غزو تشيكي ناعم
حين تأتي القلوب من بعيد لتكتشف وجهًا آخر لمصر
مقدمة
في شاطئ المنتزه بالمعمورة، حيث يمد البحر ذراعيه للمدينة، وحيث تختلط رائحة الملح برائحة الياسمين، وحيث تبدو الشمس المصرية أكثر سخاءً مما ينبغي لشمسٍ تعرف أن ضيوفها جاءوا من بلاد بعيدة باردة، كان ثمة غزو من نوع آخر.
لم تكن هناك دبابات، ولا جنود، ولا رايات تُرفع فوق الأبراج، وإنما كانت هناك حقائب سفر، وكاميرات، وفساتين صيفية، ووجوه جاءت من قلب أوروبا لتبحث عن شيء لا تستطيع الخرائط أن تحدده بدقة: الدفء.
وكان الغزو تشيكيًا… وناعمًا وجميلًا.
جاءت الوفود السياحية من تشيكوسلوفاكيا، وكان كل وفد يقضي في بلادنا نحو عشرة أيام، ويضم قرابة مئتي سائح وسائحة. وكان معظمهم من الفتيات والنساء اللواتي حملن معهن فضول الإنسان الأوروبي تجاه بلاد تبدو له من بعيد غامضة، متناقضة، ومليئة بالحكايات.
جئن يبحثن عن الشمس، وربما عن الحب، وعن البحر، وعن مصر التي قرأن عنها في الكتب وشاهدن صورتها في الأفلام والصور. لكنهن، من دون أن يقصدن، كن يبحثن أيضًا عن الإنسان المصري نفسه؛ عن حياته اليومية، عن طريقة احتماله للحرب، وعن قدرته الغريبة على أن يعيش وسط القلق كأن القلق جزء طبيعي من أثاث البيت.
كان ذلك في زمن كانت فيه الحرب تخيم على المنطقة، وكانت الأخبار تحمل كل يوم صورًا للمعارك والدمار، بينما كانت الحياة، في الجانب الآخر من الصورة، تستمر: الأسواق مزدحمة، والمقاهي مفتوحة، والناس يضحكون، والأطفال يذهبون إلى مدارسهم، والبحر لا يتوقف عن مدّه وجزره.
ومن هنا بدأت الحكاية.
لم يكن أهم ما في هذه الزيارة أنها جمعت بين شعبين، وإنما أنها كشفت لي أن الإنسان، أينما كان، يملك صورة عن الآخر قبل أن يراه، وأن هذه الصورة كثيرًا ما تكون أكثر قسوة أو غرابة من الحقيقة.
وقد اكتشفت، من خلال لقاءات قصيرة مع عدد من الفتيات التشيكيات، أنهن لم يأتين فقط ليرين مصر، بل جئن أيضًا ليختبرن الصور التي كانت تعيش في أذهانهن عنها.
وكانت النتيجة أن مصر التي رأينها لم تكن تمامًا مصر التي تخيلنها.
الموضوع
طبيبة جراحة القلوب… وبلاد لا يتوقف قلبها
كان اللقاء الأول مع طبيبة شابة حسناء، متخصصة في جراحة القلب.
ولعل المصادفة نفسها كانت تحمل شيئًا من الشعر؛ امرأة تقضي حياتها في غرف العمليات تحاول إنقاذ قلوب البشر، تأتي إلى بلد يعيش على حافة القلق، لتكتشف أن له قلبًا آخر لا يقل غرابة عن القلب الذي اعتادت أن تراه تحت مشرطها.
قالت لي:
«لقد سمعنا أنكم تعيشون فترات الحرب، وسمعنا عن واقعها الأليم، وكنا نتوقع أن نجد مدينة مثقلة بالخوف. لكننا عندما حضرنا إلى هنا وجدنا شيئًا آخر. وجدناكم تحاربون، وفي الوقت نفسه تعيشون حياتكم العادية. الناس يعملون، ويتحدثون، ويضحكون، ويذهبون إلى البحر. كأنكم تعلمتم كيف تعيشون رغم الحرب».
توقفت قليلًا ثم أضافت:
«إنكم، بصراحة، شعب غريب في قدرته على مقاومة النكسات».
لم تكن عبارتها مجرد مجاملة سياحية. كانت بالنسبة إليّ سؤالًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياته بينما يطل الموت من مكان قريب؟
ربما لا يملك الإنسان رفاهية انتظار انتهاء الخطر حتى يبدأ حياته. وربما تكون الحياة، في لحظات الخطر تحديدًا، أكثر تشبثًا بنفسها.
نحن لا نعيش لأن العالم آمن، بل نعيش لأن الحياة ترفض أن تتوقف.
في أوقات الحرب، يصبح كوب الشاي فعل مقاومة صغيرًا، وتصبح ضحكة طفل انتصارًا على الخوف، وتصبح جلسة الأصدقاء في مقهى عادي إعلانًا صامتًا بأن الإنسان لن يمنح الحرب كل ما تريد.
كانت الطبيبة تنظر إلى ذلك بعين أجنبية، ولذلك رأت ما اعتدنا نحن ألا نراه.
نحن نعيش داخل تفاصيل حياتنا حتى نفقد القدرة على تأملها. أما الغريب، حين يأتي من بعيد، فإنه يرى التفاصيل التي صارت بالنسبة إلينا مألوفة إلى حد العمى.
ولعل أجمل ما يفعله السفر أنه يضع مرآة جديدة أمام الإنسان، فيجعله يرى نفسه بعيون الآخرين.
الفيلم التشيكي والجنس… بين الصراحة والخصوصية
ثم قادتني الطبيبة إلى فتاة أخرى تدعى بارميلا.
كانت بارميلا تحب الرسم ومشاهدة الأفلام، وكان لديها فضول ثقافي واضح. تحدثنا عن السينما، وعن الأفلام التي شاهدتها في رحلاتها السابقة.
قالت لي إنها شاهدت أفلامًا أمريكية ومصرية خلال جولاتها في الجمهورية العربية المتحدة، ثم قالت شيئًا أدهشني:
«العجيب أنني لم أشاهد فيلمًا تشيكيًا واحدًا».
ابتسمت وأنا أقول لها إن السينما التشيكية، رغم أن لها مستوى فنيًا متميزًا، ربما لا تصل إلى المشاهد العربي كما تصل السينما الأمريكية أو المصرية.
ثم انتقل الحديث إلى طبيعة الأفلام، وإلى المساحة التي تمنحها السينما للجسد والحب والعلاقات الإنسانية.
قلت لها، بصراحة، إنني أجد بعض الأفلام التشيكية صريحة جنسيًا أكثر مما اعتدنا عليه، وإن الجمهور العربي لا يرحب دائمًا بهذا النوع من الطرح.
لم تتردد في الرد:
«لكن الصراحة في تناول الجنس يمكن أن تكون نوعًا من التربية. الجنس جزء من حياة الإنسان، فلماذا نخاف من الحديث عنه؟ ولماذا نترك الشباب يتعلمون أخطاءه من الشائعات والتخمينات بدل أن يتعلموا الحقائق بصورة صحيحة؟»
كان الحوار بسيطًا، لكنه فتح بابًا واسعًا على اختلاف الثقافات.
فما تعتبره ثقافةٌ ما «صراحة» قد تراه ثقافة أخرى «تجاوزًا للخصوصية». وما تعتبره بيئة ما تربيةً ووعيًا، قد تعتبره بيئة أخرى أمرًا ينبغي أن يبقى داخل حدود الأسرة والمجتمع.
وليس الاختلاف هنا مجرد اختلاف في الأخلاق، وإنما هو اختلاف في تصور الإنسان نفسه: أين تبدأ الحرية؟ وأين تبدأ مسؤولية الفرد تجاه المجتمع؟ وهل يستطيع المجتمع أن يربي أبناءه بالمنع وحده، أم أن المعرفة الصريحة جزء من الحماية؟
كانت بارميلا تنظر إلى الأمر من زاوية تربت عليها، بينما كنت أنظر إليه من زاوية نشأت عليها.
وفي النهاية اكتشفت أن الاختلاف بيننا لم يكن جدارًا، بل كان نافذة.
فالحوار الحقيقي لا يعني أن يقنع أحدنا الآخر، وإنما أن نكتشف أن هناك أكثر من طريقة لفهم الإنسان.
ثم سألتها:
«ماذا أعجبكم في بلادنا؟»
فأجابت بسرعة:
«نهضتكم الجديدة. لقد وجدناكم مختلفين عما نسمع عنكم. الصورة التي كانت في أذهاننا أنكم شعب متخلف، ولكننا عندما رأيناكم اكتشفنا أن الواقع مختلف، وأنكم أعظم مما تصورنا».
كانت تلك الجملة أكثر قسوة من أي نقد.
فليس مؤلمًا أن يسيء إليك الآخرون الفهم بقدر ما يؤلم أن تعرف أن الصورة الخاطئة عنك قد تكون وصلت إليهم لأنك لم تقدم صورتك الحقيقية بما يكفي.
مدرسة تحب الثقافة… بين الصورة والواقع
أما الفتاة الثالثة فوجدتها تحمل آلة تصوير، وتقوم بتصوير زملائها.
سألتها:
«أيهما أجمل في الإنسان: الصورة أم الواقع؟»
نظرت إليّ قليلًا، وكأن السؤال أكبر من أن تكون له إجابة سريعة، ثم قالت:
«كلاهما يعبر عن معنى. الصورة تعبر عن الأشواق والأمل والخيال، أما الواقع فهو الحياة بما فيها من كفاح وعمل. وفي الواقع يتجسد ما نحلم به. لا نستطيع أن نستغني عن الحلم، ولا نستطيع أن نعيش بالحلم وحده».
كانت إجابة تصلح لأن تكون درسًا في الفلسفة.
الصورة ليست كذبًا بالضرورة، لكنها ليست الحقيقة كلها. إنها لحظة مقتطعة من الزمن، تحاول أن تقول شيئًا عن صاحبها. أما الواقع فهو الزمن نفسه حين يتحرك، وحين تتكشف الأشياء على مهل.
ثم سألتها:
«ومن يستطيع أن يعيش واقعه دائمًا؟»
ضحكت وقالت:
«ربما لا أحد. نحن جميعًا نحتاج إلى شيء نحلم به».
عرفت منها أنها مدرسة للغات في إحدى مدارس براغ.
ولعل اختيارها لمهنة تعليم اللغات لم يكن مصادفة. فاللغة، مثل الصورة، محاولة للانتقال من إنسان إلى إنسان. كل كلمة جسر صغير بين عالمين.
سألتها:
«وما أجمل ما في بلادكم؟»
قالت:
«الحرية الشخصية».
ثم سألتها:
«وما أجمل ما في بلادنا؟»
فقالت:
«التقاليد».
كانت المقارنة لافتة.
فالحرية تمنح الإنسان مساحة واسعة ليتحرك، أما التقاليد فتمنحه جذورًا تمنعه من السقوط في الفراغ.
ثم شرحت فكرتها قائلة إن الحرية حين تنفصل عن الإحساس بالآخر قد تتحول إلى نوع من الأنانية، لأن الإنسان حين يمارس حريته قد ينسى أن للآخرين حرياتهم أيضًا، وأن احترام حرية الآخر جزء من معنى الحرية نفسها.
أما التقاليد، في أحسن صورها، فهي تذكر الإنسان بأنه ليس وحده في العالم، وأن تصرفاته تمس الآخرين، وأن الحياة ليست طريقًا فرديًا بالكامل.
لكن التقاليد، مثل الحرية، يمكن أن تنقلب إلى شيء آخر إذا فقدت توازنها.
فالتقاليد التي تحمي الإنسان جميلة، أما التقاليد التي تخنقه فتصبح قيدًا. والحرية التي تحترم الآخرين جميلة، أما الحرية التي لا ترى إلا صاحبها فقد تتحول إلى فوضى.
ومن هنا أدركت أن المجتمعات المختلفة لا تختلف دائمًا في رغبتها في السعادة، وإنما تختلف في الطرق التي تحاول بها الوصول إليها.
أولجا… حين تكشف الطائرة وجه البلاد
أما اللقاء الأخير فكان مع فتاة رياضية اسمها أولجا.
قالت إنها جاءت إلى الجمهورية العربية المتحدة وفي ذهنها صورة تكاد تكون مرسومة مسبقًا: الأهرام، الصحراء، النيل، وبعض الصور التي التقطتها الكتب والمجلات.
لكن الصورة تبدلت منذ اللحظة التي حلقت فيها الطائرة فوق القاهرة.
قالت إن منظر القاهرة من السماء أدهشها، وإن المدينة بدت لها واسعة، حية، نابضة، ولا تقل جمالًا عن كثير من العواصم الأوروبية والعالمية الكبرى.
ثم قالت شيئًا يستحق التأمل:
«إنكم، بصراحة، تهملون أمر بلادكم. أصدقاؤنا في الخارج لا يعرفون الحقيقة عنكم. إن دعايتكم عن أنفسكم ما زالت قاصرة، وأنتم بحاجة إلى جهد أكبر حتى يعرف الآخرون ما لديكم».
لم أجد ما أقوله.
فأحيانًا يأتيك النقد من ضيف لم يمكث في بلدك إلا أيامًا قليلة، لكنه يلمس نقطة اعتدت أنت أن تمر عليها دون انتباه.
قد يكون لدينا تاريخ عظيم، وحضارة عريقة، ومدن نابضة بالحياة، وشباب يملكون الطموح، ولكن ماذا يعني كل ذلك إذا تركنا الآخرين يرسمون صورتنا بدلًا منا؟
الصورة الوطنية ليست مجرد دعاية، وإنما هي قدرة المجتمع على أن يعرف نفسه أولًا، ثم يعرف كيف يقدمها للعالم.
ثم سألتها:
«من أنت؟»
قالت:
«طالبة، وأمارس الألعاب الرياضية، وأحب الرحلات».
سألتها:
«وما أجمل ما شاهدت في بلادنا؟»
قالت:
«أنتم… وشبابكم».
كانت الإجابة مفاجئة.
كنت أنتظر أن تقول الأهرام أو النيل أو البحر أو الآثار. لكنها اختارت الإنسان.
وهنا تذكرت أن الحضارات لا تعيش في الحجارة وحدها.
الأهرام عظيم، لكن الإنسان هو الذي يكتشف عظمته. والنيل جميل، لكن الإنسان هو الذي يكتب حوله القصائد ويزرع على ضفتيه ويقيم المدن. والمدينة مهما اتسعت لا تصبح وطنًا إلا عندما يسكنها بشر يحملون ذاكرة وحلمًا ومستقبلًا.
ثم سألتها:
«وما رأيك في الحب؟»
أجابت ببساطة:
«إنه ضرورة في حياتنا، لكننا لا نفكر فيه كثيرًا لأننا نحياه. ما نفكر فيه الآن هو حياتنا ومستقبلنا».
توقفت عند عبارتها طويلًا.
«لأننا نحياه».
ربما يكون هذا هو الفرق بين الإنسان الذي يجعل الحب موضوعًا دائمًا للكلام، والإنسان الذي يراه جزءًا من الحياة اليومية.
فالحب في حقيقته ليس فقط قصيدة، ولا رسالة، ولا موعدًا تحت ضوء القمر. الحب أيضًا مسؤولية، وعمل، وصداقة، واحترام، وبيت، ومستقبل.
ثم سألتها:
«كيف تعيشون حياتكم؟»
فقالت:
«نعيش بالموسيقى والعمل والمحبة».
وكانت تلك الإجابة البسيطة، في رأيي، تلخص فلسفة جيل كامل.
خاتمة
عندما انتهت الأيام العشرة، وغادرت الوفود التشيكية شاطئ المنتزه، لم أشعر أن السياح قد غادروا وحدهم.
لقد تركوا وراءهم أسئلة كثيرة.
تركوني أفكر في الإنسان الذي يسافر آلاف الكيلومترات بحثًا عن الشمس، فيجد نفسه أمام شعب يعيش وسط أخبار الحرب ولا يتخلى عن حياته.
وفكرت في الطبيبة التي جاءت لتشاهد بلدًا يعيش الحرب، فاكتشفت أن للحياة قدرة على مقاومة الحرب.
وفكرت في بارميلا التي فتحت الحديث عن السينما والجسد والجنس، لا باعتبارها قضية إثارة، وإنما باعتبارها سؤالًا عن التربية والوعي والاختلاف الثقافي.
وفكرت في مدرسة اللغات التي رأت في الحرية أجمل ما في مجتمعها، وفي التقاليد أجمل ما في مجتمعنا، ثم جعلتني أفكر في أن الإنسان يحتاج إلى جناحين: حرية تطلقه، وقيم تمنحه الاتجاه.
وفكرت في أولجا التي جاءت لترى الأهرام، فإذا بها تعود بصورة أخرى: صورة الإنسان المصري وشبابه.
لقد جئن إلينا وفي أذهانهن صورة، ثم عدن ومعهن صورة أخرى.
وهذه هي المفارقة الجميلة في السفر: نحن لا نسافر فقط لكي نرى العالم، وإنما نسافر لكي نرى أنفسنا من خارجه.
قد يظن الإنسان أنه يعرف وطنه لأنه ولد فيه، لكنه يحتاج أحيانًا إلى غريب كي يلفت نظره إلى جمال اعتاد عليه حتى لم يعد يراه.
كانت الفتيات التشيكيات يبحثن عن الدفء، فوجدن الشمس والبحر والناس.
وكنا نحن نظن أنهن جئن لزيارة مصر، فاكتشفنا أنهن جئن، من حيث لا يدرين، ليضعن أمامنا مرآة.
مرآة تقول إن صورة الوطن لا تصنعها الكتب وحدها، ولا الصحف وحدها، ولا الدعاية وحدها، وإنما يصنعها الإنسان حين يسافر، وحين يعمل، وحين يبتسم، وحين يختلف، وحين يحترم الآخر، وحين يحول حياته اليومية إلى شهادة حية على المكان الذي جاء منه.
ولعل أجمل ما في ذلك «الغزو الناعم» أنه لم يكن غزوًا في الحقيقة.
لقد كان لقاءً بين صورتين للإنسان.
إنسان جاء من أوروبا الشرقية يحمل برد بلاده وذاكرتها، وإنسان يقيم على شاطئ المتوسط يحمل شمس بلاده وتاريخها.
وبين الاثنين كان البحر.
والبحر، كما نعرف، لا يعترف بالحدود.
إنه يفصل بين الشواطئ في الجغرافيا، لكنه يصل بينها في الخيال.
وربما لهذا السبب ظل البحر، منذ أقدم الأزمنة، رسولًا غامضًا بين الشعوب.
كانت الموجة تأتي من بعيد، ولا تسأل من أي وطن جاءت.
وهكذا كان هؤلاء الضيوف.
جاؤوا من بعيد، ثم جلسوا معنا، وتحدثوا عن الحب والحرية والسينما والعمل والحياة والحرب، واكتشفنا أن اختلاف اللغة لا يمنع تشابه القلب.
وفي النهاية، ربما لم يكن السؤال الحقيقي: ماذا أعجبهم في بلادنا؟
بل السؤال الأعمق:
ماذا رأينا نحن في أنفسنا عندما نظر إلينا الآخرون؟
وهنا تكمن قيمة الرحلة كلها.
فالوطن ليس المكان الذي نعيش فيه فقط، وإنما الصورة التي يحملها الآخرون عنا، والصورة التي نحملها نحن عن أنفسنا، والمسافة بين الصورتين.
وحين تضيق تلك المسافة، يصبح الحوار ممكنًا.
وحين يصبح الحوار ممكنًا، يبدأ الإنسان في اكتشاف الإنسان.
وهكذا انتهى الغزو التشيكي الناعم، لكن أثره لم ينته.
فقد ترك على شاطئ المنتزه شيئًا لا تستطيع الحقائب أن تحمله ولا الطائرات أن تنقله:
ترك سؤالًا عن الإنسان، وعن وطن يراه أهله كل يوم حتى ينسوا جماله، ثم يأتي غريب من آخر العالم فيقول لهم: انظروا… إن لديكم أكثر مما تظنون.
