اسم الله «الشهيد»
دراسة في الدلالة العقدية والأثر النفسي والاجتماعي والجمال الصوفي
من أسماء الله الحسنى أسماءٌ تفتح للإنسان باب المعرفة، وأسماءٌ تفتح له باب المراقبة، وأسماءٌ تجمع له الأمرين معًا؛ فيتعرف إلى ربه بعقله، ثم يعود بهذا العلم إلى قلبه وسلوكه وحياته. ومن هذه الأسماء الجليلة اسم الله «الشهيد»؛ ذلك الاسم الذي يوقظ في النفس معنى الحضور الإلهي، ويهذب علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين، ويضع أمام القلب مرآة لا تكذب.
فالإنسان قد يختبئ عن أعين الناس، وقد يغلق باب غرفته، ويطفئ مصابيح المكان، ويمحو أثر فعلٍ من ذاكرة البشر، لكنه لا يستطيع أن يغيب عن علم الله. قد ينسى الإنسان ما قاله، وما نواه، وما فعله في ساعة غفلة، غير أن الله تعالى لا يغيب عنه شيء. قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المجادلة: 6.
وهنا تتجلى روعة الاسم: إن الله «الشهيد» ليس شاهدًا على الأفعال الظاهرة فحسب، بل هو العالم بالسريرة، المطلع على النية، المحيط بالقول قبل أن يخرج، وبالخاطر قبل أن يصير كلمة، وبالإرادة قبل أن تتحول إلى فعل.
ومن ثم فإن الإيمان بهذا الاسم ليس قضية معرفية مجردة، بل هو تربية للضمير، وتهذيب للسلوك، وإحياء للقلب.
أولًا: الدلالة اللغوية والاصطلاحية لاسم «الشهيد»
يرجع لفظ «الشهيد» إلى الجذر العربي ش هـ د، وهو جذر غني بالدلالات. وقد بيّن ابن فارس أن أصل هذا الجذر يدل على الحضور والعلم والإعلام؛ فالشهادة تجمع معنى الحضور ومعنى العلم ومعنى الإخبار بالحق.
ومن هنا نفهم أن الشهادة ليست مجرد رؤية عابرة، وإنما هي حضورٌ مقترن بعلم وإحاطة، ثم قدرة على البيان والحكم بالحق.
والله تعالى هو الشهيد؛ لأنه لا يغيب عنه شيء، ولا يحجبه مكان عن مكان، ولا ليل عن نهار، ولا ظاهر عن باطن.
قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المجادلة: 6.
وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الأنعام: 19.
فإذا كانت شهادة البشر محدودة بالحواس والزمان والمكان، فإن شهادة الله مطلقة؛ يعلم ما ظهر وما بطن، وما مضى وما يأتي، وما في الأرض وما في السماء، وما تخفيه الصدور.
ولهذا جاء اسم «الشهيد» في القرآن مقرونًا بالإحاطة المطلقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ الحج: 17.
ثانيًا: الشهيد بين الحضور والرؤية والإحاطة
ليس معنى كون الله تعالى «شهيدًا» أنه حاضر حضور الأجسام في الأمكنة؛ فالله سبحانه منزَّه عن صفات خلقه. وإنما المقصود إحاطة علمه وسمعه وبصره وقدرته بكل شيء.
وهذا المعنى يظهر بوضوح في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ المجادلة: 7.
وقد فسّر السعدي هذه المعية بأنها معية علم وإحاطة، أي أن الله تعالى يعلم ما يتناجى به الناس وما يخفونه في صدورهم، ولا يخفى عليه من أمرهم شيء.
وهنا يلتقي معنى «الشهيد» بمعنى «الرقيب». فالرقابة الإلهية ليست كاميرا تلتقط الحركة، بل علم محيط يقرأ الحقيقة في أعماقها.
أنت قد تستطيع أن تبتسم أمام الناس وقلبك مكسور، والله يعلم انكسارك.
وقد تستطيع أن تتكلم بكلمات جميلة، بينما نيتك تريد غير ما تقول، والله يعلم مقصدك.
وقد تفعل الخير ولا يراك أحد، لكن الله يراه.
وقد يضيع حقك في محكمة الأرض، فلا تجد شاهدًا، ولا وثيقة، ولا صوتًا يناصر المظلوم، لكنك لم تفقد الشاهد الأعظم.
وهذه إحدى أجمل الطمأنينات التي يمنحها اسم «الشهيد» للمؤمن: أن الحقيقة لا تضيع عند الله.
ثالثًا: «الشهيد» في القرآن الكريم
تكرر معنى الشهادة الإلهية في مواضع كثيرة من القرآن، وكل موضع يفتح نافذة جديدة على الاسم.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾ آل عمران: 98.
فالله شاهد على العمل، وليس العمل مجرد حركة تنتهي بانتهائها، بل فعلٌ محفوظ في علم الله.
وقال سبحانه في شأن عيسى عليه السلام: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المائدة: 117.
وهذه الآية تجمع بين «الشهادة» و«الرقابة»، وتبين أن علم الله لا يتوقف على وجود الأنبياء بين أقوامهم؛ فالناس لا يغيبون عن نظر الله إذا غاب عنهم البشر. وقد قرر السعدي أن الله مطلع على السرائر والضمائر، وأن علمه وسمعه وبصره محيط بأعمال الخلق.
وقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الإسراء: 96.
يا لها من كلمة تسند القلب حين تضيق شهادة الناس!
قد يسيء الناس فهمك، وقد يعجز لسانك عن الدفاع عن نفسك، وقد تتحول الحقيقة في ألسنة الآخرين إلى روايات مشوهة، لكن المؤمن لا يجعل حكم الناس آخر المطاف؛ لأن هناك علمًا إلهيًا لا يخطئ.
رابعًا: الشهيد والإنسان الخفي
من أعمق آثار الإيمان باسم الله الشهيد أنه يصنع في الإنسان أخلاقًا لا تحتاج إلى جمهور.
هناك فرق كبير بين إنسان يفعل الخير لأن الناس تنظر إليه، وإنسان يفعله لأن الله يراه.
الأول قد يتغير إذا غابت العيون، أما الثاني فقد استقامت له البوصلة الداخلية.
وهنا تظهر قيمة الإخلاص.
فالصدقة التي لا يصفق لها أحد، والدمعة التي لا يعرفها أحد، والركعة في آخر الليل، والعفو الذي لا يسمع به أحد، وحبس كلمة جارحة، وإغاثة إنسان لا يستطيع رد الجميل؛ كل ذلك يتحول في الوعي الإيماني إلى أفعال ذات معنى، لأن الله «الشهيد» شاهد عليها.
وقد جاء في الحديث المشهور عن الإحسان:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث يختصر جوهر المراقبة: أن يتحول حضور الله في المعرفة إلى حضور في السلوك.
فالمراقبة ليست خوفًا مرضيًا، ولا شعورًا بالاختناق، وإنما هي يقظة قلبية تجعل الإنسان أكثر صدقًا واتزانًا.
خامسًا: البعد النفسي لاسم الله الشهيد
من الناحية النفسية، يحتاج الإنسان إلى معنى يشعر معه أن وجوده ليس مهملًا، وأن آلامه ليست بلا شاهد، وأن جهده لا يضيع في الفراغ.
وهنا يأتي اسم «الشهيد» بوصفه مصدرًا عميقًا للمعنى.
تخيل إنسانًا يعمل سنوات طويلة ولا يلتفت إليه أحد. أمٌّ تسهر على طفلها، وأبٌ يحمل همَّ أسرته، وطبيب يواصل عمله في صمت، ومعلم يزرع في عقول طلابه بذورًا قد لا يرى ثمرها، وباحث يقضي أعوامًا في المختبر، وإنسان مجهول يقضي حاجة فقير ثم يمضي.
قد لا يملك المجتمع سجلًا كاملًا بهذه الأعمال، لكن الله لا يغيب عنه شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 197.
وهذا الإدراك يحرر النفس من إدمان الاعتراف الاجتماعي.
فالإنسان المعاصر قد يصبح أسيرًا لسؤال: من رآني؟ من أعجب بي؟ من أثنى عليّ؟ من ذكر اسمي؟
أما اسم «الشهيد» فينقل السؤال من: «هل رآني الناس؟»
إلى: «هل رضي الله عن عملي؟»
ومن: «هل أعجبوا بي؟»
إلى: «هل صدقت نيتي؟»
وهذه نقلة نفسية عميقة من الاعتماد على الخارج إلى بناء الضمير في الداخل.
سادسًا: الشهيد ومشكلة الرياء في العصر الرقمي
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإنسان يعيش في فضاء دائم من العرض والمشاهدة. الصورة تُلتقط قبل أن تُعاش اللحظة، والطعام قد يُصوَّر قبل أن يُذاق، والعمل الخيري قد يتحول إلى مادة للنشر، والرحلة قد تصبح مناسبة لإثبات السعادة أكثر من كونها تجربة إنسانية.
وهنا يكتسب اسم الله «الشهيد» دلالة تربوية شديدة الأهمية.
ليس السؤال: هل يجوز أن يرى الناس العمل الصالح؟
فقد يكون إظهار الخير مشروعًا في مواضع كثيرة، وقد قال تعالى:
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ البقرة: 271.
ولكن السؤال الأعمق هو: لمن يتجه القلب؟
قد يفعل الإنسان الخير أمام الناس وقلبه مع الله، وقد يفعل العمل نفسه وقلبه مع تصفيق الناس.
والفعل الواحد قد تتشابه صورتهما وتختلف حقيقتاهما بالنية.
لذلك كان اسم «الشهيد» دواءً للرياء؛ لأن العبد إذا استقر في قلبه أن الله يراه، لم يعد محتاجًا إلى صناعة صورة مثالية لنفسه أمام الخلق.
إن الله لا ينظر إلى الواجهة وحدها، بل يعلم ما وراءها.
سابعًا: الشهيد والعلاقات الاجتماعية
الإيمان بأن الله شهيد على كل شيء يمكن أن يعيد بناء العلاقات الإنسانية.
فكم من ظلم وقع لأن الظالم ظن أن سلطته تحميه!
وكم من أمانة ضاعت لأن صاحبها اعتقد أن لا أحد يعلم!
وكم من كلمة كسرت قلب إنسان ثم قيل: «لم يسمعها أحد».
لكن الله سمعها.
وكم من إنسان أُهين أمام الناس ولم يجد من ينصفه، ثم عاد إلى بيته يحمل حزنه وحده.
الله يعلم.
ومن هنا فإن اسم «الشهيد» يؤسس لأخلاق اجتماعية رفيعة: الأمانة، والعدل، وحفظ الحقوق، وصيانة الغيبة، والوفاء بالعهود، وعدم استغلال ضعف الآخرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء: 1.
فالمجتمع الذي يعيش أفراده هذا المعنى لا يحتاج إلى كثرة القوانين وحدها؛ لأن القانون الخارجي لا يستطيع أن يدخل كل بيت، ولا أن يرافق الإنسان في خلوته، أما الضمير الذي استيقظ على معنى الشهادة الإلهية فإنه يحمل الرقابة معه أينما ذهب.
ثامنًا: «الشهيد» والعدل يوم القيامة
من أجمل ما يكشف معنى الاسم أن الله تعالى لا يترك الحقيقة معلقة إلى الأبد.
في الدنيا قد يختلف الشهود، وتضيع الأوراق، وتختلط الروايات، ويغلب القوي الضعيف، وقد يموت المظلوم قبل أن يرى إنصافه.
أما في الآخرة فالمشهد مختلف.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ المجادلة: 6.
فالإنسان قد ينسى، لكن الله لا ينسى.
وقد وصف السعدي هذا المعنى بأن الله أحصى الأعمال الظاهرة والباطنة، والخفايا والسرائر، وأن الخلق قد ينسون أعمالهم بينما هي محفوظة عند الله.
وهذا المعنى ليس دعوة إلى الرعب، بل إلى المسؤولية.
فكل لحظة لها وزن. وكل كلمة لها أثر. وكل موقف أخلاقي، ولو بدا صغيرًا، داخل في علم الله.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
فقد يكون العمل في عين صاحبه صغيرًا، لكنه في ميزان الله عظيم إذا صدقت فيه النية.
تاسعًا: بين الخوف والرجاء
قد يقرأ الإنسان اسم «الشهيد» فيشعر بالخوف؛ لأن الله يعلم كل شيء. وهذا شعور صحيح إذا قاده إلى التوبة، لكنه يصبح مؤذيًا إذا تحول إلى يأس.
فالله الذي يعلم الذنب يعلم الندم. والذي يرى السقوط يرى النهوض. والذي يعلم ضعف الإنسان يعلم صدقه حين يعود.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الزمر: 53.
إن اسم «الشهيد» ينبغي أن يضع الإنسان بين جناحين: الخوف والرجاء.
الخوف من أن يفعل ما يستحيي أن يلقى الله به.
والرجاء في أن يجد عند الله من الرحمة ما يجبر به ما انكسر.
وهكذا لا يتحول الدين إلى رعب، ولا يتحول الرجاء إلى غفلة.
عاشرًا: الإشارة الصوفية والجمالية في اسم «الشهيد»
في التجربة الروحية، ليس أصعب ما يطلبه السالك أن يعرف أن الله يراه؛ بل أن يصبح هذا العلم حيًا في قلبه.
قد يعرف العقل أن الله شهيد، لكن القلب ينسى.
وقد يحفظ اللسان اسم «الشهيد»، بينما يعيش السلوك كأن الله غائب.
ولهذا كانت التربية الروحية انتقالًا من علم المعلومة إلى حال القلب.
فالعارف لا يحتاج إلى ضجيج كبير كي يتذكر ربه؛ يكفيه أن يرى قطرة ماء على ورقة، أو يسمع صوت طفل، أو يمشي في طريق خالٍ، فيستشعر أن الكون كله قائم تحت عين الله.
ليس معنى ذلك أن الله تعالى يحل في الأشياء أو يتحد بها، حاشاه سبحانه، وإنما المعنى أن الآيات الكونية توقظ القلب إلى عظمة الخالق وعلمه وإحاطته.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الحديد: 4.
وهنا يصبح الكون كتابًا مفتوحًا، وتصبح اللحظة العادية نافذة على المعنى.
فيجلس الإنسان وحده، لكن الوحدة لا تعود فراغًا. ويمشي في الليل، لكن الليل لا يعود ظلمة. ويبكي، لكن البكاء لا يعود مجهولًا. ويعمل، ولو لم يصفق له أحد، لأن هناك شاهدًا أعظم من الجمهور كله.
حادي عشر: صورة أدبية تطبيقية
لنتخيل رجلًا يعود آخر النهار إلى منزله. كان متعبًا، وقد أخطأ في حقه أحد زملائه، ونُسب إليه تقصير لم يرتكبه.
جلس وحده، والغضب يشتعل في صدره.
كان يستطيع أن يرد الإساءة بإساءة، وأن يكتب رسالة جارحة، وأن يفضح زميله أمام الآخرين.
ثم سكت.
قال في نفسه: «الله شهيد».
لم تكن العبارة مجرد كلمتين؛ كانت ماءً باردًا على نار القلب.
قال: إن كنت مظلومًا فالله يعلم. وإن أخطأتُ فأنا أعلم أن الله يعلم. وإن ردَدْتُ الظلم بظلم فلن أكون قد استعدت حقي، بل سأضيف إلى صحيفتي فعلًا آخر.
فهدأ.
وفي اليوم التالي ذهب إلى عمله، وقال لزميله بهدوء: «لقد آلمني ما حدث، لكنني لا أريد أن أكون جزءًا من دائرة الأذى».
تلك اللحظة هي إحدى ثمار الإيمان باسم «الشهيد»: أن يصبح الإنسان قادرًا على ضبط نفسه لأنه يعلم أن الله يرى.
وهكذا يتحول الاسم من موضوع في كتاب إلى خلق يمشي على قدمين.
ثاني عشر: من المراقبة إلى الإحسان
الإيمان باسم «الشهيد» يبلغ ذروته العملية في مقام الإحسان.
فحين يستحضر الإنسان أن الله يراه، يبدأ في إصلاح الظاهر.
وحين يعلم أن الله يعلم السرائر، يبدأ في إصلاح الباطن.
وحين يتيقن أن الله يشهد أعماله، يبدأ في تنقية نيته.
وهنا تتكامل ثلاثة مستويات:
العقيدة: الله شهيد على كل شيء. الوعي النفسي: إذن أنا مسؤول عن ظاهري وباطني. السلوك الاجتماعي: إذن لا أظلم أحدًا، ولا أخون أمانة، ولا أستغل غائبًا.
وهذه هي قيمة أسماء الله الحسنى في التربية الإسلامية: ليست مجرد أسماء تحفظ، وإنما معانٍ تُعاش.
خاتمة
اسم الله «الشهيد» يفتح أمام الإنسان بابًا واسعًا من المعرفة والتزكية.
هو الله الذي لا يغيب عنه شيء، ولا تضيع عنده حقيقة، ولا يختفي عنه سر، ولا تمر عليه لحظة بلا علم.
يشهد ضعفنا وقوتنا، صدقنا وكذبنا، دموعنا وابتساماتنا، أعمالنا ونياتنا.
وإذا كان الإنسان يستطيع أن يخدع الناس بعض الوقت، فإنه لا يستطيع أن يخدع الله لحظة واحدة.
لكن هذا العلم الإلهي ليس فقط موضع خوف؛ إنه أيضًا موضع أنس.
فحين تُظلَم، تذكر أن الله شهيد. وحين تعمل في صمت، تذكر أن الله شهيد. وحين تخلص في عمل لا يراه أحد، تذكر أن الله شهيد.وحين تخطئ ثم تندم، تذكر أن الله يعلم رجوع قلبك. وحين تقف بين يدي الله في آخر الليل، ولا تجد الكلمات، يكفي أن تعلم أن الله يعلم ما عجز لسانك عن قوله.
وهكذا يتحول اسم «الشهيد» من لفظ محفوظ إلى حياة كاملة:
أن تكون صادقًا لأن الله يراك، وعفيفًا لأن الله يراك، وأمينًا لأن الله يراك، ورحيمًا لأن الله يراك، ومتواضعًا لأن الله يراك، وثابتًا لأن الله لا يضيع عملك.
إن أعظم أثر لهذا الاسم أن يستقيم الإنسان في الخلوة كما يستقيم في الجلوة؛ لأن عين الناس ليست ميزان الحقيقة.
والقلب الذي ذاق معنى «الشهيد» لا يعيش سجينًا لنظرات الخلق، ولا عبدًا لمديحهم وذمهم؛ بل يمضي هادئًا، يحمل في داخله شاهدًا من اليقين: ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
وفي النهاية، ربما كان أجمل ما يفعله هذا الاسم في الروح أنه يعيد ترتيب سؤال الإنسان: ليس المهم أن يعرف الناس من أنا، بل أن يعرف الله حقيقتي؛ وليس المهم أن يُرى عملي، بل أن يُقبل؛ وليس المهم أن تبقى صورتي في ذاكرة البشر، بل أن يبقى أثري في علم الله ورحمته.
فالله هو الشهيد، والعبد عابر.
والناس يرون الصفحة، أما الله فيعلم الكتاب كله.
مراجع مختارة
1. القرآن الكريم، مواضع متعددة، منها: آل عمران: 18، 98؛ الأنعام: 19؛ المائدة: 117؛ الإسراء: 96؛ الحج: 17؛ المجادلة: 6-7؛ النساء: 1؛ الحديد: 4.
2. ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة «شهد»، تحقيق عبد السلام محمد هارون. وقد قرر أن أصل الجذر يدل على الحضور والعلم والإعلام.
3. السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تفسير سورتي المائدة والمجادلة، وخاصة الآيتين: المائدة: 117، والمجادلة: 6-7.
4. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة المائدة، الآية 117، وتفسير سورة المجادلة، الآية 6.
5. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة المجادلة، الآية 6.
6. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، حديث جبريل.
7. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث جبريل؛ وفيه بيان مقام الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
8. ابن منظور، لسان العرب، مادة «شهد».
9. الغزالي، أبو حامد، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى.
10. البيهقي، أحمد بن الحسين، الأسماء والصفات.
11. ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مدارج السالكين، في مباحث المراقبة والإحسان وتزكية القلب.
12. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، مباحث الأسماء والصفات والإحسان.
13. النووي، يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، شرح حديث جبريل ومقام الإحسان
