ليليث بين النص والأسطورة
من ظلمة الحكاية إلى مرآة النفس
دراسة في صورة المرأة الشيطانية بين التراث اليهودي والإسلامي وبعض المرويات الإنسانية
تمهيد: حين تصنع الذاكرةُ من الظلِّ امرأة
في الليل، حين تخفت الأصوات، وتنسحب الأشياء إلى ظلالها، يحب الإنسان أن يمنح المجهول وجهًا واسمًا وحكاية. وما أكثر ما ولدت الأساطير في تلك المنطقة الغائمة بين الخوف والخيال؛ حيث لا تكفي الحقيقة وحدها لتهدئة القلب، فيستعين العقل بالصورة، ويستعين الخيال بالقصة.
ومن أقدم الصور التي بقيت تتردد في الذاكرة الدينية والأسطورية صورة ليليث؛ الكائن الأنثوي المرتبط بالليل، والتمرد، والغواية، والأطفال، والأحلام، ثم بالشيطان في مراحل لاحقة من التراث اليهودي. ومع انتقال الحكاية من جيل إلى جيل، اتسعت ملامحها حتى أصبحت في بعض القراءات الحديثة «زوجة إبليس»، بل وغدت في أدبيات معاصرة رمزًا للمرأة التي ترفض الخضوع.
غير أن البحث العلمي يقتضي أن نتوقف قبل أن نخلط الأبواب بعضها ببعض. فليليث ليست شخصية قرآنية، ولا يرد اسمها في السنة النبوية، كما أن صورتها اليهودية لم تتكوّن دفعة واحدة. فالاسم نفسه أقدم من قصة «زوجة آدم»، وقد ارتبط في الأدبيات القديمة بكائن ليلي أو أنثى شيطانية، بينما تبلورت حكاية «ليليث زوجة آدم الأولى» في نصوص يهودية متأخرة، ولا سيما أبجدية بن سيرا، ثم توسعت صورتها في الأدب القبالي، حيث أصبحت مرتبطة بـ سمايل بوصفه قرينها في عالم الشر.
وهنا تكمن قيمة الحكاية؛ لا في تصديق كل تفاصيلها، بل في قراءة الطريق الذي سلكته: كيف تتحول فكرة غامضة إلى أسطورة، ثم إلى رمز، ثم إلى مرآة نفسية واجتماعية؟
أولًا: ليليث قبل أن تصبح زوجة آدم
يظهر اسم ليليث في إشعياء 34:14 في سياق وصف أرض الخراب، حيث ترد الكلمة العبرية Lilith، غير أن معناها الدقيق في هذا الموضع ليس محسومًا بصورة قاطعة؛ فبعض الترجمات تفهمها بوصفها مخلوقًا ليليًا أو طائرًا ليليًا، بينما ترى قراءات أخرى صلة بينها وبين كائن شيطاني أنثوي من الموروث الرافدي. ولذلك فإن اختزال الآية في القول إن الكتاب المقدس يقرر وجود «زوجة آدم المسماة ليليث» غير دقيق تاريخيًا.
ثم تظهر ليليث بوضوح أكبر في الأدبيات اليهودية الربانية وما بعد الكتابية، حيث أصبحت من شياطين الليل، وارتبطت بالحلم، وبإغواء النائمين، وبالخوف على الأطفال وحديثي الولادة. وتظهر في تقاليد يهودية متعددة بوصفها كائنًا أنثويًا له حضور مستقل عن قصة آدم.
ومن المهم هنا إدراك طبيعة التراث القديم: لم يكن دائمًا كتابًا واحدًا ذا رواية مستقرة، بل شبكة من الأسفار والتفاسير والحكايات الشعبية والهوامش والتقاليد الشفوية. لذلك كانت الشخصية الواحدة تستطيع أن تنتقل من معنى إلى آخر، ومن صورة إلى صورة، من غير أن يشعر الرواة بأنهم متناقضون؛ لأن غايتهم لم تكن دائمًا تدوين «السيرة التاريخية» للشخصية، بل تفسير خوفٍ اجتماعي أو طقسٍ شعبي أو ظاهرة مجهولة.
وهكذا أصبحت ليليث، في الوجدان الشعبي، أكثر من اسم: صارت شبح الليل حين يتخذ الخوف هيئة امرأة.
ثانيًا: من شيطانة الليل إلى الزوجة الأولى لآدم
تظهر الحكاية الأشهر في أبجدية بن سيرا، وهو نص يهودي من القرون الوسطى المبكرة، تتطور فيه الرواية إلى صورة أكثر اكتمالًا: يُقال إن الله خلق لآدم امرأة من التراب كما خلقه، وسمّاها ليليث. ثم ينشب خلاف بينهما حول العلاقة الزوجية وموقع كل واحد منهما، فتحتج ليليث بأنها خُلقت من المادة نفسها التي خُلق منها آدم، وترفض أن تجعل ذاتها أدنى منه. ثم تنطق بالاسم الإلهي وتهرب.
هذه الحكاية ليست سفرًا من أسفار الكتاب المقدس، ولا نصًا عقديًا ملزمًا لليهود، وإنما هي جزء من طبقة قصصية تفسيرية وشعبية. وقد اتسعت شهرتها بسبب اتصالها بعادات الوقاية من «ليليث»، وبخاصة الأحجبة والتمائم المستخدمة في بعض البيئات اليهودية لحماية الأمهات والأطفال.
ولو أردنا إعادة بناء المشهد أدبيًا، لا بوصفه خبرًا تاريخيًا، بل باعتباره مشهدًا رمزيًا، لأمكن أن نتخيل فجرًا أول، لم يكن فيه العالم قد تعلّم بعد لغة السلطة.
جلس آدم إلى جانب زوجته، وكان الطين لا يزال يحتفظ برطوبته الأولى.
قال: كيف يعيش اثنان تحت سقف واحد إذا لم يعرف أحدهما مقام الآخر؟
فأجابته: وهل الحب درجات؟ أم أن القرب الحقيقي لا يحتاج إلى عرش؟
ثم سكت الكون قليلًا.
في مثل هذه الصورة الأدبية، لا تصبح ليليث مجرد امرأة «متمردة»، بل يصبح الخلاف بينهما صورة مبكرة لصراع إنساني أوسع: من يملك حق تعريف العلاقة؟ ومن يحدد معنى المساواة؟ وأين ينتهي الاستقلال ويبدأ الصدام؟
وهذه القراءة ليست حكمًا تاريخيًا على المرأة أو الرجل، بل محاولة لفهم لماذا ظلّت القصة حيّة: لأنها تعيد صياغة سؤال قديم جدًا، هو سؤال الحرية داخل العلاقة.
ثالثًا: هل تزوجت ليليث إبليس؟
هنا تبدأ واحدة من أكثر الإضافات شيوعًا إلى الحكاية، وهي القول إن ليليث بعد هروبها من آدم أصبحت زوجة لإبليس. لكن البحث في المصادر اليهودية يحتاج إلى دقة أكبر.
في التراث القبالي اللاحق، تظهر ليليث بالفعل مرتبطة بـ سمايل، الذي تعرّفه بعض التقاليد الصوفية اليهودية بوصفه شخصية شيطانية كبرى، بل وصورة من صور الخصم أو القوة المعارضة. وفي هذه المرحلة يصبح الاقتران بينهما جزءًا من بناء رمزي لعالم الشر: فإذا كان عالم القداسة يُصوَّر في بعض النصوص من خلال ثنائية وتكامل، فإن عالم النجاسة أو «الجانب الآخر» يُصوَّر هو الآخر في صورة ثنائية مقابلة، يكون فيها سمايل وليليث قرينين أو شريكين.
ولهذا فالأدق علميًا ألا نقول ببساطة: «ليليث هي زوجة إبليس في اليهودية»؛ لأن «اليهودية» ليست رواية واحدة في هذه المسألة، ولأن العلاقة بين سمايل وليليث نتاج طبقة قبالية وأسطورية متأخرة، لا نصًا تأسيسيًا في التوراة.
بل ثمة مشكلة أخرى: إن مفهوم «الشيطان» في اليهودية القديمة ليس مطابقًا تمامًا لمفهوم إبليس في الإسلام. فمصطلح satan في العبرية يعني في أصله «خصمًا» أو «مُعترضًا» أو «مُدّعيًا»، وتطورت شخصيته الدينية عبر العصور. وفي سفر أيوب، مثلًا، تظهر صورة «الشيطان» داخل مشهد سماوي يختلف عن الصورة الإسلامية لإبليس بوصفه من الجن، المتمرد على أمر الله، العدو للإنسان.
ومن هنا فإن مساواة ليليث بسيدة «متزوجة من إبليس» في العقيدة الإسلامية، ثم نسبة القصة إلى «الأديان الثلاثة» بلا تمييز، يخلق خليطًا بين تقاليد متباعدة.
رابعًا: ماذا يقول الإسلام عن زوجة إبليس؟
إذا انتقلنا إلى القرآن، وجدنا صورة أكثر وضوحًا وأقل انشغالًا بالأنساب الأسطورية.
يقرر القرآن أن إبليس من الجن، وأن له ذرية، كما في قوله تعالى:
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ الكهف: 50.
إذن أصل المسألة ثابت من جهة واحدة: لإبليس ذرية أو نسل أو أتباع يدخلون في مدلول الآية. لكن القرآن لا يذكر لنا زوجةً اسمها ليليث، ولا يذكر طريقة التناسل، ولا يسمي أمًّا لأولاده.
وقد نقل الطبري في تفسيره أقوالًا متعددة في معنى «ذريته»، ومنها تفسيرها بالشياطين، ونقل عن قتادة أن الشياطين يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، بينما ظهرت في بعض طبقات التفسير أقوال أخرى في كيفية وجود نسل إبليس.
أما القرطبي فقد عرض المسألة بتفصيل أوسع، ونقل عن الشعبي قولًا مشهورًا بمعناه: سئل هل لإبليس زوجة، فأجاب جوابًا يدل على عدم وجود خبر يشهد بذلك، ثم نظر في لفظ «ذريته» واستنتج إمكان وجود زوجة. كما نقل أقوالًا أخرى، منها ما نُسب إلى مجاهد من حديث البيض، وأقوالًا أعجب منها في كيفية تكاثر الشياطين. لكنه لم يجعل هذه الأخبار في مرتبة النص القرآني أو الحديث الصحيح الصريح.
وهنا ينبغي أن تكون القاعدة واضحة: ثبوت النتيجة لا يعني ثبوت الطريق إليها.
فالقرآن يثبت «الذرية»، لكنه لا يخبرنا بكيفية حصولها.
خامسًا: «بيض الشيطان وفرخه» بين ظاهر اللفظ ودلالة المثل
من المرويات التي أُدخلت في هذا الباب حديث سلمان رضي الله عنه، وفي بعض الروايات: النهي عن أن يكون الإنسان أول من يدخل السوق وآخر من يخرج منه، وفيها تعبير «باض الشيطان وفرّخ»، بينما جاءت الرواية الأشهر في صحيح مسلم بلفظ أن السوق «معركة الشيطان» وأن رايته تنصب فيها. وقد أوردت كتب الحديث والتفسير الروايات المتعددة لهذا المعنى.
غير أن هذه الرواية لا تمنحنا اسم «زوجة إبليس»، ولا ترسم لنا شجرة عائلة شيطانية. بل إن الشنقيطي، في أضواء البيان، يناقش هذه المسألة بوضوح، ويقرر أن كيفية وجود نسل الشيطان لم يثبت فيها نقل صحيح صريح، وأن بعض الأقوال المتداولة لا يُعتمد عليها لأنها لم تثبت بكتاب أو سنة. كما أشار إلى إمكان أن يكون التعبير عن «البيض والفرخ» على سبيل التمثيل لا على ظاهره الحسي.
وتظهر هنا قيمة المنهج الإسلامي في التعامل مع الغيب: يؤمن المرء بما ثبت، ويسكت عما لم يثبت، ولا يحوّل الاحتمال إلى عقيدة.
وهذا فارق عميق بين البحث الديني المسؤول وبين الحكاية الشعبية؛ فالحكاية تحب التفاصيل لأنها تملأ الفراغ، أما العلم فيحترم الفراغ حين لا يجد بين يديه دليلاً.
سادسًا: لماذا تمتلئ كتب التراث بأسماء أبناء الشيطان ووظائفهم؟
في بعض التفاسير القديمة ترد أسماء مثل زلنبور، وثبر، والأعور، وداسم وغيرهم، وتنسب إلى بعضهم وظائف متعلقة بالأسواق، والمصائب، والزنى، والأخبار الكاذبة، والوسوسة داخل البيوت. وقد نقل الطبري والبغوي والقرطبي شيئًا من هذه الأقوال.
لكن هذه التفاصيل ليست كلها على درجة واحدة من الثبوت. فالبغوي نفسه أورد التنبيه إلى أن هذه الأخبار لا يصح إسنادها إلى النبي ﷺ، ولذلك لا ينبغي تحويلها إلى «قائمة رسمية» لأبناء إبليس.
وفي المقابل، نجد مثالًا ثابتًا في صحيح مسلم على تسمية شيطان بوظيفة مخصوصة؛ فقد ذكر النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص أن الشيطان الذي يلبّس عليه صلاته يسمى خِنْزَب، وأرشده إلى الاستعاذة بالله منه.
والفارق بين الأمرين منهجي مهم: ما ثبت عن النبي نثبته، وما جاء في كتب الأخبار والتفاسير ندرسه في سياقه، ولا نرفعه إلى منزلة الوحي لمجرد اشتهاره.
سابعًا: المسيحية بين النص والخيال الأدبي
لا تحتل ليليث مكانة عقدية مستقلة في الكتاب المقدس المسيحي، ولم تصبح «زوجة لإبليس» جزءًا من العقيدة المسيحية الرسمية. لكن صورتها دخلت في الأدب الأوروبي والفني في عصور لاحقة، واستُخدمت أحيانًا إلى جانب شخصية الشيطان أو بوصفها صورة للمرأة الغاوية أو المتمردة. وتظهر إشارات إلى حضورها في الأدب الأوروبي لدى كتاب وشعراء مثل غوته، وفيكتور هوغو، ودانتي غابرييل روسيتي، وغيرهم.
ومن هنا ينبغي أن نفرق بين الدين والأدب الذي استلهم الدين والأسطورة. فليس كل ما كتب شاعر عن شخصية دينية أو شيطانية جزءًا من العقيدة.
هذه القاعدة تنطبق على الحضارات كلها: قد يولد الرمز في المعبد، ثم يخرج إلى المسرح، ثم يسكن القصيدة، ثم يستقر في السينما، حتى يصبح الناس يظنون أن الصورة الفنية كانت أصلًا دينيًا.
ثامنًا: القراءة الاجتماعية — حين تتحول ليليث إلى سؤال عن المرأة
في العصر الحديث تبدلت صورة ليليث مرة أخرى. فقد أعادت بعض القراءات النسوية اكتشافها بوصفها رمزًا للمرأة التي ترفض أن تختصر في الطاعة، أو أن تُعرّف وظيفتها كلها من خلال العلاقة بالرجل. ودخلت ليليث في خطاب نسوي وروحي معاصر يقرأ قصتها باعتبارها حكاية عن الاستقلال والتمرد وإعادة تعريف الذات. وتوثق الدراسات الحديثة هذا التحول من «الشيطانة» إلى «الرمز النسوي،.
لكن من الضروري ألا نستبدل أسطورة قديمة بأسطورة حديثة.
فليس كل تمرد حرية، كما أن ليس كل خضوع ظلمًا. والإنسان لا يصير أكثر إنسانية لمجرد أنه قال «لا»، كما لا يصير أكثر أخلاقًا لمجرد أنه قال «نعم».
في الأسرة السوية، ليست القضية أن ينتصر رجل على امرأة أو امرأة على رجل، بل أن تُبنى العلاقة على الكرامة والرضا والمسؤولية. لذلك يمكن قراءة الحكاية بصورة اجتماعية أوسع: كيف يتحول اختلاف الأدوار إلى صراع على القيمة؟ وكيف يصبح رفض التهميش أحيانًا رفضًا لكل علاقة، كما يتحول التمسك بالسلطة أحيانًا إلى إلغاء للآخر؟
تاسعًا: القراءة النفسية — ليليث بوصفها «ظلًا"
أما في القراءة النفسية الرمزية، فيمكن النظر إلى ليليث بوصفها واحدة من صور الظل؛ أي الجوانب التي يقمعها الفرد أو المجتمع ثم تعود إليه في صورة مخيفة.
فالإنسان لا يخاف دائمًا من الشر الخارجي وحده؛ قد يخاف من شيء في داخله لا يريد الاعتراف به: رغبة مكتومة، غضب مكبوت، حاجة إلى الاستقلال، غيرة، شهوانية، أو خوف من فقد السيطرة.
وعندما يعجز الإنسان عن مواجهة هذه القوى بلغة الوعي، قد يسقطها خارج ذاته. فيقول: «إنها هي التي تغويني»، «هو الذي يفسدني»، «شيطان يسكن في الخارج». وهكذا يصبح الكائن الأسطوري شاشةً تُعرض عليها مشاعر الإنسان.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم بعض وظائف ليليث في التراث الشعبي: فهي مرتبطة بالليل والحلم والولادة والخوف على الأطفال، وهي كلها مناطق بشرية شديدة الحساسية، يجاور فيها الفرحُ الخوفَ، والحياةُ احتمالَ الموت.
ليس غريبًا إذن أن تُولد شيطانة من مكان الولادة نفسها.
عاشرًا: ليليث في القراءة الصوفية — حين يصبح الشيطان سؤالًا عن القلب
أما القراءة الصوفية، فلا تحتاج إلى إثبات ليليث تاريخيًا كي تستفيد من القصة رمزًا.
في لغة أهل السلوك، الخطر الأكبر ليس دائمًا في الشكل الخارجي، بل في الاستجابة الداخلية. فالشيطان قد يفتح بابًا صغيرًا في القلب: فكرة، إعجاب، كِبر، حسد، شهوة، يأس؛ ثم يترك الإنسان يكمل بقية الطريق بقدميه.
ومن هنا يمكن أن تصبح «ليليث» في القراءة الرمزية صورةً عن الفتنة حين تلبس الجمال، أو عن الرغبة حين تفقد ميزان البصيرة. لكن هذا تفسير أدبي روحي، لا نصًا من القرآن أو السنة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من القصص الشيطانية ليس أن نفتش عن أسماء الشياطين في العتمة، بل أن نفتش عن منافذهم في أنفسنا.
فالعارف لا يظل مشغولًا بالسؤال: «أين يسكن إبليس؟»
بل يسأل: «من أي باب أدخلته إلى قلبي؟»
وقد يكون الباب كلمةً قالها الإنسان في ساعة غضب، أو نظرةً لم يغضّ عنها بصره، أو رغبةً تحولت من حاجة إلى عبودية.
وهنا تلتقي الحكمة الدينية بالنفسية: الخطر لا يبدأ عندما يقع الإنسان في الشر، بل عندما يعجز عن رؤية بدايته.
الحادي عشر: مقارنة بين التقاليد — تشابه الصورة واختلاف العقيدة
إذا جمعنا الخيوط المتناثرة، ظهر لنا أن التقاليد المختلفة تتشابه في استخدام صور الشيطان والغواية والخوف، لكنها تختلف اختلافًا واضحًا في التفاصيل والمقامات.
في الإسلام، لا يثبت اسم ليليث ضمن الوحي، ولا تُذكر له زوجة معينة باسمها. الثابت هو وجود إبليس وذريته، وعداوته للإنسان، وقدرته على الوسوسة والإغواء.
وفي التراث اليهودي، نجد مراحل متراكمة: اسم غامض في إشعياء، ثم صورة لشيطانة ليلية في الأدب الرباني، ثم قصة ليليث زوجة آدم في أبجدية بن سيرا، ثم ارتباطها بـسمايل في الأدب القبالي.
وفي المسيحية، لم تصبح ليليث جزءًا من العقيدة الرسمية، لكنها انتقلت إلى الأدب والفن والخيال الأوروبي، ثم أعيد تشكيلها في العصر الحديث.
أما في الثقافة الحديثة، فقد تحولت الشخصية أحيانًا من شيطانة إلى رمز للاستقلال، ومن رمز للاستقلال إلى صورة أدبية للمرأة المتمردة، حتى كادت تنفصل عن جذورها الدينية والأسطورية الأولى.
وهذا يعلمنا درسًا في دراسة الأديان: ليس كل تشابه بين القصص دليلًا على وحدة المصدر، وليس كل اختلاف دليلًا على القطيعة.
فالإنسان في كل مكان يخاف الليل، والشيطان، والموت، والمجهول، لكنه يصوغ خوفه بلغته الخاصة.
خاتمة: بين ليليث وإبليس يسكن سؤال الإنسان
ربما ليست أهمية ليليث في أنها «زوجة إبليس»، فهذه العبارة نفسها تحتاج إلى التفصيل والتقييد. أهميتها الحقيقية أنها تكشف كيف يصنع البشر صورهم عن الشر، وكيف تنتقل الحكاية من عالم الدين إلى عالم الأسطورة، ومن الأسطورة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى علم النفس، ثم تعود في الشعر بوصفها سؤالًا مفتوحًا.
أما في الإسلام، فالموقف أكثر حسمًا من حيث الأصول: لإبليس ذرية بنص القرآن، لكن اسم زوجته وكيفية حصول نسله لم يثبت فيهما نص وحي صريح، وما ورد من تفصيلات في بعض كتب التفسير والأخبار يُقرأ في مرتبته ولا يُرفع إلى منزلة العقيدة.
وأما ليليث، فقد كانت في بداياتها ظلًا من ظلال الليل، ثم صارت شيطانة، ثم صارت امرأة آدم الأولى في حكاية متأخرة، ثم قرينةً لسمايل في التصوف القبالي، ثم تحولت في العصر الحديث إلى رمز نسوي عند بعض التيارات.
وهكذا تبدلت المرآة، وبقي الوجه الإنساني نفسه.
فالأسطورة تقول إن ليليث خرجت من الجنة لأنها أرادت أن تُسمع صوتها. والدين يقول إن إبليس خرج منها لأنه ردّ الحق بالكبر. والنفس تقول لنا إن الإنسان قد يضيع حين يتحول طلب الكرامة إلى كِبر، أو يتحول الخوف إلى قسوة، أو يتحول الاستقلال إلى قطيعة.
وفي الطريق بين هذه الأصوات كلها، يبقى السؤال الأعمق: ما الذي يجعل الإنسان عبدًا للشيطان؟
أهو وجود شيطان يوسوس؟ أم قلب يجد في الوسوسة رغبةً قديمة في داخله؟
لعل الحكمة ليست أن نعرف اسم زوجة إبليس، بل أن نعرف أين تخفي النفس زوجها القديم: الكِبر، حين يتزوج بالهوى، فيلد من كل رغبةٍ صغيرة شيطانًا جديدًا.
وهنا، في آخر الحكاية، لا نحتاج إلى ليلٍ أسطوري كي نرى ليليث، ولا إلى جبلٍ بعيد كي نرى إبليس.
يكفي أن نضع مرآةً أمام القلب.
فإذا صدق القلب، انطفأت كثير من الأساطير. وإذا كذب، استطاع أن يصنع من الظلِّ إلهًا، ومن الخوف عقيدة، ومن الحكاية حقيقة.
ولذلك يبقى الفرق بين الوحي والأسطورة هو الفرق بين النور الذي يحدد ما نعلم، والظلام الذي يغوينا بأن نزعم أننا نعلم ما لم نعلم.
مراجع مختارة
1. القرآن الكريم، سورة الكهف، الآية 50.
2. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، باب الاستعاذة من شيطان الوسوسة في الصلاة، حديث خنزب.
3. محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة الكهف، الآية 50.
4. محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة الكهف، الآية 50.
5. محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تفسير آية الكهف 50.
6. The Jewish Encyclopedia, Lilith.
7. Encyclopaedia Judaica, مادة Lilith، كما يعرضها Jewish Virtual Library.
8. Alphabet of Ben Sira، مادة ليليث، ضمن المصادر اليهودية المتداولة في Sefaria.
9. The Jewish Encyclopedia, Satan.
10. Carl Gustav Jung, Psychology and Religion.
11. Erich Neumann, The Great Mother: An Analysis of the Archetype.
12. Gershom Scholem, Kabbalah.
13. Raphael Patai, The Hebrew Goddess.
ليليث بين النص والأسطورة من ظلمة الحكاية إلى مرآة النفس دراسة في صورة المرأة الشيطانية بين التراث اليهودي والإسلامي وبعض المرويات الإنسانية
الناشر :مدونة فكر أديب
-
