خزان الظلام ثمانية أعوام في قلب الانتقام

خزان الظلام ثمانية أعوام في قلب الانتقام
في إحدى سهرات الخميس ، حيث كنا نجلس مجموعة من الشباب و الشبات في الواجهه البحرية نستمتع بنسمات الهواء القليلة ، و كان مجلسنا هذه المرة في الوجهة البحرية بالقرب من السفينة المهجورة بالقرب من الميناء . قلت إحدى الفتيات تحكي قصة قراتها : في أطراف السهول الموحشة، حيث تمتد الأرض اليابسة كأنها صفحة قدرٍ لم يُكتب عليه سوى القسوة، كانت مزرعة صغيرة تقبع في زمام روزاريو، على مسافة من بوينس آيرس، كأنها جرح منسيّ في خاصرة العالم. هناك عاش رجل فرنسي يُدعى جان جايوما، رجلٌ يحيط نفسه بصمتٍ كثيف، وبكلبين متوحشين، وبندقية لا تفارق كتفه، كأنه لا يحرس مزرعةً بقدر ما يحرس سرًّا أسودَ دفنه في التراب، وخاف أن ينهض. من مرقده . جاء المفتش السري فرناندز فيرا ، يطارد خيوط عصابة هاربة من جزيرة نائية، لكن القدر كان قد أعدّ له صيدًا أشد فظاعة من رجال المافيا. منذ اللحظة الأولى، أثار جايوما ريبة المحقق؛ كان يمنع الناس من الاقتراب من كوخه الحقير، يهدد كل غريب بإطلاق النار نهارًا، ويطلق كلبَيه ليلًا، ثم يهبّ من نومه كلما سمع نباحهما، كأن الليل نفسه شريكٌ في حراسته. كان الكوخ غرفةً واحدة، جدرانها من طينٍ متشقق، وسقفها من جذوعٍ الأشجار الهرمة. خلفه استلقى خزان ماء قديم، مقلوبًا على فوهته، حتى بدا غطاؤه مثل باب قبر. فتّش فرناندز المكان، فلم يجد غير الرجل وكلبيه وصمتًا خانقًا. همَّ بالانصراف، غير أن أذنه التقطت صوتًا خافتًا… نقرًا واهنًا، يشبه استغاثة روحٍ تحت الأرض. تجمّد في مكانه. التفت ببطء نحو الخزان. تقدّم، ورفع الغطاء الثقيل، فانبعث صوتٌ غريب، أشبه بمواء قطةٍ تحتضر. للحظة ظنّ أن حيوانًا علق هناك، لكن ما رآه جعل الدم ينسحب من وجهه. في قاع الظلمة، انكمش هيكل بشري حيّ. ذراعان نحيلتان كعودين يابسين، وجهٌ شاحب كأنه من رماد، عينان أغمضتا نفسيهما بعنف حين لامسهما الضوء، كأن النهار صار عدوًّا مجهولًا. سحبها إلى الخارج. كانت فتاة. فتاة لم تعد تعرف كيف تنظر إلى الشمس، ولا كيف تُخرج الكلمات من فمها. تمتمت بأصوات مكسّرة، حروفها تتعثر، ومعانيها تتبدد، كأن اللغة نفسها هجرتها منذ زمن بعيد. قال الأطباء بعد فحصها إن عقلها تآكل تحت وطأة العزلة والظلام، وإن استعادته كاملة أمرٌ يكاد يكون مستحيلًا. ثمانية أعوام داخل خزان ماء… ثمانية أعوام من الليل المصمت… كانت كافية لتحطم الذاكرة، وتكسر الروح، وتترك النفس في متاهة لا مخارج لها.  أما جايوما، فلم يكن مجرمًا تقليديًا، بل كان خرابًا بشريًا يمشي على قدمين. حين جلس أمام المحققين، بدا كأن نصفه فقط حاضر، والنصف الآخر تائه في دهاليز ماضٍ لم يبرأ منه . كان يتوقف كثيرًا، ينسى ما قالته ، يحدّق في الفراغ، ثم يعود إلى الكلام كما يعود الغريق إلى سطح الماء ليلتقط أنفاسه. بدأت مأساته بعيدًا، في مرسيليا، أيام الحرب العظمى. هناك، في خنادق الرعب، رأى من الأهوال ما صدّع أعصابه، وترك في روحه شروخًا لم تلتئم قط. وحين عاد من الحرب ، لم يعد إنسانًا كاملًا؛ عاد بجسد جندي ، وعقلٍ مثقوبٍ بالكوابيس. تعلّق بقلبه حبّ فتاة عاملة في مطعم فقير. منحها كل ما بقي فيه من دفء و حنان و مودة ، لكنها لم تمنحه إلا الخديعة. أوهمته بالقرب منه، ثم سخرَت منه بشدة وتزوجت رجلًا آخر يملك المال ، تاركة في نفسه مرارة تحولت مع الأيام إلى سمّ بطيء. منذ تلك اللحظة، لم يعد يكره امرأة بعينها، بل كره صورة المرأة نفسها ، جسد و روح . صار يرى في الحب فخًا، وفي الحنان قناعًا، وفي الجمال وعدًا بالخيانة.  ثم جاءت راشيل. في مطعم متواضع آخر بمرسيليا، وجد فيها ما ظنّه خلاصه الأخير. تعاهدا على الزواج ، لكن الفقر كان أسرع من الأحلام. جعلها الفقر تهاجر إلى بوينس آيرس، ووعدته أن تنتظره هناك. كانت رسائلها تصل إليه محمّلة بالوعود الوردية : "تعال… هنا الأرض تفيض خيرًا، والسماء أرحب، والحياة تبدأ من جديد." تعلّق بتلك الرسائل كما يتعلق الغريق بخشبة نجاة في بحر متلاطم. وحين وصل أخيرًا، بعد شهور من الادخار والتعب، بحث عنها في شوارع المدينة الكبيرة ، حتى عثر عليها… لكن ليس كما تخيلها ، فيما مضى كانت جذابة تطغى الأنوثة على ملامحها ، و لكن الأن كان الفجور يملأ عينيها . وجدها راقصة في ملهى رخيص ، في حيٍّ تفوح منه رائحة السقوط و الدعارة . واجهها، بصوتٍ متهدّج: جئتُ لأفي بوعدنا. متى نتزوج؟ نظرت إليه ببرودٍ قاتل، برود امرأة صقلتها الحياة الرخيصة ، ثم ضحكت بصوت عال ضحكة خليعة . ضحكة صغيرة، لكنها في أذنه كانت انهيار عالمه . أتزوجك ؟ أنا متزوجة، وأكره حتى رؤيتك. في تلك اللحظة، لم ينكسر قلبه فحسب ، بل انكسر منطقه، انكسر ما تبقى من عقله ، وتصدّعت آخر الجدران التي كانت تفصل ألمه عن الجنون.  اشترى مزرعة نائية قرب روزاريو، وبنى كوخًا يشبه قبرًا واسعًا، وعاش فيه مع كلبين فقط. كان يفر من البشر، لكنه لم يستطع الفرار من صورة راشيل. كانت تطارده في اليقظة والمنام. في الليل، كان يسمع ضحكتها الرنانة . في الصباح، يراها في لمعان الماء الفضي . في عتمة الكوخ، كان يحدث نفسه: "لم تخنني هي وحدها… كل النساء يخنّ. الجمال نفسه خيانة. الوجوه الجميلة أفخاخ." كان عقله يتآكل ببطء، حتى صار الانتقام لديه فكرةً أكثر منطقية من الرحمة. وذات يوم، رآها. في أحد شوارع روزاريو، لمح فتاةً يافعة: شعر أسود فاحم منسدل، عينان برقتان واسعتان، بشرة خمرية تسكر القلب الولهان ، وملامح.. لآن من ملامحها… ملامح راشيل نفسها التي غدرت به غدرا . اسمها أوريليا بونيفورت. في تلك اللحظة، لم يرَ أوريليا، بل رأى الماضي متجسدًا من جديد. رأى المرأة التي سحقته، عادت إليه أصغر سنًا، أضعف، وأقدر على تلقّي العقاب. اقترب منها بصوتٍ رقيق، يناقض العاصفة في داخله. قدّم لها الحلوى ، وحدّثها عن المزرعة، عن الفراخ والخنازير والحقول والهواء الطلق. كان يعرف كيف ينسج الطمأنينة حول ضحيته. وأوريليا، التي كانت تعيش حياةً ضيقة بسيطة مع عمتها في بيت يكاد كون من الماضي السحيق، رأت في الدعوة نافذةً صغيرة على الفرح نافذة على أحلام ترادوها . ذهبت معه. في المزرعة، جلسا يشربان شاي الـ"برباميت"، والسماء تميل إلى حمرة الغروب. كان يراقبها بصمت. ملامحها… طريقة رفعها للفنجان… انحناءة رقبتها… كل شيء كان يوقظ في رأسه أشباح راشيل. بدأ حواره الداخلي يشتعل: "ها أنتِ عدتِ إليّ… لن تهربي هذه المرة. سأجعل الخيانة تتذوق نفسها." لم يكن يعذب أوريليا لأنها أوريليا، بل لأنها مرآة. مرآة تعكس جرحًا قديمًا لم يندمل. حين هبط الليل، انقضّ عليها. قيّد يديها، وكمّم صرخاتها، ثم ألقى بها في خزان الماء القديم.  منذ تلك الليلة، بدأ زمنٌ آخر. زمنٌ لا يُقاس بالساعات، بل بكمية الرعب. كان يتركها في الظلام أيامًا، ثم يفتح الغطاء ليلًا، يسحبها كما يُسحب شيءٌ من باطن الأرض، ينهال عليها ضربًا، بينما يركل كلبيه لتعلو نباحاتهما، فتضيع صرخاتها في الفضاء. كانت هي تهبط شيئًا فشيئًا إلى قاع النفس، حيث لا لغة، لا زمن، لا ذاكرة. وفي الداخل، داخل ظلمة الخزان، كانت أفكارها تتفتت ، تتلاشى : "هل ما زال النهار موجودًا؟ هل ما زالت السماء زرقاء؟ هل كنتُ طفلة يومًا؟" ثم لم تعد الأسئلة نفسها واضحة. صار العالم عندها دائرةً من عتمة، وجوع، وخوف، وصوت غطاء يُفتح أحيانًا كأنه باب الجحيم.  ثمانية أعوام. ثمانية أعوام كاملة من العزلة والضرب والظلام. حتى جاءت المصادفة، أو ربما عدالة القدر المتأخرة، مع طرقات المفتش على الكوخ. حين خرجت أوريليا إلى الضوء، لم تكن فقط فتاة نجت من سجن، بل كانت روحًا عادت من حافة العدم. أما جايوما، فقد بدا أمام العدالة كأنه الضحية والجلاد معًا؛ إنسان حطمته الحرب، ثم سحقه الحب، ثم التهمه جنون الانتقام. ومع ذلك، لم يكن جنونه عذرًا، لأن الألم حين يتحول إلى قسوة على بريء، يصبح جريمةً مضاعفة. لقد عذّبها لا لذنبٍ اقترفته، بل لأنها تشبه امرأةً أخرى. كأن الشبه وحده صار حكمًا بالإدانة. وهكذا أثبتت الحياة، مرة أخرى، أنها أكثر غرابة من الخيال، وأكثر قسوة من أي قصة يمكن أن يبتدعها الأدب. فأشدّ السجون ظلمةً ليست تلك المصنوعة من الحديد أو الحجر، بل تلك التي يبنيها جرحٌ قديم داخل عقلٍ مكسور.  كانت جميع ملامح الوجوه تشرأب ، و تنظر إل الفتاة الي تروى حكاية كأنها عاشتها . نظرت إلى الجميع .. و قالت بسخرية : هل أعجبتكم قصتي .

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال