العَلِيُّ: علوُّ الجلال وجلالُ العلو
دراسة عقدية في ضوء القرآن والسنة والتراث الإسلامي
تمهيد: حين يبحث الإنسان عن العلو
منذ أن وعى الإنسان نفسه وهو ينظر إلى الأعلى. يرفع عينيه إلى السماء حين تضيق به الأرض، ويصعد الجبل حين يريد أن يرى أبعد، ويطلب المكانة حين يشعر في داخله بحنين إلى معنى أكبر من حدود يومه العابر. غير أن القرآن الكريم ينقل مفهوم العلو من مجرد ارتفاع في المكان إلى أفق أعمق: علوٌّ في الجلال، وكمال في الصفات، وسلطان لا تحدّه حدود، وتنزيه لا يبلغه وهم.
ومن هنا يجيء اسم الله العَلِيّ؛ اسمًا يوقظ في القلب معنى الهيبة، وفي العقل معنى التنزيه، وفي النفس معنى التحرر من عبودية ما سوى الله.
فالإنسان قد يعلو بماله ثم يفقر، وبسلطانه ثم يُعزل، وبجماله ثم يذبل، وبعلمه ثم يكتشف أن وراء علمه أبوابًا لا تنتهي. أما الله سبحانه فله العلو المطلق، فلا يشاركه فيه أحد، ولا يلحق كماله نقص، ولا يبلغ جلاله وصف، ولا تحيط به العقول إحاطة المخلوق بالمخلوق.
ولهذا جاء اسم العَلِيّ في القرآن مرتبطًا بأسماء الجلال والكمال؛ قال تعالى:
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ الشورى: 4،
وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ سبأ: 23،
وقال: ﴿وَهُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ الرعد: 9.
إنها ليست ألفاظًا متجاورة فحسب، بل بناء دلالي متكامل: علوٌّ، وعظمة، وكِبَر، وتعالٍ؛ وكلها تشير إلى ربٍّ لا يحدّه وصف، ولا يحيط به تصور، ولا يستحق العبادة سواه.
أولًا: العَلِيُّ في اللغة
العَلِيُّ مأخوذ من مادة علا يعلو علوًّا، وهي في أصل اللغة تدور حول الارتفاع والسمو والشرف والغلبة.
والعلي على وزن فعيل، وهي صيغة تدل على ثبوت الصفة وقوتها؛ ولذلك لا يكون علو الله علوًّا عارضًا، ولا صفة طارئة، بل هو علو ثابت يليق بجلاله.
والعلو في الاستعمال العربي ليس لونًا واحدًا. فنقول: علا البناء، أي ارتفع. ونقول: علا الرجل قومه، أي ارتفع قدره وشرفه. ونقول: علا فلان خصمه، أي غلبه وقهره. ونقول: علا شأن العالم، أي ارتفعت منزلته في العلم.
وهذه الدلالات اللغوية المتعددة تساعد على فهم سعة اسم الله العلي؛ فهو سبحانه المتصف بالعلو الذي يليق به، المنزه عن مشابهة المخلوقين، صاحب الجلال والكمال والسلطان.
وقد بيّن الخطابي في شأن الدعاء أن العلي هو العالي القاهر، وأن اللفظ يحمل معاني العلو والقهر والمجد والشرف، مع تنزيه الله عن أن تحيط به أوهام البشر أو تكيف صفاته.
وهنا يظهر جمال الاسم: فكلما حاول العقل أن يرسم له صورة، جاء التنزيه ليقول له: ليس كمثله شيء. وكلما ظن القلب أنه أحاط، جاء قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ طه: 110.
فالعلو الإلهي ليس مادة يتخيلها الإنسان على مقاييس الأجسام، وإنما هو كمال يليق بالله، مع الإيمان بما أخبر به عن نفسه، وتنزيهه عن مشابهة خلقه.
ثانيًا: العلو الإلهي بين التقرير العقدي والتذوق الروحي
تحدث علماء العقيدة والتفسير عن علو الله بعبارات متعددة، ويمكن جمع أشهر المعاني التي دارت حولها كتب التفسير والعقيدة في ثلاثة مجالات كبرى:
علو الذات
ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه: 5.
وقد أثبت أهل السنة ما ورد في النصوص من غير تشبيه ولا تكييف، مع اختلاف المدارس الكلامية في طريقة تفسير بعض ألفاظ العلو والاستواء.
فمدرسة أهل الحديث والسلف تؤكد إثبات ما أثبته الله لنفسه على الوجه اللائق به، من غير تمثيل ولا تكييف. بينما شدد علماء من الأشاعرة وغيرهم على تنزيه الله عن الجهة والمكان والجسمية، وفسروا العلو بما يليق بالتنزيه، كعلو القهر والقدر والمنزلة.
وهذا الخلاف العلمي ينبغي عرضه بأمانة وهدوء، لا ليكون سببًا للخصومة، وإنما لبيان ثراء التراث الإسلامي وتنوع طرائق العلماء في التعامل مع النصوص.
والقاعدة الجامعة تبقى قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: 11.
علو القدر والصفات
الله سبحانه متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقص. له الأسماء الحسنى والصفات العليا.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ النحل: 60.
وقال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الروم: 27.
ومعنى ذلك أن الكمال المطلق لا يكون إلا لله؛ أما كمال المخلوق فمحدود، موهوب، قابل للزوال.
قد يكون الإنسان عالمًا، لكن علمه محاط بالجهل. وقد يكون قويًا، لكن قوته يقطعها المرض. وقد يكون غنيًا، لكن المال لا يشتري له الخلود. وقد يكون عزيزًا في قومه، ثم يصبح ذكرى في كتاب.
أما الله سبحانه فله الكمال المطلق الذي لا يسبقه عدم ولا يلحقه زوال.
علو القهر والسلطان
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الأنعام: 18.
كل قوة في الكون مخلوقة ومحدودة، أما قدرة الله فلا يخرج عنها شيء.
ولهذا كان إدراك علو الله علاجًا عميقًا لوهم القوة البشرية المطلقة. فالطاغية قد يملك قصرًا، وجيشًا، وحرسًا، ومنابر إعلامية، لكنه لا يملك قلبه ولا أجله ولا مستقبل سلطانه.
وفي المقابل، قد يكون الإنسان فقيرًا في أعين الناس، ولكنه غني بالله، ثابت القلب، عزيز النفس، لأن قلبه لم يعد معلقًا بما في أيدي الخلق.
وهنا تتحول العقيدة إلى تربية نفسية واجتماعية.
ثالثًا: العَلِيُّ في القرآن الكريم
لا يقدم القرآن أسماء الله باعتبارها ألفاظًا للحفظ المجرد، بل يجعلها مفاتيح لفهم الحياة.
في آية الكرسي يأتي ختام الآية: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة: 255.
تأتي هذه الخاتمة بعد الحديث عن ملك الله، وعلمه، وقيوميته، وعدم نومه، وسعة ملكه. وكأن السياق كله يرفع القلب من مشاهدة العالم إلى معرفة مالك العالم.
وفي سورة الشورى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ الشورى: 4.
فالعلو هنا مرتبط بالملك.
وفي سورة سبأ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ الحج: 62.
وفي سورة الرعد: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ الرعد: 9.
إن تكرار هذه المعاني في القرآن ليس تكرارًا لغويًا جامدًا، بل ترسيخ لمعنى واحد في صور متعددة: أن الحقيقة العليا هي الله، وأن كل ما سواه محدود وفانٍ ومحتاج.
ومن هنا يمكن فهم قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن: 26-27.
فالمخلوق يتحرك في دائرة الفناء، والخالق سبحانه له البقاء.
رابعًا: العَلِيُّ في السنة النبوية
كان النبي ﷺ يربي أصحابه على معرفة الله في أوقات القوة والضعف، وفي الرخاء والكرب.
ومن دعائه ﷺ عند الكرب، كما في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما:
«لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم».
وهذا الدعاء يحمل معنى نفسيًا عميقًا؛ فالإنسان حين تضيق به الأسباب يحتاج إلى إعادة ترتيب داخله: ما الذي يخيفني؟ ومن أملك مني؟ ومن أملك لقلبي؟ ومن بيده الأمر كله؟
حينها ينتقل القلب من تضخيم المشكلة إلى تعظيم الله.
وقد جاء في بعض ألفاظ الأدعية النبوية ذكر: «العلي العظيم»، كما اشتهر في أذكار النبي ﷺ وأدعيته، فيلتقي الاسم في السنة مع حضوره القرآني في مقام التعظيم والافتقار.
والدعاء هنا ليس مجرد كلمات تقال في لحظة الخوف؛ إنه إعادة بناء للرؤية. فإذا امتلأ القلب بعظمة الله، صغرت في عينه الأشياء التي كانت تستعبده.
خامسًا: البعد النفسي لاسم الله العَلِيّ
من أخطر أمراض النفس الإنسانية أن تجعل الأشياء الصغيرة كبيرة، والأشياء الكبيرة صغيرة.
قد يفقد الإنسان وظيفة فيشعر أن حياته انتهت. وقد يسمع كلمة نقد فيظن أن قيمته انهارت. وقد يخسر علاقة فيشعر أنه فقد العالم كله.
لكن معرفة الله العلي تعيد ترتيب سلم القيم.
إن كنت تعرف أن الله أعلى من كل شيء، فلا تجعل رضا الناس إلهًا خفيًا في قلبك.
وإن كنت تعرف أن الله أكبر من كل خسارة، فلا تجعل خسارتك أكبر من إيمانك.
وإن كنت تعرف أن الله فوق سلطان الخلق وقهرهم، فلا تسمح للخوف منهم أن يحطم كرامتك.
ومن هنا يرتبط اسم العلي بمفهوم نفسي معاصر يمكن تسميته: إعادة التأطير المعرفي؛ أي تغيير الطريقة التي يرى بها الإنسان الحدث من خلال تغيير الإطار الذي يفسره داخله.
قد يكون الحدث واحدًا، لكن تفسيره مختلف.
فشاب يفشل في امتحان قد يقول: «أنا فاشل».
وشاب آخر يقول: «لقد فشلت في امتحان».
الجملة الأولى تجعل الفشل هوية، والثانية تجعله تجربة.
والمؤمن حين يتأمل علو الله يقول في داخله: «هذا الحدث كبير بالنسبة إليّ، لكنه ليس أكبر من الله».
وهنا يبدأ الاتزان.
سادسًا: العلو الحقيقي لا يعني التعالي على الناس
وهذه من أهم القضايا التربوية التي يكشفها اسم العلي.
فالإنسان قد يخلط بين العلو والاستعلاء.
العلو المحمود هو رفعة النفس بالطاعة والعلم والخلق.
أما الاستعلاء فهو احتقار الآخرين وطلب التفوق عليهم بالكبر.
وقد حذر القرآن من الكبر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ لقمان: 18.
وقال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
فسأله رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ فقال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
وهنا تظهر المفارقة الصوفية الجميلة: كلما عرفت علو الله، قلَّ تعاليك على خلق الله.
فمن عرف الكبير حقًا لم يحتج أن يتكبر. ومن ذاق العزة بالله لم يحتج إلى إذلال الضعفاء. ومن عرف أن الفضل كله من الله لم ير لنفسه فضلاً مستقلًا.
ولهذا كان التواضع علامة من علامات النضج الروحي، لا علامة ضعف.
سابعًا: العَلِيُّ وبناء الإنسان الاجتماعي
يمكن أن يكون لاسم الله العلي أثر في إصلاح العلاقات الاجتماعية.
فالمجتمع الذي تتضخم فيه عبادة المكانة يصبح مجتمعًا شديد القلق؛ يتنافس الناس على المناصب، والألقاب، والثروة، والصورة الاجتماعية.
أما حين يعلم الإنسان أن الرفعة الحقيقية عند الله، تتغير معايير القيمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13.
ليس الأعلى صوتًا هو الأعلى قدرًا. وليس الأكثر مالًا هو الأكثر كرامة. وليس صاحب المنصب أرفع عند الله لمجرد منصبه.
قد ترى رجلًا بسيط الثياب، قليل الكلام، مجهولًا في المدن، ولكنه عند الله صاحب قلب حي. وقد ترى مشهورًا تملأ صوره الشاشات، بينما هو في داخله فقير إلى معنى يملأ فراغه.
وهنا يصبح اسم العلي قوة أخلاقية تحرر الإنسان من عبودية الصورة الاجتماعية.
ثامنًا: العلو في التربية الروحية
التصوف في جانبه التربوي الصحيح لا يجعل العلو هروبًا من العالم، وإنما يجعل القلب أرفع من أن تستعبده الدنيا.
كان الصوفيون يتحدثون كثيرًا عن ارتفاع الهمة.
فالهمة العالية لا تعني احتقار الناس، وإنما تعني ألا ترضى النفس بالدون في علاقتها بالله.
ولهذا قال أبو الطيب المتنبي:
وإذا كانت النفوسُ كبارًا تعبت في مرادِها الأجسامُ
فالهمة الكبيرة تجعل صاحبها يحتمل المشقة في سبيل المعنى.
لكن أعلى الهمم ليست في جمع الدنيا، بل في إصلاح القلب.
أن تكون صادقًا حين لا يراك أحد. أن تعفو حين تستطيع الانتقام. أن تصمت حين يكون الكلام ظلمًا. أن تعطي دون انتظار التصفيق. أن تقوم آخر الليل وقلبك يعلم أنه بين يدي من هو العلي العظيم.
هنا يتحول الاسم من معلومة إلى حياة.
تاسعًا: قصة إنسانية تأملية — حين ارتفع القلب
لنتخيل رجلًا اسمه سالم، كان يعمل في مؤسسة كبيرة، وكان يظن أن قيمته كلها في منصبه.
كل صباح يدخل مكتبه منتصب الظهر، وكلما مدحه مديره شعر أنه مهم، وكلما انتقده أحد انكمش داخله.
ثم جاء يوم تغير فيه المدير، وفقد سالم منصبه. عاد إلى بيته تلك الليلة كمن فقد نفسه. جلس طويلًا دون كلام.
ثم سمع من غرفة مجاورة ابنه الصغير يقرأ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
توقفت عيناه.
قال في نفسه: «إذا كان الله هو العلي العظيم، فلماذا جعلت أنا منصبي معيار علوّي؟»
لم يتغير العالم في تلك اللحظة، ولم يعد إليه منصبه، ولم تختفِ حاجته إلى المال.
لكن شيئًا تغير في داخله.
بدأ يبحث عن عمل جديد، نعم، ولكنه لم يعد يبحث عن نفسه في الوظيفة.
صار يعمل، ويتعلم، ويقبل النجاح إذا جاء، ويقبل التأخر إذا تأخر، دون أن يجعل أيًّا منهما إلهًا لقلبه.
هذه القصة ليست رواية تاريخية، وإنما صورة تربوية يمكن أن تتكرر في حياة كثير من الناس.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى تغيير الواقع حتى يستعيد توازنه؛ أحيانًا يحتاج إلى تغيير المعنى الذي يمنحه للواقع.
عاشرًا: الفرق بين العَلِيّ والأعلى والمتعال
تتقارب هذه الأسماء في المعنى، لكنها ليست متطابقة تمامًا في الدلالة.
العلي يدل على العلو والكمال والرفعة.
والأعلى أبلغ في معنى الانفراد بالعلو، كما في قوله تعالى:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الأعلى: 1.
والمتعال يحمل معنى التعالي والقهر والتنزه عن مشابهة الخلق، قال تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ الرعد: 9.
وهذه الفروق لا ينبغي أن تحول الأسماء الحسنى إلى مجرد تمرين لغوي؛ فالمقصود أن نعرف الله بها، وأن نتعبد له بمقتضاها.
فالذي يقول: «يا علي» أو «يا عظيم» ينبغي أن يستشعر أنه يخاطب ربًا أعلى من كل خوف، وأكبر من كل هم، وأعظم من كل ما يخطر في القلب.
حادي عشر: بين العلو الإلهي والتواضع الإنساني
كلما ارتفع الإنسان بالله تواضع للناس.
وهذه قاعدة روحية عميقة.
فالذي يظن أن رفعته في أن يكون فوق الآخرين يعيش في صراع دائم؛ يحتاج إلى شخص أدنى منه حتى يشعر أنه أعلى.
أما من جعل الله غايته، فلا يحتاج إلى تحطيم أحد كي يشعر بقيمته.
كان النبي ﷺ سيد الخلق، ومع ذلك كان من أكثر الناس تواضعًا؛ يخدم أهله، ويجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجيب دعوة الضعيف، ويواسي الفقير.
وهنا يظهر الفرق بين العظمة الإلهية والغرور البشري.
العظمة الحقيقية تفيض رحمة. أما الغرور فيحتاج إلى جمهور يصفق له.
العظمة تعطي. والغرور يطلب.
العظمة تسند الضعيف. والغرور يبحث عن الضعفاء ليسحقهم.
ثاني عشر: اسم العَلِيّ في مواجهة القلق المعاصر
يعيش الإنسان المعاصر وسط ضجيج لا ينقطع: أخبار، مقارنات، مواقع اجتماعية، منافسة، استهلاك، خوف من المستقبل، وقلق من نظرة الآخرين.
وقد أصبح كثير من الناس يعيشون على «مقياس الآخرين».
كم أعجبهم؟ كم تابعوني؟ كم ربحت؟ كم نجحت؟ كم سبقني الآخرون؟
في هذا المناخ يأتي اسم الله العلي ليعيد السؤال إلى موضعه الصحيح:
أين أنت من الله؟
ليس السؤال: كم يراك الناس؟ بل: هل يراك الله صادقًا؟
ليس السؤال: هل أنت أعلى من غيرك؟ بل: هل قلبك اليوم أصفى من قلبك بالأمس؟
ليس السؤال: كم جمعت؟ بل: ماذا أعطيت؟
هذه الأسئلة تنقل الإنسان من المقارنة الاجتماعية إلى المحاسبة الروحية.
ومن التنافس مع الخلق إلى السير إلى الحق.
خاتمة: حين يصبح العلو طريقًا إلى الانكسار لله
اسم الله العلي ليس فكرة تجريدية معلقة في كتب العقيدة، ولا لفظًا يمر على اللسان ثم ينتهي.
إنه اسم يغير طريقة الإنسان في رؤية نفسه والعالم. إذا عرفت أن الله علي، فلا تجعل الدنيا فوق قلبك. وإذا عرفت أنه عظيم، فلا تضخم همومك حتى تصبح أكبر من إيمانك. وإذا عرفت أنه قاهر فوق عباده، فلا تجعل سلطان البشر نهاية العالم. وإذا عرفت أن له المثل الأعلى، فلا تبحث عن الكمال المطلق في مخلوق ناقص. وإذا عرفت أن العلو لله، فتعلم أنت التواضع.
إن أعظم أثر روحي لاسم العلي أن ينقل الإنسان من علو النفس إلى علو الهمة، ومن علو الهمة إلى صدق العبودية.
فالعارف بالله لا يرى نفسه فوق الناس؛ بل يرى فضل الله فوقه.
ولا يزداد علمًا إلا ازداد خشية. ولا يزداد مكانة إلا ازداد تواضعًا. ولا يزداد قوة إلا ازداد رحمة.
وكأن القلب، كلما صعد في معرفة الله، ازداد انحناءً بين يديه.
وهذه مفارقة العارفين: يرتفع القلب بالله، فينخفض عن الكِبر. ويقوى بالله، فيرحم الضعفاء. ويستغني بالله، فلا يذل للخلق. ويعرف علو الله، فيعرف قدر نفسه.
ولذلك فإن أعظم العلو الإنساني ليس أن تكون فوق الناس، بل أن تكون فوق شهواتك.
ليس أن تنتصر في كل جدال، بل أن تنتصر على غضبك. ليس أن يهابك الناس، بل أن يأمن الناس جانبك. ليس أن تملك كثيرًا، بل ألا يملكك ما تملك.
ومن هنا يصبح اسم الله العلي رحلة من السماء إلى القلب: يبدأ بالمعرفة، ويمر بالتنزيه، وينضج في التوحيد، ثم يظهر أثره في السلوك.
فإذا استقر الاسم في القلب، لم يعد الإنسان عبدًا لمكانته، ولا أسيرًا لنظرة الناس، ولا مكسورًا أمام تقلّبات الدنيا.
يصبح له في داخله مقام هادئ يقول: الله أعلى من خوفي، وأكبر من حزني، وأعظم من خسارتي، وأقرب إلى قلبي من كل ما أطلب.
وهكذا يخرج اسم العلي من صفحات الكتب إلى نبض الحياة؛ فيصبح عقيدةً تهدي العقل، وذكرًا يطمئن القلب، وأخلاقًا تصلح المجتمع، وبصيرةً تعيد للنفس ميزانها.
وحينئذ لا يعود العلو مجرد ارتفاع، بل يصبح تحررًا.
تحررًا من عبودية البشر. ومن عبودية الصورة. ومن عبودية المال. ومن عبودية الشهرة. ومن عبودية الخوف. حتى لا يبقى في القلب إلا الواحد الأعلى.
قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ الأعلى: 1-3.
فسبحان من علا فليس فوقه شيء، وعظم فليس لكماله حد، وقهر فليس عن سلطانه مفر، ورحم فليس عن رحمته غنى.
وسبحان من كان علوه دعوةً للقلوب أن ترتفع عن الصغائر، لا أن تتكبر على الخلائق.
وكلما نادى المؤمن ربَّه في خلوته: يا علي، فليسمع في أعماقه نداءً آخر:
ارفع قلبك عن كل ما سوى الله، ولا تجعل شيئًا فانياً غايةً لروحك، واجعل طريقك إلى العلو يبدأ دائمًا من سجدة.
فربما كان الإنسان أقرب ما يكون إلى العلو الحقيقي حين يضع جبهته على الأرض، ويقول بقلب منكسر:
سبحان ربي الأعلى.
مراجع مختارة
1. القرآن الكريم:.
2. البخاري، الصحيح، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب.
3. الخطابي، شأن الدعاء، باب شرح اسم الله «العلي».
4. ابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
5. الماوردي، النكت والعيون.
6. ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
7. البغوي، معالم التنزيل.
8. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
9. عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
10. فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب.
11. ابن القيم، مدارج السالكين، والكافية الشافية.
12. أحمد بن عجيبة، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد.
13. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير.
14. المتنبي، ديوان المتنبي، في أبواب الهمة والعزم.
15. دراسات معاصرة في علم النفس الديني، وإعادة التأطير المعرفي، وعلاقة التدين بالمعنى والطمأنينة النفسية.
