السخرية
عندما يضحك الإنسان من صورته في مرآة الآخر
مقدمة: ضحكةٌ على حافة الجرح
ليست السخرية مجرد ضحكة عابرة، ولا هي دائمًا لعبٌ بريء بالكلمات. إنها، في بعض صورها، طريقة في النظر إلى الإنسان قبل أن تكون طريقة في الكلام عنه. يضحك الساخر من شخص أو موقف أو فكرة، لكنه قد يكون، من حيث لا يشعر، يضع نفسه أيضًا في موضع القاضي؛ يرى العيب في الآخر، وينسى أن المرآة لا تختار وجهًا واحدًا حين تُضاء.
والسخرية ظاهرة قديمة قدم الكلام نفسه. فمنذ أن اكتشف الإنسان أن الكلمة تستطيع أن تقول الشيء ونقيضه في اللحظة نفسها، صار بإمكانه أن يمدح وهو يذم، وأن يضحك وهو يحتج، وأن يبتسم وهو يطعن. ولهذا اتسعت السخرية بين الأدب والفلسفة وعلم النفس والبلاغة، ثم انتقلت في عصر الصورة والشاشة إلى فضاء أكثر سرعة وأشد قسوة؛ فالجملة الساخرة التي كانت تموت بانتهاء المجلس يمكن أن تعيش اليوم سنوات، وأن تصل إلى آلاف الأشخاص في لحظة واحدة.
غير أن السؤال الأهم ليس: هل السخرية مضحكة؟ بل: ماذا تفعل بالإنسان الذي يسخر، وبالإنسان الذي يقع عليه السخر؟
هنا يتغير النظر إلى المسألة. فالسخرية قد تكون أداة لكشف التناقض، وقد تكون قناعًا للعدوان، وقد تتحول إلى وسيلة لتحقير المختلف. وقد تكون في يد الكاتب مبضعًا يكشف مرضًا اجتماعيًا، وفي يد المتعالي سوطًا يضرب به كرامة الآخرين.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى السخرية بوصفها ظاهرة ذات وجهين: وجهٌ معرفي وأدبي، ووجهٌ أخلاقي وإنساني. وفي المسافة بين الوجهين تتحدد قيمتها.
الفصل الأول: ما السخرية؟
السخرية في أبسط صورها هي أن يُقال الكلام على نحو لا يطابق ظاهره مقصوده الكامل. قد يقول المرء لصاحبه الذي تأخر ساعة: «ما أسرعك!»؛ فاللفظ في ظاهره مدح، لكن السياق يكشف أنه يحمل معنى معاكسًا.
غير أن السخرية الأدبية أوسع من مجرد قلب المعنى. إنها بناء فني يقوم على المفارقة بين الظاهر والباطن، أو بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن فعلًا. ولهذا يستطيع الكاتب الساخر أن ينتقد فسادًا اجتماعيًا دون أن يصرخ في وجهه، وأن يكشف تناقضًا سياسيًا أو أخلاقيًا عبر مشهد مضحك، وأن يجعل القارئ يبتسم أولًا ثم يكتشف، بعد لحظة، أنه كان يبتسم أمام جرح.
ومن الضروري هنا التمييز بين مصطلحات متجاورة:
الفكاهة قد يكون غرضها الأساسي إحداث السرور والضحك، دون أن تستهدف شخصًا بعينه.
أما السخرية فتتضمن غالبًا مسافة نقدية؛ فهي تضحك لكي تكشف، وتبالغ لكي تجعل العيب مرئيًا.
وأما التهكم فيميل إلى نبرة أشد حدّة، وقد يتحول إلى عدوان لفظي عندما يستهدف كرامة الإنسان أو صفاته الخَلقية أو أصله أو لونه أو عرقه.
أما الهجاء فهو أقرب إلى الهجوم المباشر، بينما تقوم السخرية غالبًا على الالتواء والمفارقة والتعريض.
وهناك كذلك المفارقة، وهي أوسع من السخرية؛ إذ قد توجد المفارقة دون رغبة في إضحاك أحد. فقد يقول الإنسان شيئًا، بينما تكشف الأحداث أن الحقيقة تسير في اتجاه آخر.
ومن هنا لا يصح وضع كل ضحك في خانة السخرية، ولا كل سخرية في خانة العدوان.
الفصل الثاني: من التذليل إلى الإضحاك
ترتبط كلمة «السخرية» في العربية بجذر «س خ ر»، وهو جذر تتصل به معاني التسخير والتذليل والاستخدام والقهر، كما تظهر في المعاجم العربية القديمة معاني تتعلق بمن يُسخَّر أو يُجعل في موضع من لا يملك أمره.
وهذه الدلالة اللغوية تفتح بابًا تأمليًا مهمًا: فالسخرية، حين تنحرف أخلاقيًا، لا تكتفي بالضحك من الآخر، بل تحاول إنزاله من مرتبته الإنسانية في نظر الساخر. يصبح الإنسان موضوعًا للفرجة بدل أن يكون ذاتًا لها كرامتها.
غير أن الربط بين الأصوات العربية نفسها وبين معانٍ نفسية دقيقة، كأن يقال إن اجتماع حرفي السين والخاء يدل صوتيًا على «اللين والخفاء»، لا ينبغي تقديمه بوصفه اشتقاقًا علميًا ثابتًا؛ فمثل هذه التأويلات تنتمي إلى التأمل اللغوي والبلاغي أكثر مما تنتمي إلى علم اللغة التاريخي.
والأدق أن نقول إن تطور معنى السخرية يكشف انتقالًا من معنى التذليل والتسخير إلى معنى الاستهزاء بالآخر أو تصويره في صورة مضحكة. وهنا تبدأ السخرية في التحول من فعل على الجسد إلى فعل على الصورة الذهنية.
فالساخر لا يحتاج إلى أن يمسك خصمه بيده؛ يكفي أن يعيد رسم صورته أمام الناس.
الفصل الثالث: كيف تعمل السخرية؟
تعمل السخرية من خلال المسافة بين مستويين: ما نسمعه وما نفهمه.
قد يقول شخص لآخر بعد أن أفسد عملًا مهمًا: «رائع، لقد أنجزت المهمة كما لم ينجزها أحد من قبل». ظاهر الجملة ثناء، لكن النبرة والسياق يجعلانها إدانة.
ومن هنا كانت السخرية تحتاج إلى ذكاء مشترك بين المتكلم والمتلقي. فالمتكلم يبني المعنى على مستويين، والمتلقي يفك شفرتهما.
وتتنوع أدواتها:
1. المحاكاة: تقليد طريقة الكلام أو المشي أو التصرف، بقصد كشف التناقض أو الإضحاك.
2. السخرية الصوتية: تغيير النبرة والإيقاع والارتفاع والانخفاض.
3. التعريض: أن يقول الكاتب شيئًا ويترك القارئ ليستنتج المقصود.
4. الذم بما يشبه المدح: تقديم العيب في صورة فضيلة.
5. المدح بما يشبه الذم: قلب الصورة لإظهار قيمة مخفية.
6. تجاهل العارف: طرح سؤال يعرف المتكلم جوابه، لكنه يستخدم السؤال للكشف عن عبث الموقف.
7. المبالغة الكاريكاتورية: تضخيم صفة معينة حتى تتحول إلى صورة تكشف ذاتها.
8. التلاعب اللفظي: اللعب بتعدد المعاني أو تركيب الكلمات.
9. قلب الأدوار: جعل الضعيف يبدو قويًا، أو القوي يبدو عاجزًا، لكي ينكشف خلل الصورة الاجتماعية.
وفي الأدب الرفيع لا يكون الهدف مجرد إضحاك القارئ؛ بل جعله يرى ما كان يراه كل يوم دون أن ينتبه إليه.
الفصل الرابع: السخرية بوصفها أداة فلسفية
إذا انتقلنا من البلاغة إلى الفلسفة، اكتشفنا أن السخرية والمفارقة ليستا مجرد أدوات للضحك، بل يمكن أن تصبحا وسيلتين للسؤال.
سقراط: السخرية التي تفتح باب المعرفة
من أشهر أشكال السخرية الفلسفية ما عُرف بـ«المفارقة السقراطية». كان سقراط يتظاهر أحيانًا بالجهل أمام محاوره، ويسأله أسئلة تبدو بسيطة، ثم يقوده عبر الحوار إلى اكتشاف أن ما ظنه معرفة راسخة ليس إلا رأيًا غير ممتحن.
وهنا تختلف السخرية السقراطية عن الإهانة. فهي لا تقول للإنسان: «أنت غبي»، بل تدفعه إلى اكتشاف حدود معرفته بنفسه.
لقد كان السؤال السقراطي أشبه بمرآة هادئة: لا تضرب الوجه، لكنها تجبره على النظر.
أرسطو: الضحك وتمثيل النقص
في فلسفة أرسطو للفن، ارتبط الكوميدي بتمثيل جوانب من النقص أو الخطأ الإنساني التي لا تبلغ حد الألم المأساوي. ولذلك يصبح الضحك جزءًا من بنية التمثيل الفني، لا مجرد نكتة منفصلة.
لكن هنا يظهر سؤال أخلاقي قديم: هل نستطيع أن نضحك على العيب دون أن نحتقر صاحبه؟
هذا السؤال لم يفقد راهنيته؛ بل أصبح أكثر إلحاحًا في عصر وسائل التواصل.
برغسون: الضحك كتصحيح اجتماعي
يرى هنري برغسون في كتابه الضحك أن الكوميديا تظهر كثيرًا عندما يتصرف الإنسان بطريقة آلية جامدة داخل عالم حي متغير. فالضحك، عنده، يؤدي وظيفة اجتماعية؛ إنه يذكّر الإنسان بضرورة المرونة ويقاوم الجمود.
وفق هذا التصور، لا يكون الضحك مجرد متعة، بل إشارة اجتماعية تقول: لقد أصبحت آليًا أكثر مما ينبغي.
وهنا تكتسب السخرية قوة إصلاحية؛ فهي لا تسخر من الإنسان لذاته، وإنما من الجمود الذي استولى عليه.
كيركغارد: السخرية كمسافة عن الذات
أما كيركغارد فقد جعل السخرية، خصوصًا في علاقته بسقراط، موضوعًا فلسفيًا عميقًا. السخرية عنده ليست مجرد طريقة في الكلام، بل يمكن أن تكون موقفًا يخلق مسافة بين الإنسان وما يدّعيه أو ما اعتاده.
وفي هذا المستوى تصبح السخرية سؤالًا عن الحرية: هل أعيش كما يريد الآخرون مني أن أعيش، أم أمتلك المسافة الكافية لأعيد النظر في نفسي؟
5. فرويد: ما الذي يخرج من خلف الضحكة؟
يقترب التحليل النفسي من السخرية من جهة أخرى. ففي كتابه النكتة وعلاقتها باللاشعور رأى فرويد أن النكتة والفكاهة يمكن أن تكونا طريقًا لخروج رغبات وأفكار مكبوتة أو ممنوعة اجتماعيًا.
وهكذا لا تكون الضحكة دائمًا سطحًا بريئًا؛ فقد تحمل تحتها غضبًا أو رغبة أو عدوانًا أو خوفًا.
ومن هنا يمكن أن نقول: الإنسان لا يضحك فقط بما يعرفه عن نفسه، بل أحيانًا بما يخفيه عن نفسه.
الفصل الخامس: السخرية بين التصوف وتهذيب النفس
في التصوف الإسلامي، لا نجد السخرية بمعناها الحديث موضوعًا مستقلًا كما نجده في الدراسات الأدبية والنفسية، لكننا نجد فكرة مركزية يمكن أن تساعد في فهم المسألة: العدو الأكبر للإنسان قد يكون صورته المتضخمة عن نفسه.
التصوف يكثر من نقد العُجب والكبر ورؤية النفس فوق الآخرين. ولذلك فإن الضحك على الناس يمكن أن يكون، في المنظور الأخلاقي، علامة على مرض أعمق: أن الإنسان صار يرى نفسه مركزًا للميزان.
وفي الحكاية الصوفية والشرقية يظهر أحيانًا الضحك بوصفه طريقًا إلى كشف الوهم. ومن أشهر النماذج الثقافية في هذا الباب شخصية ملا نصر الدين، الذي تروي عنه التقاليد الشعبية آلاف الحكايات التي تجمع بين الفكاهة والحكمة والمفارقة؛ فالحكاية تضحكك من موقف، ثم تعيدك إلى نفسك. وتشير الدراسات الثقافية إلى أن قصصه لا تقوم على الإضحاك وحده، بل تحمل غالبًا درسًا أو مفارقة اجتماعية وفلسفية. [1]
في هذا اللون من الحكاية لا يكون الضحك سوطًا على الآخر، بل نافذة على النفس.
وهنا يمكن استحضار المعنى الصوفي القديم: من عرف قدره لم يحتج إلى تصغير قدر غيره.
فالساخر المتعالي يحتاج إلى أن يكون الآخر صغيرًا لكي يبدو هو كبيرًا، بينما السخرية الحكيمة تستطيع أن تسقط القناع دون أن تسحق الوجه.
الفصل السادس: السخرية في الميزان الإسلامي
يتخذ الموقف الإسلامي من السخرية اتجاهًا أخلاقيًا واضحًا عندما تتحول إلى تحقير للإنسان أو عيب له أو انتقاص من كرامته.
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ الحجرات: 11 .
الآية لا تنهى فقط عن الضحك، وإنما عن منظومة كاملة من احتقار الإنسان: السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن الإسلام لا يجعل الضحك في ذاته مذمومًا، وإنما يضع حدًا أخلاقيًا عندما يتحول الضحك إلى إهانة.
وقد فسّر القرطبي الآية في سياق النهي عن الاستهزاء واللمز والتنابز، وذكر أن من صور ذلك أن يلقب الإنسان أخاه بما يكرهه أو يسخر منه. [2]
كما ورد في الحديث النبوي التحذير من احتقار المسلم لأخيه، في الحديث المشهور: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
إذن جوهر المنع ليس وجود الابتسامة، بل انكسار كرامة الإنسان تحتها.
وهذه نقطة تفتح مجالًا للتمييز بين نوعين:
سخرية من السلوك: قد تكون نقدًا مشروعًا إذا انضبطت بالحق والأدب.
سخرية من الإنسان في ذاته: تتحول إلى تحقير وإذلال، وهي التي تدخل في باب النهي الشرعي.
فالكاتب الذي ينتقد الظلم ليس بالضرورة ساخرًا من المظلوم، بل قد يسخر من الظالم وآلياته ولغته وتناقضاته.
الفصل السابع: ماذا تقول الدراسات الحديثة؟
تمنح الدراسات النفسية والاجتماعية صورة أكثر تعقيدًا مما قد نتوقع.
ففي دراسة منشورة سنة 2015 في دورية Organizational Behavior and Human Decision Processes، بحث لي هوانغ وفرانشيسكا جينو وآدم غالينسكي في العلاقة بين السخرية والإبداع. ووجد الباحثون، عبر أربع دراسات تجريبية، أن التعبير عن السخرية أو تفسيرها ارتبط بزيادة التفكير التجريدي والإبداع، لكنه ارتبط أيضًا بزيادة الصراع في بعض الظروف. كما وجدوا أن الثقة بين الأطراف يمكن أن تقلل الكلفة العلائقية للسخرية. [3]
وهذه النتيجة مهمة لأنها تمنعنا من إصدار حكم بسيط من نوع: «السخرية جيدة» أو «السخرية سيئة».
السخرية يمكن أن تفتح العقل لأنها تجبر المتلقي على الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المقصود. لكنها قد تغلق القلب إذا شعر المتلقي بأنه مستهدف أو محتقر.
وهنا تكمن المفارقة: قد توسّع السخرية أفق التفكير وتضيّق أفق العلاقة في اللحظة نفسها.
ولهذا تصبح النبرة والسياق والعلاقة بين الأشخاص عوامل أساسية.
فالجملة نفسها قد تكون مضحكة بين صديقين يعرف أحدهما الآخر جيدًا، وقد تكون جارحة إذا قيلت أمام جمهور لشخص لا يعرف نية المتكلم.
الفصل الثامن: السخرية في العصر الرقمي
في الماضي كانت السخرية تحتاج إلى صوت ونبرة ووجه. أما اليوم فقد أصبحت في كثير من الأحيان مجرد نص قصير على شاشة.
وهنا حدث تغير جوهري.
فالكلمة المكتوبة تفقد كثيرًا من الإشارات غير اللفظية التي تساعد على فهم النية. لا نرى ابتسامة المتكلم، ولا حركة عينيه، ولا نبرة صوته. ولذلك قد تتحول السخرية إلى سوء فهم.
ثم تأتي إعادة النشر والاقتطاع من السياق، فيتحول الكلام الذي قيل في غرفة صغيرة إلى مادة يتداولها جمهور لا يعرف القصة الأصلية.
وهكذا أصبحت السخرية الرقمية أكثر سرعة من قدرتنا على إصلاح آثارها.
والأخطر أن المنصات الرقمية تكافئ أحيانًا العبارة القصيرة الصادمة؛ فتتحول السخرية من أداة نقد إلى اقتصاد للانتباه.
وفي هذه البيئة يصبح السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدًا:
هل أقول ما يضحك الناس، أم ما يجعلهم يرون الحقيقة؟
قد يجتمع الأمران، لكن ليس دائمًا.
الفصل التاسع: نقد السخرية وتقييمها
يمكن تقييم السخرية من خلال أربعة أسئلة:
أولًا: ما موضوع السخرية؟
إذا كان موضوعها فكرة أو عادة أو سلوكًا عامًا، فإنها أقرب إلى النقد.
أما إذا كان موضوعها جسد الإنسان أو لونه أو أصله أو إعاقته أو فقره أو نقطة ضعفه، فإنها تقترب من الإهانة.
ثانيًا: من يملك القوة؟
السخرية من القوي ليست دائمًا مثل السخرية من الضعيف.
حين يسخر الكاتب من مؤسسة متسلطة، قد تتحول السخرية إلى وسيلة لكشف السلطة.
أما حين يسخر صاحب النفوذ من إنسان ضعيف لا يستطيع الرد، فإن الضحك قد يصبح امتدادًا للقوة.
ثالثًا: ما النتيجة؟
إذا جعلت السخرية القارئ يرى تناقضًا لم يكن يراه، فقد أدت وظيفة معرفية.
أما إذا جعلته يحتقر إنسانًا لمجرد اختلافه، فقد تحولت من النقد إلى التنمر.
رابعًا: هل يستطيع الكاتب أن يسخر من نفسه؟
هذه ربما تكون العلامة الأكثر دلالة على سلامة السخرية.
فالإنسان الذي لا يرى إلا عيوب الآخرين سرعان ما يتحول إلى واعظ متعالٍ. أما الذي يستطيع أن يجعل نفسه جزءًا من المشهد الساخر، فإنه يترك مساحة للتواضع.
السخرية الناضجة لا تقول: «انظروا كم هو أحمق».
بل تقول: «انظروا كم يمكن للإنسان، وأنا واحد منهم، أن يضل الطريق حين يظن أنه يعرف الطريق كله».
الفصل العاشر: مقارنة بين المذاهب الفلسفية
يمكن تلخيص المواقف الكبرى في خمسة اتجاهات:
الاتجاه فهم الضحك/السخرية الوظيفة الأساسية
السقراطية مفارقة تكشف الجهل تحرير العقل من وهم المعرفة
الأرسطية تمثيل النقص والخطأ إنتاج الكوميديا والتمييز الفني
البرغسونية كشف الجمود والآلية تصحيح اجتماعي
الكيركغاردية خلق مسافة عن الذات والواقع اختبار الحرية والوجود
الفرويدية منفذ لما هو مكبوت كشف الرغبات والصراعات النفسية
ويضاف إلى ذلك المنظور الإسلامي الذي يضع الكرامة الإنسانية معيارًا أخلاقيًا حاكمًا.
وهذه المذاهب لا تتطابق، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: الضحك ليس حدثًا سطحيًا كما يبدو.
فالإنسان حين يضحك، يفسر العالم.
خاتمة: حين تصبح الضحكة سؤالًا
السخرية ليست شرًا مطلقًا، وليست فضيلة مطلقة. إنها أداة، والأدوات تكشف يد من يحملها.
يمكن أن تكون السخرية قنديلًا يضيء تناقضًا، ويمكن أن تكون حجرًا يُلقى في وجه إنسان. يمكن أن توقظ العقل، ويمكن أن توقظ الضغينة. يمكن أن تحرر الإنسان من أوهامه، ويمكن أن تغذّي وهم تفوقه على الآخرين.
ولهذا فإن المشكلة ليست في أن نضحك، بل في سبب الضحك، وعلى من نضحك، ولماذا نضحك، وماذا يبقى بعد انتهاء الضحكة.
السخرية الرفيعة لا تحتاج إلى سحق الإنسان كي تكشف خطأه. إنها تضع الخطأ في الضوء وتترك للإنسان فرصة الرجوع.
وفي أعمق مستوياتها، ربما كانت السخرية بحثًا عن الحقيقة بطريقة ملتوية. فالحقيقة المباشرة قد تجعلنا ندافع عن أنفسنا، أما المفارقة فقد تجعلنا نضحك، ثم نصمت، ثم نكتشف أن الضحكة كانت موجهة إلينا نحن.
وهنا يقترب الضحك من الحكمة.
فالعارف، في الإشارة الصوفية، لا يشتد على الناس لأنه يعرف ضعف الإنسان، بل يشتد على نفسه لأنه يعرف ضعفها. وكلما اتسعت معرفة المرء بنفسه، ضاقت حاجته إلى تحقير غيره.
ولعل أرقى سخرية هي تلك التي تعود في نهايتها إلى صاحبها؛ سخرية لا تجعلنا نرى الآخر أصغر، بل تجعلنا نرى صورتنا أكثر وضوحًا.
إنها ضحكة لا تقول: «أنت موضع السخرية»، بل تقول بهدوء:
«كلنا قابلون لأن نصير كذلك، إذا فقدنا القدرة على رؤية أنفسنا في المرآة.»
ومن هنا تصبح السخرية، حين تتحرر من العدوان، شكلًا من أشكال النقد؛ وحين تتحرر من الغرور، شكلًا من أشكال الحكمة؛ وحين تتحرر من احتقار الإنسان، يمكن أن تصبح أدبًا.
أما حين تُبنى على إذلال الضعيف، أو التشهير بالإنسان، أو تحقير الخِلقة والأصل واللون، فإن الضحكة تفقد براءتها، ويصبح ما يبدو خفيفًا على اللسان ثقيلًا في ميزان الأخلاق.
ولذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: هل كانت النكتة مضحكة؟
بل ينبغي أن نسأل أيضًا: هل جعلتنا أكثر إنسانية؟
مراجع وإحالات موثوقة
1. حسن جوادي، «ملا نصر الدين»، Encyclopaedia Iranica؛ يعرض الشخصية في التراث الفارسي والشرق أوسطي بوصفها شخصية فكاهية ذات أبعاد حكيمة وفلسفية، وتدور حكاياتها حول شخصيات اجتماعية متنوعة.
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة الحجرات، الآية 11؛ يناقش السخرية واللمز والتنابز بالألقاب ومعناها الأخلاقي.
Li Huang, Francesca Gino & Adam D. Galinsky (2015), “The Highest Form of Intelligence: Sarcasm Increases Creativity for Both Expressers and Recipients,” Organizational Behavior and Human Decision Processes, 131, 162–177. خلصت الدراسة إلى وجود صلة بين السخرية والتفكير التجريدي والإبداع، مع وجود كلفة محتملة على الصراع والعلاقات.
Henri Bergson, Laughter: An Essay on the Meaning of the Comic (1900). يربط برغسون الضحك بالجمود والآلية، ويرى فيه وظيفة اجتماعية تصحيحية.
Aristotle, Poetics. يناقش أرسطو الكوميديا بوصفها تمثيلًا لجوانب من النقص والخطأ الإنساني، مع تمييزها عن الألم المأساوي.
Søren Kierkegaard, The Concept of Irony, with Continual Reference to Socrates (1841). دراسة أساسية في مفهوم السخرية وعلاقتها بالموقف السقراطي والذات.
• Sigmund Freud, Jokes and Their Relation to the Unconscious (1905). دراسة تأسيسية في العلاقة بين النكتة واللاشعور والكبت والدوافع النفسية.
