أينَ أملي و حلمي ؟ أنشودةُ قلبٍ تائهٍ بينَ الحلمِ والعدل

أينَ أملي و حلمي ؟ أنشودةُ قلبٍ تائهٍ بينَ الحلمِ والعدل
رحتُ أفتّشُ في دهاليزِ عقلي، وأُصغي إلى صدى الأسئلةِ في أعماقي، فهل يُدركُ العقلُ وحده محنةَ كونٍ حيَّرتِ الحكماء، وأرهقتِ الفلاسفةَ والشعراء؟ أأنا أسيرُ هذا الكون، أم أنَّ الكونَ يسيرُ نحوي؟ أأنا الاسمُ في سجلِّ الأيام، أم الأيامُ تكتبُ اسمي؟ وإذا كان لكلِّ قلبٍ نصيب، ولكلِّ روحٍ حقٌّ وقريب، فلماذا أقفُ عند أبوابِ العمر مردِّداً في حيرةٍ وقلق: فأجابني العقلُ، بصوتٍ متردّدٍ بين الشكِّ والحذر، وقال: يا صاحبي، إنَّ دروبَ البشر مفروشةٌ بالأشواكِ قبل الزهر، وإنَّ العدلَ الذي تنشده غريبٌ في كثيرٍ من المواطن، وحزينٌ في كثيرٍ من المحاضر. تطلبُ ميزاناً مستقيماً، وقانونُ الناسِ مائل، وتسألُ عن الإنصاف، وفي القلوبِ ألفُ جائر. فإن وجدتَ عدلاً حقاً، فقف أمامه، واسأله بلسانِ المظلوم: ليتني أوقظُ وعياً نامَ طويلاً في جماجمَ أغلقتها العادة، وأحرّرُ إنساناً مخدوعاً من أنيابِ الوحشِ في ثوبِ السيادة. ليتني أصونُ الدينَ الجميل من أيدي الذين زيّنوا الباطلَ بالقولِ الطويل، وجعلوا من القداسةِ ستاراً، ومن النورِ جداراً، ومن الحقِّ أسيراً خلفَ الأسوار. أناسٌ يقتلون الحقيقةَ نهاراً، ثم يبكون عليها مساءً، ويرفعون أكفَّ الضراعة، وهم أولُ من أضاعَ الأمانة. وكلُّما سقطَ حقٌّ على الطرقات، سمعتُ صدى الأصوات: حرّفوا المعنى، وشوّهوا المبنى، فصار الكتابُ الذي جاء هدايةً مطيّةً للهوى والرغبات. نسجوا من الدينِ شِباكاً يصطادون بها البسطاء، ويلبسون ثياباً لم تُفصَّل لهم، ولا خيطت على مقاسِ أرواحهم. فإذا بالثوبِ المزيّف ينشقُّ أمامَ البصائر، وتنكشفُ سرائرُ السرائر. ويخرجُ من بين شقوقه صوتُ المقهورين: ذلك ثوبُ العصبيّات، وثمرةُ العنصريّات، يسترُ الظاهرَ حيناً، ويفضحُ الباطنَ أحياناً. استعاره قومٌ ليخفوا عيوبَ نفوسهم، فإذا به يكشفُ ما حاولوا ستره، ويُظهرُ ما سعوا إلى دفنه. هناك أقليةٌ تملك، وأكثريةٌ تئن، هناك قصورٌ تلمع، وأكواخٌ تنطفئ. والتضادُّ بين الطرفين كليلٍ ونهار، وكغيثٍ ونار. فتعلو الأصواتُ من كلِّ مكان: كيف تشقى الجماهير، وتزدادُ القلةُ ثراءً؟ كيف يزرعُ الفلاحُ الأرض، ويحصدُ غيرُه الخضراء؟ كيف يتعبُ العاملُ حتى الغروب، ثم يعودُ إلى أطفاله بجيبٍ خاوٍ وقلبٍ كئيب؟ ملايينُ الوجوه تحملُ آثارَ التعب، وملايينُ الأرواح تتوسّدُ القهرَ كلَّ ليلة. والظلمُ راعٍ لا يرحم، يسوقهم إلى الصمت، فيهتفون من أعماقهم: يا لقصورٍ ارتفعت على أكتافِ الضعفاء، ويا لثرواتٍ نمت من عرقِ البؤساء. هذه الجدرانُ المزيّنة، لو نطقت، لحدّثت عن دموعٍ مخفية، وأعمارٍ منسية، وأحلامٍ ذبلت قبل أوانها. حتى الكؤوسُ المترفة، لو سُئلت عمّا فيها، لأجابت: فيَّ شيءٌ من تعبِ الفقير، وشيءٌ من دمعةِ الكسير. وحينها يعودُ السؤال: كم من حكيمٍ يسكنُ كوخاً صغيراً، هو عند الله أغلى من أميرٍ في قصرٍ كبير. يقتاتُ من كسرةِ خبز، ويشربُ من صبرٍ عذب، ويقتسمُ مع الفجر أحلاماً لا تنتهي. بينما ينعمُ غيرُه بالترف، وتُفتحُ له الأبواب، ويُفرشُ له الحرير. حتى كلبُ الشيخِ ينالُ ما لا يناله الفقير، فيعودُ الصدى الحزين: وفتاةٌ لفّها الغبار، وجعلتِ الريحُ عباءتَها، تخدمُ الناسَ صباحاً ومساءً، ولا تملكُ من الأرضِ موطئَ قدم. تحملُ همومَ العمر في قلبٍ صغير، وتخفي الدموع خلف ابتسامةٍ قصيرة. تتمنى راحةً لا تجدها، وسكينةً لا تراها، حتى إذا ضمّها القبر، سمعَ الترابُ همسَها الأخير: وأنا... أضعتُ عمري أبحثُ عن معنى العدالة، وأطاردُ سرابَ المساواة. كلما ظننتُ أني اقتربتُ، ابتعدَ الطريق، وكلما لمستُ الضوء، عانقني الحريق. ورأيتُ الناسَ يرجون عدلَ السماء، لأن عدلَ الأرض صار حلماً مؤجلاً. لكنَّ السماءَ نفسها تسألنا بصمتٍ بليغ: ماذا صنعتم بالحق حين كان بين أيديكم؟ يا ربّ، كيف خُلقتُ وفي داخلي هذا الجوعُ إلى الطمأنينة؟ كيف أتيتُ إلى الدنيا وقلبي يفتّشُ عن مأواه، وروحي تبحثُ عن معناها؟ أنا كسراجٍ في الدجى ينتظرُ قطرةَ زيت، وكزورقٍ في البحر ينتظرُ نسمةَ نجاة. أمضي، وأتعثر، وأقوم، ثم أمضي من جديد. وفي كلِّ منعطفٍ من العمر يرافقني السؤالُ القديم: فلا تلمني إن أطلتُ العتاب، ولا تؤاخذني إن كثرتُ السؤال. فالحائرُ إذا ضاقت به الطرق، ناجى السماء، والتائهُ إذا أرهقه الانتظار، فتّش عن جواب. وقد يكونُ الوهمُ وهماً، والخيالُ خيالاً، لكنَّ الألمَ حقيقة، والحرمانَ حقيقة، والقلبَ الذي ينشدُ العدل حقيقةٌ أكبر. لذلك سأبقى، بين الرجاءِ والانكسار، وبين الحلمِ والانتصار، أردّدُ مع نبضِ الروح، ومع أنينِ البشر، ومع صمتِ الحجر: أينَ أملي و حلمي ؟

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال