خواطر في التصوف
طريق القلبُ لمصالحة السماء
يا نفسُ...
ما بالُكِ ترتجفين كلما مرَّ نسيمُ العمر،
وكأنَّ الليلَ لا يعرف فجراً،
وكأنَّ الرحمةَ بابٌ أُغلِق، والمغفرةُ طريقٌ انقطع؟
رويدكِ...
فما خُلِق القلبُ ليغرق في الخوف،
ولا زُرعت الروحُ إلا لتُزهر بالأمل.
بين الخشية والرجاء
حديقةٌ لا يعرف عطرها إلا من صدق في السير.
يا نفسُ،
إن بي عليكِ قلقاً يوقظ الليل في عيني،
وخشيةً تهمس في أعماق صدري،
لا خوفاً من ربٍّ يترصّد الزلات،
بل هيبةً من عدله،
وشوقاً إلى رحمته،
فالعدلُ جلال،
والرحمةُ جمال،
وربُّنا جمع الجلالَ والجمال.
رحم الله عباده جميعاً،
وفتح أبواب فضله لكل من طرقها بقلبٍ منكسر،
فلا يسبقُ إلى الكرامة نسب،
ولا يرفعُ الإنسانَ لقب،
إنما يرفعه قلبٌ عرف الطريق،
وعقلٌ أدرك الحقيقة،
وعملٌ صادقٌ لا يعرف الرياء.
أما الأرعن،
فيحسب أن الطريق قصير،
وأن الجنة تُشترى بالأماني،
ويبتسم للذنوب كأنها نكات،
ثم إذا حضر الحساب قال:
"يا ليت!"
وما أكثر "ليت" حين يفوت الأوان،
وما أقل العمل حين يكون الزمان ميداناً.
يا نفس،
إن أردتِ النجاة،
فلا تبحثي عنها في ضجيج الناس،
ولا في مدح المادحين،
ولا في تصفيق العابرين،
فالضجيج يعلو ثم يخبو،
والتصفيق يدوي ثم ينسى،
أما العمل الصالح،
فهمسةٌ في الأرض،
وصداها في السماء.
هاتي وسائل النجاة:
توبةً صادقة،
وقلباً خاشعاً،
ودمعاً صامتاً،
وابتسامةً تُهدى لعباد الله،
وكلمةً طيبةً إذا خرجت من القلب
استقرت في القلب.
جاهدي الهوى،
فالهوى يَعِدُ ولا يَفي،
ويُغري ولا يُغني،
ويضحك حتى إذا اطمأن المرء،
تركه وحيداً بين الحسرة والندامة.
لا تيأسي يا نفس،
فاليأسُ غبارٌ على نافذة الرجاء،
وما إن تهبَّ نسمةُ الإيمان
حتى يعود الزجاج صافياً،
ويرى القلبُ النور كما يراه الطفل لأول مرة.
الله الذي سوّى أمرك،
يعلم كسرك قبل شكواك،
ويعلم دمعتك قبل نزولها،
ويكتب فرجك قبل أن يولد حزنك،
فكيف تيأسين
وربُّ الأقدار أرحم بك من نفسك؟
ويا من أطلق لسانه في الحرام،
رويدك...
فاللسان قطعةُ لحم،
لكنه قد يهدم جبالاً من الحسنات.
كم كلمةٍ خرجت ضاحكة،
فعادت على صاحبها باكية!
وكم عبارةٍ ظنها صاحبها خفيفة،
فكانت في الميزان ثقيلة!
ويا من جعل عينيه سفينتين
تبحران في كل شاطئ،
أما علمت أن النظر سهم،
وأن السهم إذا خرج
عاد بجراحٍ لا تُرى،
لكنها تؤلم القلب طويلاً؟
ويا من جعل أذنه سوقاً لكل قيلٍ وقال،
أما سئمت من جمع الغبار؟
دع عنك أخبار الناس،
وابحث عن خبر قلبك،
فهو أولى بالمتابعة،
وأحقُّ بالإصلاح.
ثم اعمل لدنياك،
فالدين لا يخاصم الحياة،
ولا يعادي الكسب،
بل يبارك اليد التي تعمل،
ويحب الجبين الذي يتصبب عرقاً بالحلال.
ازرع،
وابنِ،
وتعلّم،
وأتقن،
وأوفِ بالعهد،
وأخلص في الصنعة،
فالله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يحسنه.
لكن...
لا تجعل الدنيا تسكن قلبك،
بل اجعلها في يدك.
فاليدُ تحمل،
أما القلبُ فينبغي أن يحمل الله.
ما أعجب الإنسان!
يجري خلف درهمٍ هارب،
وينسى أن العمر هو الهارب الحقيقي.
يجمع المال،
ثم يجمع الهم،
ثم يجمع الأطباء،
ثم يكتشف أن الصحة كانت أغنى من الذهب!
ويعدّ سنواته على أصابعه،
ثم ينسى أن أنفاسه تُعدّ عليه،
لا له.
يا لها من مفارقةٍ ساخرة!
يخشى نفاد رصيد الهاتف،
ولا يخشى نفاد رصيد الحسنات.
ويغضب إذا تأخر عليه طلب الطعام دقائق،
ولا يحزن إذا تأخر عن صلاة الفجر أعواماً!
ويفتش عن كلمة السر لكل جهاز،
لكنه ينسى أن مفتاح القلب:
"أستغفر الله."
ويُكثر تحديث هاتفه،
ولا يحدّث روحه إلا نادراً.
فيا للعجب!
بطارية الهاتف إذا ضعفت أسرع إلى شحنها،
أما القلب إذا خبا نوره،
قال: غداً...
وغداً من أكثر الكلمات خداعاً.
أنِسْ بربك،
فالأنس به وطنٌ لا تغادره الوحشة،
وبستانٌ لا تذبل أزهاره،
وبحرٌ كلما غصت فيه
خرجت بلؤلؤة جديدة.
اقرأ كلامه،
لا بعين اللفظ وحدها،
بل بعين القلب أيضاً،
فكم من قارئٍ للحروف،
وقليلٌ من قرّاء النور.
إذا خاطبك القرآن،
فلا تقل:
لمن هذه الآية؟
بل قل:
هذه رسالتي اليوم.
واعمل قبل أن يقول الندم:
ليتني.
فإن "ليت"
لا تبني جسراً،
ولا تعيد عمراً،
ولا تفتح باباً أُغلق.
اليوم عملٌ بلا حساب،
وغداً حسابٌ بلا عمل.
تلك هي الحقيقة
التي لا تحتاج إلى برهان.
ثق بالنور،
فالنور لا يخون سالكه،
وثق بالله،
فمن وثق به
لم يضع.
سر إليه،
ولو بخطوة،
فسيفتح لك أبواباً من رحمته،
لم تكن تظن أنها موجودة.
وإذا تعبت،
فاسترح عند الدعاء،
فهو وسادة الأرواح،
ومرسى القلوب،
ولغة العاشقين إلى الله.
هناك...
حيث يسكن الضجيج،
وتتكلم الدموع،
ويصير الصمت أبلغ من الكلام،
تعرف أن التصوف ليس ثوباً من صوف،
ولا لفظاً غريباً،
ولا عزلةً عن الحياة،
بل هو قلبٌ يحب الله حتى يرى أثره في كل شيء:
في ابتسامة طفل،
وفي جناح طائر،
وفي قطرة مطر،
وفي دمعة تائب،
وفي يدٍ تمتد بالخير.
ومن ذاق هذا الحب،
هانت عليه الدنيا،
لا لأنه كرهها،
بل لأنه عرف حجمها الحقيقي.
فيا نفس،
إذا ضاق بك الطريق،
فارفعي رأسك إلى السماء،
فكل الطرق تنتهي إلى باب،
إلا طريق الله،
فإنه يبدأ بالباب،
ولا ينتهي.
سلامٌ على قلبٍ إذا أذنب استغفر،
وإذا أُنعِم عليه شكر،
وإذا ابتُلي صبر،
وإذا أحبَّ أحبَّ لله.
وسلامٌ على روحٍ عرفت أن أجمل رحلةٍ
ليست إلى مدينة،
ولا إلى بحر،
ولا إلى قصر،
بل إلى الله...
فمن وصل إليه،
وجد نفسه،
ووجد الطمأنينة،
ووجد الحياة التي لا يذبل ربيعها،
ولا يغيب نورها،
ولا ينطفئ فيها الأمل.
# دعاء
