والإدارة. ومن هنا أصبحت الحملة جزءًا من قصة أوسع: قصة دخول مصر والشرق العربي في مواجهة أكثر مباشرة مع أوروبا الحديثة. ولذلك لا يمكن النظر إليها باعتبارها حادثة عسكرية انتهت سنة 1801، بل باعتبارها لحظة من لحظات التحول في تاريخ المنطقة. الخاتمة: حين انتهى الجيش وبقي السؤال انتهت الحملة الفرنسية، وغادر نابليون مصر، ومات كليبر، واستسلم مينو، وعادت القوات الفرنسية إلى أوروبا. لكن التاريخ لا ينتهي بخروج الجيوش. بقيت في مصر آثار الجنود، وذكريات المقاومة، ومآسي الاحتلال، والوثائق، والخرائط، والرسومات، وحكايات العلماء، وقصة حجر رشيد، ومذكرات الضباط، ورسائل نابليون، وقصة جوزفين وبولين فوريس، وكل ذلك تحول إلى مادة لا تنضب للباحثين والمؤرخين. كان نابليون يريد أن يكتب لنفسه فصلًا من فصول المجد على أرض مصر. لكن مصر كانت أقدم من مجده، وأوسع من مشروعه، وأشد تعقيدًا من أن تُختزل في انتصار عسكري. دخلها نابليون متطلعًا إلى مجد الإسكندر، فإذا به يكتشف أن الأرض التي يريد أن يكتب عليها اسمه كانت تحمل أسماء آلاف السنين قبل أن يولد. لقد جاء الفرنسيون بالمدافع، وجاء معهم العلماء. وانتهى الاحتلال، لكن المعرفة التي جُمعت خلاله ظلت حاضرة في تاريخ الدراسات المصرية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالحملة التي كانت مشروعًا للسيطرة أصبحت، رغم طابعها الاستعماري والعسكري، مناسبة لإعادة اكتشاف مصر في الوعي العلمي الأوروبي. وفي المقابل، كشفت للمصريين طبيعة القوة الأوروبية الحديثة، وأظهرت لهم أن العالم يتغير بسرعة، وأن ميزان القوة بين الشرق والغرب لم يعد كما كان. ولذلك فإن الحملة الفرنسية ليست قصة نابليون وحده. إنها قصة مصر وهي تواجه أوروبا. وقصة أوروبا وهي تنظر إلى الشرق. وقصة العلم حين يمشي إلى جوار الجندي. وقصة الإنسان حين يجد نفسه، فجأة، داخل عاصفة التاريخ. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، ولا الجيوش وحدها، ولا القادة وحدهم؛ بل تكتبه أيضًا ذاكرة الشعوب، ودفاتر العلماء، ورسائل العشاق، وأصوات الذين قاوموا، وحجارة المدن التي بقيت بعد رحيل الجنود. لقد عبر نابليون البحر إلى مصر، لكنه لم يستطع أن يأخذ مصر معه حين غادر. بقيت مصر. وبقي النيل. وبقيت الأهرام صامتة، كأنها تقول لكل فاتح عابر: إن الذين يأتون بالسيف يرحلون، أما التاريخ فيبقى. مراجع عربية ومترجمة 1. عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ولا سيما الأجزاء المتعلقة بالحملة الفرنسية على مصر. 2. عبد الرحمن الجبرتي، مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس، تحقيق وتعليق، وهو من أهم المصادر المحلية المعاصرة للحملة. 3. نقولا الترك، تاريخ حملة نابليون على مصر، ضمن المصادر العربية المعاصرة لأحداث الحملة. 4. ألبرت حوراني، تاريخ الشعوب العربية، ترجمة كريم عزقول، دار النهار. 5. بيتر مانسفيلد، تاريخ مصر الحديث، ترجمة ومراجعات عربية متعددة. 6. أحمد أمين، مصر في عهد محمد علي، في الدراسات المتعلقة بالتحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت الحملة الفرنسية. 7. مجموعة من الباحثين، الحملة الفرنسية على مصر: دراسات في التاريخ والآثار والمجتمع، ضمن الدراسات العربية الحديثة للحملة. مراجع أجنبية وفرنسية 1. Henry Laurens, L’Expédition d’Égypte, 1798-1801, Paris, Armand Colin. 2. Jean-Joël Brégeon, L’Égypte de Bonaparte, Perrin, 1998. 3. Patrice Bret, L’Égypte au temps de l’expédition de Bonaparte: 1798-1801, Hachette, 1998. 4. Yves Laissus, L’Égypte, une aventure savante: avec Bonaparte, Kléber, Menou, 1798-1801, Fayard, 1998. 5. Robert Solé, Bonaparte à la conquête de l’Égypte, Seuil, 2006. 6. Dominique-Vivant Denon, Voyage dans la Basse et la Haute Égypte, Paris, 1802. 7. Al-Jabarti, Chronicle of the French Occupation of Egypt, 1798-1801, translated and edited by Shmuel Moreh, Brill, Leiden, 1975. 8. Description de l’Égypte, publication issue des travaux de la Commission des sciences et des arts de l’expédition française. 9. Napoleon Bonaparte, Correspondance générale, Fondation Napoléon، الأجزاء الخاصة بالحملة المصرية. 10. Clément de La Jonquière, L’Expédition d’Égypte (1798-1801), Paris, 1899-1907. 11. Allain Bernède & Gérard-Jean Chaduc (dir.), La Campagne d’Égypte 1798-1801: Mythes et réalités, Musée de l’Armée, Paris, 1998.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال