حينَ يصيرُ القلبُ وطنًا لروحَيْن

حينَ يصيرُ القلبُ وطنًا لروحَيْن
أنا مَن أهوى، ومَن أهوى أنا؛ فلا اسمٌ يفصلنا، ولا مسافةٌ تُباعد بين خُطانا. نحن روحانِ التقيا و تعانقا قبل أن تلتقي الأجساد، وتعاهدا في عالم الغيب على أن يكون الحبُّ لهما قدرًا و أملا، والوفاءُ لهما عمرًا ممتدا، واللقاءُ لهما وطنًا لا تغادره الأرواح و القلوب . ليس بيني وبينه حدودٌ تُرسم، ولا حواجزُ تُقام، فكلُّ ما فيه يسكنني، وكلُّ ما فيَّ يزهر فيه. إذا ابتسم، أشرقت في صدري شموسُ الفرح، وإذا حزن، أمطرت عيناي قبل عينيه. كأن قلبيهما قد ذابا في قلبٍ واحد، حتى غدا النبضُ نبضًا، والنَّفَسُ نَفَسًا، والحلمُ حلمًا واحدًا. نحنُ روحانِ حلَّتا جسدًا، ولكنهما في الحقيقة بحرٌ واحدٌ بموجتين، وقمرٌ واحدٌ ينعكس في سماءين، وزهرةٌ واحدةٌ يفوح شذاها في بستانين. فإذا رآني الناسُ رأوه في ملامحي، وإذا نظروا إليه وجدوني بين حروف حديثه، كأننا مرآتان؛ كلٌّ منهما يُتمُّ صورةَ الآخر، ويُضيء غيابَه بالحضور، وحضورَه بالحنين. ما عاد القلبُ يعرف معنى "أنا" و"هو" ، بل صار الضميرُ واحدًا، والنبضُ واحدًا، والرجاءُ واحدًا. فالحبُّ إذا صدق، أسقط الحدود، وألغى الفواصل، وجعل من الاثنين واحدًا، ومن البعيد قريبًا، ومن الغريب حبيبًا، ومن الصمت كلامًا، ومن الكلام سلامًا. يا أيها السائلُ عن قصتنا، لا تُرهق نفسك بالبحث عن بدايتها، فإن للحبِّ بداياتٍ يكتبها القدر، ولا تُحاول أن تعرف نهايتها، فإن الحبَّ الصادق لا يعرف نهايةً إلا الخلود. ولو رأيتنا معًا، لما استطعت أن تُميِّز بين ابتسامتي وابتسامته، ولا بين فرحتي وفرحته، ولا بين دمعتي ودمعته؛ لأن الأرواح إذا تعانقت، عجزت العيون عن التفريق بينها. عجبًا لهذا الحب! كيف جمع بين قلبين حتى صار الفراقُ فيهما اجتماعًا، والاجتماعُ امتدادًا للحنين. إذا ابتعدتُ عنه، شعرتُ أنه أقربُ إليَّ من أنفاسي، وإذا اقترب، تمنيتُ أن يتوقف الزمن، وأن تبقى اللحظةُ معلقةً بين القلب والقلب، فلا تمضي، ولا تنقضي. هو سري إذا سكتُّ، وحديثي إذا نطقتُ، ونوري إذا أظلمت الطرق، ودفئي إذا اشتدَّ بردُ الأيام. أراه في إشراقة الصباح، وفي هدوء المساء، وفي همس النسيم، وفي خفق أوراق الشجر، وفي قطرات المطر حين تُقبِّل الأرض في رقةٍ وحياء. كلُّ شيءٍ حولي يُخبرني عنه، حتى الغيابُ يحمل ملامحه، وحتى الصمتُ ينطق باسمه. إذا سار، تبعته الدعوات، وإذا حضر، ازدهرت الأمكنة، وإذا ابتسم، تفتحت أزهار القلب بعد ذبولها، وإذا ناداني، شعرتُ أن اسمي قد وُلد من جديد. فما أجمل أن يكون الإنسانُ بيتًا لروحٍ يحبها، وما أروع أن يجد القلبُ قلبًا يسكن إليه، فلا يخاف بعده وحشةً، ولا يعرف بعده وحدةً. في حضوره يذوب الشتاءُ دفئًا، وفي غيابه يشتعل الصيفُ بردًا؛ فالحبُّ يقلب الموازين، ويُبدل المعاني، ويجعل الضدَّ يلتقي بضده، فيصبح البعدُ قربًا، والسهرُ راحةً، والصمتُ حديثًا، والانتظارُ لقاءً. تلك هي معجزةُ العشق حين يخلص، فيجمع النقيضين في قلبٍ واحد، ويزرع الأمل في أرضٍ ظنها الناسُ قاحلة. نحن على عهد الهوى باقون؛ لا تغيِّرنا الليالي، ولا تُبدِّلنا السنون. كلما مرَّ الزمان، ازددنا قربًا، وكلما تعاقبت الفصول، أزهرت أغصان المحبة في قلوبنا. فالحبُّ ليس وعدًا يُقال، بل وفاءٌ يُعاش، وليس كلمةً تُكتب، بل حياةٌ تُهدى، وليس حلمًا عابرًا، بل يقينٌ يُقيم في القلب حتى آخر النبض. أحببته كما تُحب السماءُ نجومها، وكما يحتضن البحرُ أمواجه، وكما يُعانق الفجرُ خيوط النور. أحببته حبًا لا يشيخ، ولا يذبل، ولا ينطفئ؛ لأن مصدره روحٌ عرفت روحًا، فاطمأنت إليها، وسكنت عندها، وآمنت أن الأقدار قد تكتب أحيانًا قصةً أجمل من كل القصائد. وحين يسألني الناس: من هو؟ أبتسم، لأن الجواب أكبر من الأسماء. هو العمر إذا ابتسم، والنبض إذا عشق، والدعاء إذا استُجيب، والسكينة إذا نزلت على القلب. هو القصيدة التي لا تنتهي، واللحن الذي لا يملُّه السمع، والضياء الذي لا تطفئه العواصف. وروحه روحي، وروحي روحه؛ لا استعارةً تُقال، بل حقيقةً تشعر بها القلوب قبل أن تنطق بها الشفاه. نحن غصنان من شجرةٍ واحدة، ونهران يصبان في بحرٍ واحد، وطائران يحلقان في سماءٍ واحدة، مهما تباعد جناحاهما، فإن وجهتهما واحدة، ومهما تغيَّرت الرياح، فإن عودتهما مؤكدة. فإذا أبصرتني، فقد أبصرته في صدقي وحناني، وإذا أبصرته، فقد أبصرتني في عينيه، وفي صوته، وفي صمته، وفي دعائه. نحن صفحةٌ كتبها الحبُّ بحبر الوفاء، وزيَّنها الإخلاص بزهر الرجاء، وحفظها الزمن لأنها كُتبت بقلوبٍ لا تعرف إلا الصدق. وهكذا نمضي، لا نطلب من الدنيا إلا أن تُبقي هذا النور متقدًا، وهذا العهد موصولًا، وهذا الحب مزهرًا. فإن العمر مهما طال قصير، وإن الجمال مهما اكتمل زائل، أما الأرواح إذا تعاهدت على الصدق، فإنها تبقى، وتسمو، وتزهر، وتلتقي، ولو فرَّقتها الطرق، وأبعدتها المسافات. سلامٌ على قلبٍ أحبَّ فأخلص، وصبرَ فوفى، واشتاق فدعا، ولقي فارتوى. وسلامٌ على روحين جمعهما القدر، وزكَّاهما الوفاء، وباركهما الحب، حتى صارا مثالًا يُروى، ونشيدًا يُغنَّى، وحكايةً تُزهر في ذاكرة العاشقين جيلاً بعد جيل. فما الحبُّ إلا لقاءُ روحٍ بروح، ونورٍ بنور، وسرٍّ بسر، فإذا صدق العهد، وصفت النية، وأخلص القلب، أصبح العاشقان كأنهما نبضةٌ واحدةٌ في قلب الزمان؛ لا يفرقهما ليلٌ ولا نهار، ولا ضعفٌ ولا انكسار، لأن المحبة الصادقة إذا سكنت الأرواح، صارت حياةً لا تنتهي، ودعاءً لا ينقطع، ونورًا يبقى ما بقي الحب في قلوب المؤمنين به. في هذا القلب داخله : تتلاشى المسافات: فلا يعود القرب مقياساً للحضور، بل يكفي أن تحضر الروح لتتبدد وحشة الأيام. يُصبح الصمت لغة العيون : لغة مفهومة تتجاوز الحروف و المعاني، حيث يكفي تبادل الأرواح لتمرير أصدق المشاعر. في هذا المرفأ الآمن ترسو سفينتي، يجد الإنسان نفسه قادراً على تجاوز كل العواصف ، مستنداً إلى يقينٍ دافئ بأن هناك من يشاركه تفاصيل الروح، ويأوي إليه كلما أرهقته دروب الحياة.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال