الحكم: من سلطان الفصل إلى سكينة الحكمة دراسة دينية اجتماعية نفسية في دلالات الحكم وأثره في إصلاح الإنسان والمجتمع

الحكم: من سلطان الفصل إلى سكينة الحكمة دراسة دينية اجتماعية نفسية في دلالات الحكم وأثره في إصلاح الإنسان والمجتمع
مقدمة كلمة الحُكم من الكلمات الواسعة الدلالة في اللغة العربية؛ فهي لا تقف عند باب القضاء، ولا تنحصر في أروقة السياسة، ولا تقتصر على الأحكام الشرعية، بل تمتد لتلامس حياة الإنسان كلها. فالحكم قد يكون فصلاً بين خصمين، وقد يكون نظامًا يدير شؤون جماعة، وقد يكون بيانًا شرعيًا يميز الحلال من الحرام، وقد يكون حكمةً تهدي العقل إلى الرشد، بل إن الإنسان في حياته اليومية يمارس نوعًا من الحكم حين يختار بين طريقين، أو يوازن بين مصلحتين، أو يكبح غضبه، أو يراجع نفسه قبل أن يحكم على غيره. ومن هنا تبدو الكلمة كأنها شجرةٌ واحدة، تمتد جذورها في اللغة، ثم تتشعب أغصانها في الدين والقضاء والسياسة والأخلاق وعلم النفس والاجتماع. غير أن أصلها الجامع هو المنع والفصل والإتقان ووضع الشيء في موضعه. ولهذا كان الحكم العادل مانعًا للظلم، وكانت الحكمة مانعةً من الخطأ، وكان الحكم الشرعي منظمًا للسلوك، وكان ضبط النفس حكمًا داخليًا يحول بين الإنسان وبين اندفاع الهوى. وفي عالمٍ تتكاثر فيه الآراء، وتتسارع فيه الأحكام، ويصبح الإنسان أحيانًا قاضيًا على الآخرين قبل أن يعرف قصتهم، تزداد الحاجة إلى فهم معنى الحكم فهمًا عميقًا. فالإنسان قد يخطئ في الحكم لأنه لم يسمع، وقد يظلم لأنه لم يتثبت، وقد يقسو لأنه رأى جزءًا من الحقيقة وظنه الحقيقة كلها. ولهذا كان من أجمل ما يتعلمه الإنسان أن يتأنى قبل أن يحكم، وأن يعدل إذا حكم، وأن يرجع إلى الحق إذا ظهر له. فليس الشأن أن تمتلك حكمًا، وإنما الشأن أن يكون حكمك قريبًا من العدل، بعيدًا عن الهوى، متصلًا بالعلم، مشبعًا بالرحمة. أولًا: المعنى اللغوي والاصطلاحي للحكم تدور مادة حكم في العربية حول المنع والفصل والإتقان. ويقال: حكم الحاكم بين الناس إذا فصل في خصومتهم، وحكمت الدابة إذا وضعت لها الحَكَمة، وهي ما يمنعها من الانفلات. وكأن الحكم في جوهره قوةٌ تضبط الفوضى، وتمنع التعدي، وترد الأمور إلى ميزانها. ومن هذا الأصل تعددت استعمالات الكلمة، فمنها: 1 - الحكم القضائي وهو الفصل بين المتنازعين، وإعطاء كل ذي حق حقه وفق الأدلة والقوانين أو الأصول الشرعية. والقاضي في هذه الحال لا ينبغي أن يحكم بعاطفة مجردة، ولا بانطباع سريع، بل عليه أن يسمع ويفهم ويتثبت. وقد جاء في الحديث الشريف: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». وهذا المعنى يفتح بابًا مهمًا، وهو أن الحكم المسؤول ليس مجرد إعلان للرأي، بل هو بحث واجتهاد وطلب للحق. 2 - الحكم السياسي والإداري وهو إدارة شؤون الجماعة والدولة، وتنظيم المصالح، وحماية الحقوق، وتحقيق قدر من الأمن والاستقرار والعدالة. وليس الحكم في هذا المعنى امتلاكًا للسلطة فحسب؛ لأن السلطة قد تكون في يد إنسان، ولكن العدل قد يكون غائبًا عن قلبه. لذلك فإن قيمة الحكم لا تقاس بقوة الحاكم وحدها، بل بقدرته على خدمة الناس، وحماية الضعيف، ومنع الظلم. 3 - الحكم الشرعي وهو بيان موقف الشريعة من أفعال المكلفين، من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم. والحكم الشرعي لا يراد به التضييق على الإنسان، بل تنظيم حياته بما يحقق له الخير في دينه ودنياه. فالشريعة في جوهرها ليست مجموعة أوامر مبعثرة، وإنما نظام أخلاقي وروحي واجتماعي يسعى إلى حفظ الإنسان: عقله، ونفسه، وكرامته، وأسرته، وماله، ومجتمعه. 4 - الحكم بمعنى الحكمة وقد تستعمل الكلمة في معنى المعرفة الراشدة، والنظر العميق، والقول الذي يجمع التجربة والمعنى. والحكمة ليست كثرة الكلام، بل قد تكون كلمة واحدة تغير مسار حياة إنسان. قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ البقرة: 269. إن الحكمة أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تعفو، ومتى تحزم، ومتى تؤجل قرارًا لأن النفس مضطربة، ومتى تتقدم لأن التأخير يصبح نوعًا من الهروب. 5 - الحكم في الرياضة والحياة اليومية وفي الرياضة، الحكم هو من يراقب تطبيق القواعد ويمنع الفوضى ويحاول حفظ العدالة بين المتنافسين. وهذه الصورة البسيطة يمكن أن تكون مثالًا اجتماعيًا مهمًا: فالمجتمع أيضًا يحتاج إلى قواعد عادلة، وإلى مؤسسات تحفظ الحقوق، وإلى أفراد يتعلمون احترام النظام. ثانيًا: الله سبحانه هو الحَكَم من أعظم ما يمنح مفهوم الحكم عمقه الإيماني أن الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى. فهو العليم الذي لا تخفى عليه الخفايا، والخبير الذي يعلم السر وأخفى، والعادل الذي لا يظلم أحدًا. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الأنعام: 57. وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الشورى: 10. وقال جل شأنه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ الأنعام: 114. فالله هو الحَكَم؛ لأن حكمه قائم على علم كامل وعدل كامل وحكمة كاملة. أما الإنسان، مهما بلغ من العلم، فإن معرفته محدودة، ورؤيته ناقصة، وتجربته محكومة بزمان ومكان ونفس وهوى. ولهذا فإن من تواضع الإنسان أن يدرك أنه قد يحكم اليوم ثم يكتشف غدًا أنه أخطأ. وقد يظن نفسه مظلومًا ثم يكتشف أنه ظلم، وقد يرى إنسانًا من زاوية واحدة فيحكم عليه بحكم قاسٍ، بينما كانت وراء صمته قصة، ووراء خطئه جراح، ووراء مظهره ظروف لا يعلمها. وهنا يتعلم القلب درسًا صوفيًا رقيقًا: كلما اتسعت معرفة الإنسان بنفسه، ضاق لسانه عن إدانة الناس. فكم من إنسانٍ عاب على غيره أمرًا ثم ابتلي به، وكم من شخص قال: «لو كنت مكانه لفعلت كذا»، فلما صار في موضعه عرف أن التجربة ليست فكرة تُقال، بل نارٌ تمتحن القلب. وقد عبّر الشعر العربي عن ضعف الإنسان أمام تقلّب الأيام، فقال أبو الطيب المتنبي: ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ والإنسان الحكيم لا يقرأ هذا البيت بوصفه شكوى من القدر، بل بوصفه دعوة إلى التواضع؛ فالحياة لا تسير دائمًا وفق خرائطنا الصغيرة، وربما كان في انكسار بعض الأبواب فتحٌ لبابٍ لم نكن نراه. ثالثًا: الحكم بين الناس وعدالة الاستماع من أخطر ما يفسد الحكم التسرع. فالإنسان يسمع رواية واحدة، ثم يبني عليها قضية كاملة، ويصدر حكمًا نهائيًا، ثم ينتقل من الحكم على الفعل إلى الحكم على الإنسان كله. وقد رسم القرآن منهجًا عظيمًا في التثبت، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات: 6. إن هذه الآية تصلح أن تكون قاعدةً أخلاقية وإعلامية واجتماعية في عصرنا. فكم من علاقة انتهت بسبب خبر لم يُتحقق منه، وكم من إنسان شُوِّهت سمعته بسبب كلمة نُقلت مبتورة، وكم من أسرة عاشت توترًا لأن أحد أفرادها سارع إلى الحكم قبل أن يسأل. لنتخيل موقفًا بسيطًا: طالب تأخر عن المحاضرة مرات متتالية. قد يصفه بعض زملائه بالكسل وعدم المسؤولية. لكن الأستاذ الحكيم يسأله أولًا، فيكتشف أن الطالب يعمل ليلًا ليساعد أسرته، أو أنه يرعى أحد والديه، أو يواجه مشكلة في المواصلات. هنا لا يعني الفهم أن الخطأ يصبح صحيحًا، ولا أن النظام يسقط، وإنما يعني أن العدل يبدأ من معرفة الحقيقة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ الأنعام: 152. فالعدل ليس محبةً لأشخاص نحبهم، ولا قسوةً على أشخاص نختلف معهم. العدل أن تقول الحق ولو خالف رغبتك، وأن تنصف من خصمك كما تنصف صديقك. ومن روائع الشعر في هذا المعنى قول الشاعر: إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبُهُ فالإنسان الكامل لا وجود له، والمجتمع الذي يبحث عن بشر بلا أخطاء سينتهي إلى العزلة أو القسوة. أما الحكمة فتعلّمنا الفرق بين الخطأ الذي يحتاج إلى إصلاح، والخطأ الذي يحتاج إلى نصح، والخطأ الذي يحتاج إلى عفو. رابعًا: الحكم على النفس قبل الحكم على الآخرين لعل أصعب أنواع الحكم هو حكم الإنسان على نفسه. فالمرء قد يكون شديد الذكاء في تحليل أخطاء الناس، ضعيف البصيرة بأخطائه الخاصة. يرى العيب في الجميع إلا في مرآته. ولهذا فإن التربية الإيمانية تجعل محاسبة النفس بابًا من أبواب النضج. ليس المقصود أن يحتقر الإنسان نفسه أو يعيش في جلد الذات، وإنما أن ينظر إليها بصدق. قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ القيامة: 14-15. وهذا المعنى عميق من الناحية النفسية؛ فالإنسان يستطيع أن يبرر لنفسه كثيرًا من الأفعال، لكنه في لحظات الصدق يعرف أين أخطأ. ومن هنا يمكن أن نسأل أنفسنا قبل إصدار الأحكام: • هل أعرف القصة كاملة؟ • هل أفرق بين الفعل وصاحبه؟ • هل حكمي قائم على دليل أم على انطباع؟ • هل سأقبل الحكم نفسه إذا وُجّه إليّ؟ • هل أتحدث بدافع الإصلاح أم بدافع الغضب؟ • وهل يمكن أن أكون مخطئًا؟ هذه الأسئلة الصغيرة قد تنقذ الإنسان من خصومات كبيرة. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: لسانُكَ لا تذكرْ به عورةَ امرئٍ فكُلُّكَ عوراتٌ وللناسِ ألسنُ فليست الحكمة في أن نعيش بلا نقد، وإنما في أن يكون النقد عادلًا، وأن يكون هدفه الإصلاح لا التشهير. خامسًا: الحكم بين العقل والعاطفة الإنسان ليس عقلًا خالصًا ولا عاطفةً خالصة. فإذا حكم بالعقل المجرد قد يصبح قاسيًا، وإذا حكم بالعاطفة المجردة قد يقع في التحيز والاضطراب. والحكمة هي أن يلتقي العقل بالقلب دون أن يطغى أحدهما على الآخر. تخيل أبًا أخطأ ابنه. قد تدفعه العاطفة إلى التساهل الكامل، فيضيع معنى المسؤولية. وقد يدفعه الغضب إلى العقاب القاسي، فيكسر نفس الابن. أما الحكمة فتبحث عن طريق ثالث: تصحيح الخطأ مع حفظ الكرامة. وهذا هو المعنى الذي تشير إليه التربية النبوية في الرحمة والرفق. فقد قال النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه». فالرفق ليس ضعفًا، بل قدرة على التحكم في القوة. والقاسي قد يستطيع أن يعاقب، لكن الحكيم يعرف متى يعاقب، وكيف يعاقب، ومتى يكون العفو أقوى من العقوبة. سادسًا: الحكم والسلطة ومسؤولية المجتمع حين ننتقل من الفرد إلى المجتمع، يصبح الحكم أكثر خطورة؛ لأن القرار قد لا يؤثر في شخص واحد، بل في جماعات واسعة. ولذلك ارتبط الحكم في التراث الإسلامي بمفهوم الأمانة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ النساء: 58. فالسلطة أمانة، والقضاء أمانة، والإدارة أمانة، بل إن المعلم حين يقوّم طلابه، والأب حين يفصل بين أبنائه، ومدير العمل حين يوزع المسؤوليات، كلهم يمارسون صورة من صور الحكم. والمجتمع السليم لا يقوم على أن الجميع أقوياء، بل على وجود نظام يحمي الضعيف حين لا يستطيع الدفاع عن نفسه. ولهذا كان العدل حاجة نفسية واجتماعية. فالإنسان يستطيع أن يتحمل بعض الصعوبات، لكنه يتألم كثيرًا حين يشعر أن الظلم وقع عليه بلا سبب، أو أن القواعد تطبق عليه وحده ولا تطبق على غيره. إن العدالة تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء. وعندما يثق الناس في أن حقوقهم محترمة، تقل مشاعر الخوف والعداء، ويصبح التعاون أسهل. سابعًا: الحكم في التجربة الصوفية في البعد الروحي، لا يكون الحكم مجرد قرار خارجي، بل يصبح رحلة داخل النفس. فالصوفي لا يهرب من العالم، بل يحاول أن يصلح عالمه الداخلي؛ لأن الإنسان إذا لم يتعلم حكم نفسه، صعب عليه أن يحسن الحكم في غيره. وهنا يظهر معنى جميل: أشد الخصومات قد تبدأ داخل الإنسان نفسه. عقل يدعوه إلى الخير، وهوى يدعوه إلى العجلة، وخوف يمنعه من التقدم، وطموح يدفعه إلى تجاوز حدوده. ومن عرف نفسه عرف مقدار ضعفه وحاجته إلى الله. وحين يشعر الإنسان بهذه الحاجة، يخف غروره، ويصبح أكثر رحمة بالآخرين. إن النفس مثل بحر؛ يبدو ساكنًا من بعيد، لكنه يحمل في أعماقه تيارات كثيرة. والحكيم ليس من ينكر هذه التيارات، بل من يتعلم كيف يقود سفينته بينها. وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ العنكبوت: 69. فالهداية ليست دائمًا لحظة خاطفة، بل قد تكون طريقًا من المجاهدة، والسقوط، والقيام، والمراجعة، والتوبة. ثامنًا: من الحكم إلى الحكمة ليس كل من أصدر حكمًا حكيمًا، وليس كل من امتلك سلطة عرف كيف يستخدمها. وقد يكون الإنسان صاحب منصب كبير، لكنه صغير أمام غضبه، وقد يكون إنسان بسيط لا يملك سلطة على أحد، لكنه يمتلك حكمةً تصلح بها خصومات كثيرة. الحكمة تبدأ حين يدرك الإنسان أن الحقيقة أكبر من زاويته، وأن البشر أكثر تعقيدًا من صورة واحدة، وأن الرحمة لا تلغي العدل، كما أن العدل لا يحتاج إلى القسوة. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ التين: 8. وفي هذه الآية يجد المؤمن سكينة عميقة؛ فهناك أشياء في الحياة لا يفهم الإنسان حكمتها الآن. قد يخسر وظيفة، أو يفارق شخصًا عزيزًا، أو يفشل في مشروع ظن أن نجاحه هو الطريق الوحيد إلى السعادة. ثم تمضي الأيام، ويكتشف أن ما أغلق في وجهه كان يحمل وراءه بابًا آخر. ولا يعني ذلك أن نتوقف عن العمل أو نستسلم للظروف، بل أن نعمل ما نستطيع، ثم نوقن أن علمنا محدود وأن تدبير الله أوسع. وهنا يصبح الإيمان بالحكم الإلهي مصدرًا للطمأنينة، لا للهروب من المسؤولية. يعمل الإنسان، ويخطط، ويستشير، ويجتهد، فإذا جاءت النتائج على غير ما أراد، لم يتحطم؛ لأنه يعلم أن الطريق لم ينته بعد. خاتمة إن كلمة الحكم تبدأ في ظاهرها بفكرة الفصل بين الأمور، لكنها في أعماقها درسٌ في العدل والعلم والمسؤولية. فالقاضي يحتاج إلى التثبت، والحاكم يحتاج إلى الأمانة، والفقيه يحتاج إلى الفهم، والمربي يحتاج إلى الرحمة، والإنسان يحتاج قبل كل ذلك إلى أن يحكم على نفسه بالصدق. وفي زمن السرعة، ربما كانت الحكمة الكبرى أن نتعلم التوقف قليلًا قبل إصدار الحكم. أن نسأل قبل أن نتهم، وأن نفهم قبل أن نرفض، وأن نسمع قبل أن نجيب. فالإنسان لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل كما تسمح له نافذته أن يراه. وكلما اتسعت نافذة المعرفة، اقترب الحكم من العدل. ولذلك يمكن أن نقول: إن الحكم الحقيقي ليس أن تنتصر على خصمك في نقاش، ولا أن تفرض رأيك بقوة، بل أن تنتصر على ظلمك حين تكون قادرًا عليه، وعلى غضبك حين يدعوك إلى القسوة، وعلى هواك حين يزين لك الخطأ. إن أجمل الأحكام ما كان أساسه العلم، وميزانه العدل، وروحه الرحمة، وغايته الإصلاح. وإذا كان الإنسان قد خُلق ضعيفًا ومحدود العلم، فإن الله سبحانه هو الحَكَم العدل، وإليه المرجع، وعنده تستقيم الموازين التي قد تختل في الدنيا. ويبقى الإنسان، في رحلته الطويلة بين العقل والقلب، وبين الخطأ والتوبة، وبين القوة والضعف، محتاجًا إلى حكمة تهديه، وعدل يحميه، ورحمة تسنده. فليكن حكمنا على الناس أقل عجلة، وعلى أنفسنا أكثر صدقًا، ولتكن كلماتنا جسورًا لا سيوفًا، ولتكن عدالتنا ممزوجة بالرحمة؛ لأن الإنسان قد ينسى الحكم الذي صدر عليه، لكنه لا ينسى أبدًا كيف جعله ذلك الحكم يشعر. مراجع مختارة 1. القرآن الكريم. 2. البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح. 3. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم. 4. أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود. 5. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن. 6. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن. 7. ابن كثير، إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم. 8. الخطابي، حمد بن محمد، شأن الدعاء وما ورد في شرح أسماء الله الحسنى. 9. البيهقي، أحمد بن الحسين، الأسماء والصفات. 10. ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مدارج السالكين ومفتاح دار السعادة. 11. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن. 12. ابن منظور، لسان العرب، مادة «حكم». 13. مجموعة من دواوين الشعر العربي القديم، ومنها شعر المتنبي وأبي العتاهية والحكمة العربية المأثورة.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال