اسم الله تعالى «القابض»: بين القبض والبسط، وضيق النفس وسعة الروح دراسة دينية اجتماعية نفسية في ضوء القرآن والسنة والتجربة الصوفية

اسم الله تعالى «القابض»: بين القبض والبسط، وضيق النفس وسعة الروح دراسة دينية اجتماعية نفسية في ضوء القرآن والسنة والتجربة الصوفية
تمهيد تبدو الحياة الإنسانية، في ظاهرها، حركةً متعاقبة بين حالين: اتساعٍ وانقباض، إقبالٍ وإدبار، عطاءٍ ومنع، حياةٍ وموت. يفرح الإنسان حين تُفتح له أبواب الرزق، وتتهيأ له الأسباب، ويجد في نفسه قوةً على العمل والأمل؛ ثم تضيق به الدنيا حين تنغلق بعض الأبواب، ويتأخر بعض المراد، أو يفقد عزيزًا، أو يجد في قلبه من الوحشة ما لا يفسره المال ولا الجاه. ومن هنا يجيء التأمل في اسم الله تعالى «القابض» بوصفه مدخلًا لفهم جانب عميق من علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالعالم من حوله. فالقبض في التصور الإسلامي ليس مجرد حرمان، وليس الضيق دليل غضب بالضرورة، كما أن البسط ليس دائمًا علامة رضا؛ وإنما كلاهما يجريان في ملك الله بعلم وحكمة وقدر. وقد جمع القرآن الكريم بين القبض والبسط في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ البقرة: 245. فالآية لا تجعل القبض نهاية الطريق، بل تضعه بين العطاء الإلهي والرجوع إلى الله. وكأن الإنسان مدعو إلى ألا يقرأ لحظته منفردة، بل في سياق أوسع من الحكمة الإلهية. ومن هنا يمكن النظر إلى «القابض» في ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى عقدي يتعلق بكمال القدرة الإلهية، ومستوى اجتماعي يتصل بالرزق والموارد والعلاقات، ومستوى نفسي وروحي يتعلق بأحوال القلب وتقلباته. وفي التجربة الصوفية يتحول القبض من مجرد حالة مؤلمة إلى مدرسة في التهذيب، يتعلم فيها الإنسان أن يتعلق بالمعطي لا بالعطاء، وبالمولى لا بالمولى عليه. أولًا: القابض في اللغة والاصطلاح «القابض» اسم فاعل من الفعل قَبَضَ، والقبض في أصل اللغة يدل على الأخذ والجمع والإمساك والتضييق، ومنه قولهم: قبض الشيء بيده، أي أخذه وأمسكه. ويقال: صار المال في قبضته، أي صار في ملكه وتصرفه. والقبض يقابل البسط؛ فكما يقال: قبض الشيء، يقال: بسطه ونشره ووسعه. ومن هذا التقابل نشأ المعنى القرآني العميق: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. والقبض في حق الله تعالى لا يحمل معنى العجز أو النقص أو الظلم، تعالى الله عن ذلك، وإنما يدل على كمال سلطانه وتدبيره؛ فهو سبحانه الذي يقبض ويبسط، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويرفع ويخفض، وكل ذلك يجري بعلم وحكمة. ولهذا كان من الأدق ألا يُفهم اسم «القابض» منفصلًا عن اسم «الباسط»، لأن القبض وحده قد يوحي للذهن بالمنع المجرد، بينما الجمع بين الاسمين يفتح بابًا أوسع لفهم الحكمة. فالليل ليس نقيض النهار بمعنى العداوة، وإنما كلاهما جزء من نظام الوجود؛ والشتاء ليس إلغاءً للربيع، وإنما مرحلة من مراحله؛ وكذلك قد يكون القبض إعدادًا للبسط، وقد يكون البسط امتحانًا يحتاج إلى قبض النفس عن الغرور. وقد أشار العلماء إلى هذا المعنى. فذكر الزجاج أن الأدب في هذين الاسمين أن يذكرا معًا؛ لأن تمام القدرة يظهر في الجمع بين القبض والبسط. وأوضح الخطابي أن ذكر القابض والباسط معًا يدل على الحكمة الجامعة بين المنع والعطاء، فلا يكون القبض مفهومًا باعتباره حرمانًا مجردًا. ثانيًا: القبض في القرآن الكريم لم يرد لفظ «القابض» في القرآن الكريم اسمًا صريحًا لله تعالى، وإنما وردت مادة القبض في صيغ متعددة، ومن أبرزها قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ البقرة: 245. وهذه الآية جاءت في سياق الحث على الإنفاق والقرض الحسن، وهي دلالة بالغة الأهمية؛ لأن الإنسان قد يتردد في الإنفاق خوفًا من المستقبل، فيأتي الخطاب القرآني ليحرره من وهم أن المال هو مصدر الأمان النهائي. فالذي يقبض ويبسط هو الله، والذي يملك خزائن الرزق هو الله، والذي إليه يكون الرجوع هو الله. وهنا يتصل اسم «القابض» بالتربية النفسية اتصالًا واضحًا: فالإنسان حين يعرف أن ما في يده ليس ملكًا مطلقًا له، يصبح أقدر على العطاء، وأقل خوفًا من الفقد. ويقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ العنكبوت: 62. والآية لا تجعل كثرة المال معيارًا لقيمة الإنسان، ولا تجعل قلته حكمًا أخلاقيًا عليه، وإنما تربط الرزق بمشيئة الله وعلمه. وقد يكون التوسيع استدراجًا إذا حمل صاحبه على الغفلة، وقد يكون التضييق تربيةً إذا قاد صاحبه إلى الصبر والافتقار. ومن أعظم الآيات التي ترسم مشهد القبض الإلهي قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر: 67. وهنا ينتقل معنى القبض من المجال الإنساني الضيق إلى مشهد كوني مهيب؛ فالإنسان الذي يقلقه فقد مبلغ من المال، أو تأخر وظيفة، أو انغلاق باب من أبواب الدنيا، يقف أمام حقيقة أعظم: الكون كله في ملك الله وتحت سلطانه. ثالثًا: القبض والبسط في السنة النبوية جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الناس قالوا للنبي ﷺ: «غلا السعر فسعِّر لنا»، فقال: «إن الله هو المسعِّر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال». وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، وحكم الترمذي عليه بالحسن الصحيح. ويكشف هذا الحديث عن بعد اجتماعي مهم في اسم «القابض». فالقبض والبسط لا يتعلقان فقط بمشاعر الفرد، وإنما يظهر أثرهما في حركة الأسواق والأسعار والمعاملات والموارد. ومع ذلك لم يكن التوحيد في الحديث دعوة إلى إهمال الأسباب، بل إلى عدم نسيان المسبب سبحانه. فالإنسان يعمل، والتاجر يبيع ويشتري، والمزارع يزرع، والدولة تدير اقتصادها، والمجتمع يضع الأنظمة؛ لكن وراء شبكة الأسباب كلها إرادة الله وقدرته. ولهذا لا يصح أن يتحول الإيمان بالقبض والبسط إلى ذريعة للكسل أو ترك التخطيط، كما لا يصح أن يتحول الاعتماد على الأسباب إلى نسيان رب الأسباب. رابعًا: قبض الأرواح من معاني القبض كذلك قبض الأرواح عند انتهاء الآجال. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ الزمر: 42. فالموت في المنظور القرآني ليس فوضى بلا معنى، وإنما انتقال يقع في إطار قدر الله. والإنسان لا يملك موعد رحيله، كما لا يملك موعد مجيئه إلى الدنيا. وهذا المعنى يمنح اسم «القابض» بعدًا وجوديًا عميقًا؛ فكل إنسان يحمل في داخله يقينًا مؤجلًا بأنه سيُقبض يومًا. وقد يبدو هذا المعنى ثقيلًا على النفس، لكنه في التربية الإيمانية يعيد ترتيب الأولويات. فمن أيقن أن يده ستُفتح اليوم على شيء ثم تُغلق غدًا، لم يجعل ما في يده معبودًا. ومن عرف أن الروح التي في صدره ليست ملكًا دائمًا له، صار أكثر رفقًا بالناس، وأقل استعلاءً عليهم. خامسًا: القبض النفسي وأحوال القلب لا يعيش الإنسان في حالة نفسية واحدة. فهناك أيام يشعر فيها بأن العالم قريب منه، وأن قلبه ممتلئ بالأمل، وهناك أيام أخرى تضيق فيها نفسه، ويثقل عليه ما كان خفيفًا، ويصبح الكلام القليل عبئًا، واللقاء الذي كان يبهجه سببًا للتعب. وهذا النوع من القبض النفسي ينبغي ألا يُفهم دائمًا بوصفه فشلًا روحيًا. فالإنسان كائن متقلب الأحوال، وقد عرف علماء السلوك والتزكية أحوالًا من القبض والبسط. القبض قد يأتي بعد ذنب، فيكون باعثًا على التوبة، وقد يأتي بعد فقد، فيكون مجالًا للصبر، وقد يأتي من غير سبب ظاهر، فيكون امتحانًا للنفس في الثبات وعدم الارتهان للمزاج. والخطأ أن يظن الإنسان أن قربه من الله لا يكون إلا حين يشعر بالراحة والطمأنينة. فالإيمان أعمق من الشعور العابر. قد يكون القلب منقبضًا والعبد مع ذلك صادقًا، وقد يكون القلب منشرحًا والإنسان في غفلة. ولهذا يصبح السؤال الأهم ليس: «لماذا أنا متضايق؟» فقط، بل: «ماذا أفعل بهذا الضيق؟». فقد يحول المؤمن قبضه إلى دعاء، ووحدته إلى خلوة، وفقده إلى صدقة، وعجزه إلى افتقار، وتأخر أمنيته إلى صبر. سادسًا: القبض الاجتماعي ومشكلة الرزق من أكثر صور القبض حضورًا في الحياة المعاصرة ضيق الرزق. وقد يصبح المال معيارًا لقيمة الإنسان في المجتمعات التي تفرط في الاستهلاك والمقارنة الاجتماعية. يرى الشاب زميله يقود سيارة فاخرة، فيشعر أنه متأخر. وترى الأسرة بيتًا أكبر من بيتها، فتظن أنها محرومة. ويقارن الإنسان راتبه براتب غيره، فينسى أن الأرزاق ليست متطابقة، وأن ما يظهر على الشاشات ليس الصورة الكاملة للحياة. وهنا تأتي التربية القرآنية لتعيد للرزق معناه. قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ الذاريات: 22. وقال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هود: 6. وهذه الآيات لا تعني أن الإنسان يجلس منتظرًا الرزق، وإنما تعلمه ألا يجعل الأسباب آلهة صغيرة في قلبه. فالعمل سبب، والشهادة سبب، والتجارة سبب، والعلاقات المهنية سبب؛ لكن السبب لا يملك النتيجة استقلالًا. ومن هنا يمكن أن يتحول مفهوم «القابض» إلى علاج لبعض أمراض المجتمع: الحسد، والطمع، والمقارنة، والجشع، والاحتقار الطبقي. فإذا آمن الإنسان أن الله يقبض ويبسط، أدرك أن اختلاف الناس في المال ليس مبررًا لاحتقار الفقير، ولا لإطلاق العنان لغطرسة الغني. سابعًا: القبض بوصفه ابتلاءً وتربية ليس كل قبض عقوبة، كما أن ليس كل بسط مكافأة. قد يُعطى الإنسان المال ويُحرم السكينة، وقد يُحرم المال ويُعطى قلبًا مطمئنًا. وقد تتسع أمام إنسان أبواب الشهرة بينما تضيق عليه أبواب الرضا. وقد ينجح شخص في مشروع ويفشل في علاقته بأسرته، بينما يتعثر آخر في التجارة لكنه يملك بيتًا دافئًا وقلبًا عامرًا بالمحبة. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 216. إنها قاعدة عظيمة في علم النفس الإيماني: الإنسان يرى اللحظة، والله يعلم المآل. وقد يغلق الله بابًا لأن وراءه ضررًا لا نراه. وقد يؤخر أمنية لأن النفس لم تنضج بعد لحملها. وقد يضيق طريقًا حتى يبحث الإنسان عن طريق آخر كان أصلح له. وهنا يتولد معنى جميل: ليس كل باب مغلق علامة على نهاية الطريق؛ بعض الأبواب تُغلق لكي نتعلم اتجاهًا جديدًا. ثامنًا: القبض في التجربة الصوفية في التراث الصوفي احتل «القبض والبسط» مكانة بارزة في وصف أحوال السالكين. فالقبض عند أهل السلوك ليس مجرد ضيق نفسي، وإنما حال يجد فيها القلب ثقلًا ووحشة، بينما البسط حال من الأنس والانشراح. غير أن أهل التربية الروحية لا يجعلون الميزان في وجود القبض أو البسط، بل في موقف العبد منهما. فإذا جاء البسط، فليحذر العبد من العجب. وإذا جاء القبض، فليحذر من اليأس. وقد عبّر بعض أهل السلوك عن هذا المعنى في صورة بالغة الرقة: أن العارف لا يعبد الله من أجل حاله، وإنما يعبد الله لأنه الله؛ فإن أعطاه شكر، وإن منعه صبر، وإن قرّبه أنس، وإن أبعده تأدب. وهنا تتصل الصوفية الصحيحة بجوهر التوحيد: أن يتعلق القلب بالله لا بالحالة التي يمنحها الله. فليس المقصود أن يبحث الإنسان عن القبض، ولا أن يستدعي الحزن، وإنما أن يتعلم كيف يحيا مع اختلاف الأحوال دون أن يفقد بوصلته الداخلية. تاسعًا: القبض والبسط في الشعر العربي لقد أدرك الشعراء منذ القدم أن الإنسان يعيش بين الفقد والعطاء، وأن الحياة لا تستقر على حال. قال المتنبي: ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركُهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ وهو بيت يلخص تجربة إنسانية واسعة: قد يملك الإنسان الرغبة، والقدرة، والتخطيط، ثم تأتي الحياة بوجه آخر. وقال أبو الطيب أيضًا: على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدر الكرام المكارمُ وفي هذا تذكير بأن الضيق لا ينبغي أن يقتل الهمة. أما أبو العتاهية فقد أكثر من التأمل في تقلّب الدنيا وزوالها، وهي ثيمة تتقاطع بوضوح مع معنى القبض؛ لأن الدنيا في نظر الواعظ ليست دار إقامة، وإنما دار عبور. وفي الشعر الصوفي يصبح المعنى أكثر شفافية؛ إذ يتحول الفقد من غياب للمحبوب إلى بحث عن حضوره في القلب. ويظهر هذا المعنى عند ابن الفارض والحلاج وابن عربي وغيرهم، مع اختلاف مدارسهم ومواقف العلماء منهم، في صورة التوق إلى المطلق والتخفف من التعلق بالمظاهر. عاشرًا: القبض والعطاء؛ لماذا يأمرنا الله بالإنفاق؟ من أجمل المفارقات القرآنية أن آية القبض والبسط جاءت عقب قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. فالإنسان يخاف أن ينقص المال إذا أنفق، والقرآن يعلمه أن الإنفاق لا يعني بالضرورة النقص، لأن الله هو القابض والباسط. وهذا يربي النفس على الثقة. فاليد التي تعطي لا تصبح فقيرة بالضرورة؛ بل قد يفتح الله لها من البركة ما لا يدخل في الحسابات المادية. وقد قال النبي ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال». وهنا يتحول مفهوم القبض من فكرة نظرية إلى سلوك اجتماعي: فالإنسان الذي يؤمن بأن رزقه بيد الله يصبح أقدر على مشاركة المحتاجين، وإغاثة الملهوف، ورعاية الضعيف. والصدقة في الإسلام ليست مجرد تحويل مال من يد إلى يد؛ إنها تحرير للنفس من عبودية المال. حادي عشر: بين التوكل والأخذ بالأسباب من الأخطاء الشائعة أن يفهم بعض الناس القبض والبسط على أنهما دعوة إلى الاستسلام للواقع. وهذا فهم غير صحيح. النبي ﷺ كان يأخذ بالأسباب، ويخطط، ويستشير، ويهيئ الجيوش، ويختار الطريق، ويحتاط في السفر. فالتوكل ليس ترك الأسباب، بل ألا يتحول الاعتماد على الأسباب إلى عبودية لها. وقد قيل في المعنى: اعمل بالأسباب بجوارحك، ولا تجعل قلبك أسيرًا لها. فمن ضاق رزقه عليه أن يبحث عن عمل، ويطور مهاراته، ويتعلم، ويسأل، ويجتهد. ومن مرض عليه أن يتداوى. ومن فشل عليه أن يراجع تجربته. ومن أخطأ عليه أن يتوب ويصلح. ثم بعد ذلك كله يقول بقلب مطمئن: قد فعلت ما أستطيع، وما وراء استطاعتي عند الله. وهذه النقطة مهمة نفسيًا؛ لأنها تمنع الإنسان من جلد الذات. فليس كل فشل دليلًا على أنك سيئ، وليس كل تأخر دليلًا على أنك مرفوض. أحيانًا يكون الإنسان قد بذل وسعه، ثم لم تجرِ الأمور كما أراد. وهنا يأتي الإيمان ليقول له: ليس عليك أن تملك النتائج كلها؛ عليك أن تصدق في السعي. ثاني عشر: القبض بوصفه مدرسة للصبر الصبر ليس مجرد احتمال الألم، بل القدرة على ألا يتحول الألم إلى فساد داخلي. قد يضيق الإنسان فيصبح حسودًا. وقد يفشل فيصبح عدوانيًا. وقد يُحرم فيصبح ساخطًا. وقد يفقد شخصًا عزيزًا فيغلق قلبه أمام الناس. لكن الإيمان يعيد تشكيل الألم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الزمر: 10. فالصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل عمل داخلي شاق. أن تتألم دون أن تظلم، وأن تحزن دون أن تيأس، وأن تفقد دون أن تفقد إيمانك، وأن تضيق يدك دون أن تضيق أخلاقك. وهنا يظهر الجانب النفسي العميق لاسم «القابض»: قد تضيق الظروف، لكن لا ينبغي أن تضيق الروح عن الرحمة. ثالث عشر: كيف نتعامل مع القبض في حياتنا؟ يمكن تحويل هذا المعنى العقدي إلى مجموعة من الممارسات العملية: أولًا: الاعتراف بالحال. لا يحتاج المؤمن إلى إنكار حزنه. فالإنسان قد يحزن ويبكي ويتعب، دون أن يكون ضعيف الإيمان. ثانيًا: البحث عن السبب. إذا كان الضيق مرتبطًا بقرار خاطئ أو تقصير أو مشكلة عملية، وجب التعامل معها بواقعية. ثالثًا: عدم تحويل الضيق إلى حكم نهائي. لا تقل: «انتهت حياتي» بسبب تجربة واحدة. فالقبض حال، وليس هوية. رابعًا: حفظ الصلة بالله. الصلاة والدعاء والذكر والقرآن ليست طقوسًا هامشية في زمن الأزمة؛ بل هي من أهم موارد التوازن الروحي. خامسًا: عدم العزلة المرضية. قد يحتاج الإنسان إلى الخلوة الهادئة، لكنه يحتاج أيضًا إلى صحبة صالحة وأسرة وأصدقاء وأهل خبرة. سادسًا: ممارسة العطاء. حتى في زمن الضيق يمكن للإنسان أن يعطي كلمة طيبة، أو وقتًا، أو علمًا، أو مساعدة. فالعطاء يعيد للقلب شعوره بالقدرة والمعنى. إن اسم الله تعالى «القابض» يفتح أمام الإنسان بابًا واسعًا لفهم الحياة بعيدًا عن الثنائية السطحية التي تجعل كل بسط خيرًا وكل قبض شرًا. فالقبض قد يكون في الرزق، وقد يكون في الوقت، وقد يكون في النفس، وقد يكون في العلاقات، وقد يكون في الأجل. والبسط كذلك قد يكون في المال والصحة والعلم والفرح والعمر. غير أن العبرة ليست في كثرة ما نملك، وإنما في كيفية علاقتنا بما نملك، وليست في غياب الألم، وإنما في الطريقة التي نحمل بها الألم. والقرآن حين يقول: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ لا يريد أن يزرع في الإنسان الخوف من المنع، بل يريد أن يحرره من وهم السيطرة المطلقة. فالإنسان يسعى، لكن الله يقدّر؛ ويخطط، لكن الله يدبر؛ ويأخذ بالأسباب، لكن قلبه يبقى متعلقًا بمسبب الأسباب. ومن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من هذا الاسم أن ضيق اليد لا يعني ضيق الرحمة، وضيق الطريق لا يعني غياب الوجهة، وضيق القلب لا يعني غياب الله. وقد يكون أعظم البسط أن يفتح الله للعبد بابًا في داخله بعد أن أُغلقت أبواب كثيرة خارجه. فالفقير الذي يملك الرضا ليس فقيرًا إلى الله إلا بمعنى العبودية، والغني الذي يملك المال ولا يملك قلبه قد يكون أفقر مما يظن. والسعيد ليس من لم يعرف القبض، بل من عرف كيف يعود إلى الله حين يقبضه الحال. وفي النهاية، يظل القلب المؤمن بين يدين من الحكمة: إذا بُسط له شكر، وإذا قُبض عنه صبر، وإذا أعطي لم يطغَ، وإذا منع لم ييأس. وهكذا يصبح «القابض» ليس اسمًا يثير الخوف فحسب، بل اسمًا يعلّم الإنسان الأدب مع الله، والرحمة بالناس، والصدق مع النفس، وحسن قراءة المنع والعطاء. فرب قبضٍ أخفى وراءه بسطًا لم يحن أوانه، ورب منعٍ كان في حقيقته حماية، ورب تأخيرٍ كان تهيئة، ورب ضيقٍ أخرج من القلب دعاءً لم يكن ليخرج في زمن السعة. ولعل أجمل ما ينتهي إليه السالك أن يقول في سره: يا رب، إن قبضت فبحكمتك، وإن بسطت فبرحمتك؛ فلا تجعلني عبدًا للقبض ولا للبسط، واجعلني عبدًا لك في الحالين. مراجع مختارة 1. القرآن الكريم، ولا سيما سور: البقرة، العنكبوت، الزمر، هود، الذاريات. 2. أبو داود، السنن، كتاب البيوع، حديث رقم 3451. 3. الترمذي، السنن، كتاب البيوع، حديث رقم 1314، وقد حكم عليه الترمذي بالحسن الصحيح. 4. ابن ماجه، السنن، كتاب التجارات، حديث رقم 2200. 5. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة البقرة، الآية 245. 6. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مادة «قبض». 7. الزجاج، تفسير أسماء الله الحسنى. 8. الخطابي، شأن الدعاء. 9. ابن القيم، النونية، وما يتصل بأسماء الله وصفاته. 10. ابن القيم، مدارج السالكين، في مباحث الأحوال والمقامات. 11. الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. 12. أبو طالب المكي، قوت القلوب، في أحوال القلوب وتقلّبها. 13. القشيري، الرسالة القشيرية، في مباحث القبض والبسط وأحوال السالكين. 14. ابن عطاء الله السكندري، الحكم العطائية، في الرضا والتوكل والافتقار. 15. المتنبي، ديوان المتنبي. 16. أبو العتاهية، ديوانه، ولا سيما أشعاره في الزهد وتقلب الدنيا. 17. ابن الفارض، ديوان ابن الفارض، في التجربة الروحية والوجدانية.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال