باقة خوص
توقّف لحظة عند أول الطريق الصاعد إلى جبّانة الغفير. رفع رأسه فرأى اللافتة الزرقاء الصغيرة معلّقة على ناصية الشارع: شارع سليم عبده.
قرأ الاسم كما لو أنه يقرأ سطرًا قديمًا من حياته، ثم التفت وراءه وألقى نظرة أخيرة على العباسية؛ على الميدان الصغير المكتظ بالناس، وعربات الترام والترولي باص، والبائعين الذين تتشابك أصواتهم كخيوط دخان في هواء المساء.
هناك كانت الحياة تضجّ. وهنا يبدأ الصمت.
ترك العمران خلف ظهره، ومضى ببطء في الطريق الطويل الهادئ، كأنما كان يسير داخل ذاكرته لا داخل شارع.
عن يمينه بيوت منخفضة من طابق أو طابقين، تظللها أشجار عتيقة تساقطت أوراقها الصفراء فتكدست عند الأرصفة كرسائل مهملة من الخريف. وعن يساره وقفت المدرسة الثانوية مغلقة الأبواب والنوافذ، كأنها مدينة هجَرها سكانها منذ قرون.
بعدها امتدت أرض مهجورة تناثرت فوقها الحجارة وأكوام التراب والأشواك و القمامة .
ثم انحنى الطريق قليلًا. فانفتحت أمامه مساحة شاسعة جرداء، وفي أقصى الأفق ارتفعت ثلاث عمارات بيضاء عالية، بدت له كأنها آخر ما تبقى من عالم الأحياء قبل أن يبدأ ملك الموتى.
وفي البعيد انتصبت أشجار الكافور الضخمة كحرّاس صامتين، وخلفها ارتفعت تلال المقطم تحيط بالقاهرة كما تحيط الذكريات بقلب عجوز.
كانت الشمس تغادر السماء ببطء، وتلقي آخر خيوطها الذهبية على قمم الأشجار، وعلى البيوت الصغيرة المتناثرة بين القبور، وعلى الطريق الخالي الممتد أمامه كأنه طريق في حلم قديم.
كان يعرف هذا الطريق جيدًا. يعرف كل شجرة فيه، وكل حجر، وكل انعطافة. كم سار فيه من قبل !. وكم عاد منه بقلب غير القلب الذي جاء به. !
تنهد طويلًا.
كل شيء حوله كان يشبه شيئًا بداخله. الفراغ... الجفاف... الصمت... حتى الأشواك المبعثرة على الأرض بدت له وكأنها نبتت في روحه أولًا ثم خرجت إلى التراب.
وقال في نفسه :
متى تحولت حياتي إلى هذه الأرض ؟ متى صار قلبي صحراء لا ينبت فيها إلا الحنين ؟
كان من عادته، في عصر يوم الوقفة من كل عيد ، أن يأتي إلى هنا ليروي قبر ابنه الصغير. في هذا المكان دفن سعادة عمره كلها. دفن ضحكة طفل كان يملأ البيت نورًا.
ودفن معه سنوات شبابه الأولى. وحبه الأول. وحلمه الأول.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد يشعر أن الحياة أعادته إليه كاملًا. بل أعادته ناقصًا إلى الأبد.
تذكر يوم كان يسير في هذا الطريق وإلى جواره زوجته.
كانت تمسك بذراعه بصمت. وكانا يجيئان معًا ليضعا باقة الخوص فوق القبر الصغير ثم يعودان دون كلام.
لم يكن الصمت بينهما يومها فراغًا. كان امتلاءً لا تستطيع الكلمات حمله.
أما الآن... فهو يسير وحده. هو وذكرياته فقط. حاول أن يهرب منها. فكر في العمل. في الناس. في تفاصيل يومه العادي. لكن الذكريات كانت أذكى منه. كانت تخرج من زوايا روحه كما يخرج الماء من شقوق الصخور.
عاد الماضي كله دفعة واحدة. عاد أكثر مرارة مما كان وهو يعيشه. كأن الألم لا يشيخ، بل يكبر معنا.
وأحس وهو يجر قدميه على الطريق الطويل أن السنوات مرت فوقه لا معه.
تقدم العمر به فجأة. أو ربما تقدم الحزن.
وتساءل:
هل ما ينقصني حقًا هو امرأة ؟
ثم أجاب نفسه بسرعة:
لا... ليس الأمر كذلك.
امرأة أخرى ؟
هل تستطيع امرأة أن تسكن بيتًا ما زالت جدرانه تحمل صوت امرأة أخرى ؟ هل يستطيع قلب مغلق منذ سنوات أن يفتح نوافذه مرة أخرى ؟
منذ رحيلها وهو يعيش كما يعيش الناس. يذهب إلى عمله. يعود إلى بيته. يأكل. ينام. يستيقظ. لكنه لم يشعر يومًا أنه عاد حيًا كما كان.
كان يعيش... ولا يحيا.
ابتسم بمرارة.
كم كان ساذجًا حين ظن أن صورتها ستتلاشى مع الأيام.
مرت ثلاثة أعوام. ثلاثة أعوام كاملة. وما زالت ابتسامتها تسكن ذاكرته كما كانت في أول يوم رآها فيه. بل ربما أصبحت أوضح.
الذكريات لا تموت. إنها فقط تتعلم كيف تختبئ. أغنية بعيدة في المساء... صورة قديمة في درج مكتبه... عطر عابر في الشارع... كلمة تشبه كلمة قالتها يومًا...
وفجأة تستيقظ الحياة كلها من جديد. النيل في أمسيات الصيف. أحاديثهما الطويلة.
سنوات الخطبة. أيام الزواج الأولى. ذلك البيت الصغير الذي كان يمتلئ بالضحك.
ثم جاء الطفل. طفلهما الجميل. وكان وجوده يشبه شمسًا صغيرة داخل البيت.
حين يضحك يضحك البيت كله. وحين يبكي يهرع القلبان إليه معًا.
ثم جاءت يد الموت فجأة. خاطفة. باردة. وأخذته وهو لم يبلغ الرابعة. ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء. لم يعد البيت هو البيت. ولا هما هما.
كانت زوجته تجلس ساعات طويلة أمام لعبه الصغيرة. أما هو فكان يهرب إلى العمل.
هي تبكي بصمت. وهو يحزن بصمت. والصمت أحيانًا يهدم ما لا تهدمه الحروب.
بدأ التوتر يتسلل إلى البيت كالدخان. لا سبب واضحًا. ولا خطأ محددًا. فقط حزن كبير لا يجد منفذًا للخروج. فتحوّل إلى غضب. ثم إلى نفور.
ثم إلى مسافات خفية بين قلبين كانا يومًا قلبًا واحدًا. وكانا، رغم كل شيء، يأتيان إلى هنا. إلى هذا القبر. يضعان باقة خوص. ويعودان. صامتين.
وذات يوم انفجر كل شيء.
قالت له بصوت مكسور:
لم أعد أستطيع أن أعيش هكذا.
أجابها بعناد رجل جريح:
وأنا أيضًا تعبت.
قالتها وهي تنظر إلى الأرض:
ربما أصبح الفراق أرحم لنا.
وردّ بمرارة:
ربما.
دخلت الغرفة. جمعت ثيابها. وحملت حقيبتها.
وعندما أغلقت الباب خلفها شعر وكأن البيت كله خرج معها. لم يكن يسمع صوت خطواتها وهي تنزل السلم. كان يسمع صوت شيء آخر. شيء يتحطم داخله.
بعد الفراق بدأ العناد يذوب. وصار يلتمس لها الأعذار. لكنه كان قد تأخر.
ثم سمع بعد أشهر أنها تزوجت. ويومها سأل نفسه ألف مرة:
كيف استطاعت ؟ هل نسيت ؟ هل محا الزمن كل شيء ؟ هل نسيت النيل ؟ والبيت ؟ و الطفل ؟ و هذا القبر ؟
أما هو فلم ينس شيئًا. و لا استطاع.
وصل إلى المدفن. طرق باب سيد التربي.
خرج الرجل العجوز يحمل المفاتيح. فتح الباب الحديدي بصمت. ودخل هو إلى الداخل. ظهرت أمامه صورة الصغير يركض في البيت. يقفز إلى حضنه. يعبث بأوراقه. ويضحك.
يا الله...
كيف يستطيع الموت أن يكون بهذه القسوة ؟
كادت دموعه تسقط. لكنه تماسك.
وفي تلك اللحظة سمع صوتًا خلفه :
أقرأ لك الفاتحة يا بيه ، وسورة صغيرة ؟
التفت. كان شيخًا عجوزًا يقف عند الباب.
أومأ برأسه.
دخل الشيخ وجلس يقرأ القرآن بصوت هادئ يشبه الماء.
وجاء التربي يحمل قربة ماء وبدأ يرش الرمل. وما إن انتهى حتى ابتلعت الأرض الماء كله بسرعة. نظر إلى الرمل الجاف.
وقال في نفسه:
حتى الأرض عطشى.
ثم ابتسم بحزن.
وأنا أيضًا.
عطش إلى الحياة. إلى الدفء. إلى الحب. إلى امرأة. لكن أي امرأة ؟ هل يستطيع أحد أن يحل مكان أحد ؟
ربما لا. وربما لا يطلب القلب بديلًا أصلًا. بل يطلب المستحيل نفسه.
جلس طويلًا. حتى سمع وقع خطوات خفيفة خلفه.
لم يلتفت. ظنها خطوات التربي.
لكن يدًا امتدت فجأة ووضعت على القبر باقة خوص.
تجمد مكانه.
ثم التفت ببطء. كانت هي. تقف على بعد خطوة واحدة. شاحبة. هزيلة. ترتدي ثوبًا أسود، وتحيط بوجهها طرحة سوداء شفافة. وفي عينيها شيء يشبه التعب القديم.
مدت يدها نحوه. تناول يدها بصمت. كانت باردة. باردة على نحو أخافه.
قالت بصوت خافت:
كيف حالك ؟
أجاب بعد تردد:
بخير... والحمد لله. وأنتِ ؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة:
لا بأس.
ثم سكتت. وسكت هو. وكان الصمت بينهما أثقل من الكلام.
قالت فجأة:
مات زوجي منذ شهور.
ورفعت عينيها إليه.
أعيش وحدي الآن.
شعر بجفاف في حلقه.
ولم يعرف ماذا يقول.
راح ينظر إليها خلسة. إلى الخطوط الجديدة حول عينيها. إلى التجاعيد الصغيرة قرب فمها. إلى التعب الذي استقر في ملامحها كما يستقر الغبار على الأشياء القديمة. وأدرك فجأة أن السنوات لم ترحمه وحده. بل مرت فوقها هي الأخرى. بكل قسوتها.
أراد أن يقول شيئًا. أي شيء. أن يسألها:
هل كنت سعيدة ؟ هل تذكرتني يومًا ؟ هل زرتِ القبر وحدك كما أفعل أنا ؟ هل بكيتِ مثلي ؟
لكن الكلمات بقيت سجينة صدره.
هي أيضًا بدت كأنها تريد أن تقول الكثير. لكنها لم تفعل.
كان الماضي كله يقف بينهما. صامتًا. واضحًا. ثقيلاً.
وأخيرًا قالت:
ما زلت تأتي كل عام ؟
نظر إلى القبر.
ثم قال:
لم أستطع أن أنقطع.
أطرقت برأسها وهمست:
وأنا أيضًا.
ورفع كلاهما عينيه إلى القبر الصغير. كان الطفل، حتى وهو تحت التراب، ما يزال يجمعهما.
ما أعجب الحياة. وما أعجب الفقد. أحيانًا يفرق الموت بين الناس. وأحيانًا يكون هو آخر ما يربطهم.
خرجا معًا من الجبانة. وسارا في الطريق الطويل الهادئ. خلفهما بقيت القبور، وأكوام التراب، وأشجار الكافور الصامتة. وأمامهما بدأت أضواء العباسية تلمع في البعيد. الترام. السيارات. الناس.الحياة.
سارا جنبًا إلى جنب دون كلام. لكن الصمت هذه المرة لم يكن موحشًا كما كان من قبل.
وعندما اقتربا من أول الميدان، التفت إليها. كانت تنظر إلى الأضواء البعيدة.
فسألها بهدوء:
هل تظنين أن العمر يمنحنا فرصة ثانية ؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
لا أدري...
وصمتت قليلًا قبل أن تضيف:
لكنني أظن أن القلوب المتعبة تستحقها.
نظر إلى باقة الزهر التي لم تزل بين يديها.
وشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة أن شيئًا صغيرًا يتحرك تحت رماد روحه.
شيء يشبه الضوء. أو الأمل. أو الحياة وهي تعود بخطوات خجولة من بعيد.
