عودةُ الطائرِ الشريد حينَ يعودُ القلبُ إلى عُشِّهِ، وتعودُ الروحُ إلى أغنيتِها الأولى

عودةُ الطائرِ الشريد حينَ يعودُ القلبُ إلى عُشِّهِ، وتعودُ الروحُ إلى أغنيتِها الأولى
قلتُ لهُ: غدًا أعودُ، بعدَ طولِ الغربةِ، وبعدَ ليالٍ كانتْ تمضي بطيئةً كأنها لا تنتهي، أعودُ إلى المدينةِ التي تركتُ فيها بعضَ عمري، وتركتُ على أرصفتِها خطايَ، وفي زواياها ضحكاتي، وعلى نوافذِها أحلامي الصغيرة. أجل، غدًا أعودُ، أعودُ إلى الطرقاتِ التي كانتْ تعرفُ اسمي، وإلى البيوتِ التي كانتْ تفتحُ أبوابَها للدفءِ قبلَ الزائرين، أعودُ إلى مدينتي التي كانتْ إذا ابتسمَ صباحُها أزهرتْ في القلبِ حدائقُ من الطمأنينةِ والحنين. هناكَ، على شفاهِ روضِها، سكبتُ أجملَ أغنياتي، وفي عيونِ ليلِها الهادئِ زرعتُ نجومًا من الأمنيات، فكانتْ السماءُ تُصغي لنبضِ قلبي، وكانَ القمرُ يمرُّ على نوافذِها كعاشقٍ يحملُ رسالةَ شوقٍ لا تنتهي. أجل، لقد قلتُ لهُ: غدًا أعودُ، فالحرُّ، مهما باعدتْ بينهُ المسافاتُ، يبقى وفيًّا لعهدِه، يحفظُ الودَّ وإن طالَ البعاد، ويصونُ الذكرى وإن غابتِ الوجوه، ويقدِّسُ الماضي الجميل، ويُتمُّ الوعدَ إذا حانَ اللقاء. لكنَّ في الدمِ كبرياءً لا يلين، وفي الروحِ إباءً لا ينحني، فالقلبُ يشتاقُ إلى العودة، والكبرياءُ يخشى الخضوع، وبينَ الشوقِ والشموخِ كانتْ روحي تمضي كطائرٍ يحملُ جناحينِ من حنينٍ وحنان، ومن نارٍ ونور. لم يَعُدْ بينَ السفوحِ والذُّرى فرق، فكلُّ شيءٍ هناكَ صارَ يرتدي ثوبَ الجمالِ القديم، حتى الترابُ غدا تِبرًا يلمعُ في العيون، وحتى الحجارةُ الصمّاءُ أصبحتْ تنطقُ بلغةِ الذكريات، وتغدقُ على القلبِ حكاياتٍ وعبرًا. وأصبحَ الربيعُ، ذلكَ العازفُ الأبديُّ، يطرقُ أبوابَ المواسمِ بألحانِه الخضراءِ، فتنهضُ الأشجارُ من صمتِها، وتبتسمُ الحقولُ بعدَ طولِ انتظار. أما النجومُ الوضّاءةُ، فكانتْ في سماءِ المدينةِ تختبئُ خلفَ غيومِ الحزنِ، كأنها تتنفسُ الشوقَ بصعوبة، وتنتظرُ عودةَ الغائبِ لتستعيدَ بريقَها القديم. فكيفَ لا أعودُ؟ والنورُ ما زالَ يسكنُ النوافذ، والشوقُ ما زالَ ينامُ على العتبات، والذكرياتُ ما زالتْ تلوِّحُ لي من بعيدٍ كما تلوِّحُ الأمهاتُ للمسافرين. كيفَ لا أعودُ؟ وقد صارَ الصمتُ يُنبتُ الورود، وأصبحَ الحطبُ اليابسُ يعزفُ سمفونيةَ الخلود، وتحوّلَ الرمادُ إلى رمادٍ يلدُ الشرر، والألمُ إلى أمل، والغيابُ إلى اقتراب. يا للعجبِ! كيفَ يجتمعُ الضدّانِ في قلبٍ واحد؟ كيفَ يسكنُ الليلُ والنهارُ نافذةً واحدة؟ وكيفَ يتعانقُ البعدُ والقربُ في روحِ عاشقٍ أرهقتْهُ المسافات؟ غدًا أعودُ يا صديقي، رغمَ ثورةِ الآباء، ورغمَ الأسئلةِ التي تُشبهُ العواصف، ورغمَ الأبوابِ التي أوصدها الخوفُ وفتحتها الذكرى. أعودُ لأشهدَ الظلامَ وهو يحاولُ أن يهزمَ الضياء، لكنَّ الفجرَ، مهما تأخرَ، لا بدَّ أن يأتي. وأعودُ لأشهدَ السرابَ وهو يخدعُ العطاشى، لكنَّ الحقيقةَ تبقى نبعًا لا يجف، وماءً لا يخون. وأعودُ لأشهدَ النفاقَ وهو يصعدُ السلالمَ العالية، بينما الصدقُ يسيرُ حافيَ القدمين، لكنَّه يصلُ أولًا، ويبقى طويلًا. وأعودُ لأشهدَ الضميرَ وهو ينزفُ في صمتٍ، فالجرحُ الصامتُ أشدُّ وجعًا من الصراخ، والدمعةُ الخفيّةُ أصدقُ من ألفِ خطاب. ومع ذلكَ كلِّه، سأعودُ... أجل، سأعودُ، وفي يديَ الماضي يمشي كرفيقِ سفرٍ قديم، يحملُ صورَ الوجوهِ التي أحببتُها، وأصواتَ الأزقةِ التي عبرتُها، ورائحةَ الخبزِ الدافئِ في الصباح، ورائحةَ المطرِ حينَ كانَ يطرقُ النوافذَ برفق. سأعودُ فتلتقي القلوبُ بعدَ طولِ افتراق، وتتصافحُ الأرواحُ بعدَ عناءِ السنين، ويعودُ النبضُ إلى أمكنتهِ الأولى، ويعودُ الدفءُ إلى مواقدِه القديمة. هناكَ، عندَ أولِ بابٍ من أبوابِ الحنين، سأتركُ تعبي على العتبة، وأدخلُ خفيفًا كنسمةِ مساء، هادئًا كدعاءِ أمٍّ في آخرِ الليل. وهناكَ أيضًا، سيجدُ الطائرُ الشريدُ غصنَهُ الذي أضاعهُ في الريح، وعشَّهُ الذي أخفتهُ المسافات، وسماءَهُ التي ظلَّ يحملُها في قلبِه أينما ذهب. فما أطولَ الغيابَ حينَ يكونُ الوطنُ بعيدًا، وما أقصرَ المسافاتِ حينَ يقودُ الحنينُ الخطى. إنَّ للروحِ أوطانًا لا تُقاسُ بالخرائط، وللقلبِ مدائنَ لا تُبنى بالحجارة، بل تُبنى بالحبِّ، وتُضاءُ بالذكرى، وتبقى عامرةً مهما مرَّ عليها الزمن. وهكذا، بعدَ سفرِ الريحِ، وبعدَ تعبِ الطريق، وبعدَ ليالٍ طويلةٍ كانتْ تنامُ على وسادةِ الانتظار، يعودُ الطائرُ الشريدُ أخيرًا، لا ليبدأَ رحلةً جديدة، بل ليجدَ النهايةَ التي تُشبهُ البداية، والبدايةَ التي تُشبهُ الحلم. يعودُ وفي جناحيهِ غبارُ الأسفار، وفي عينيهِ بقايا نجومٍ بعيدة، وفي قلبِهِ وطنٌ كاملٌ لم يغادرهُ يومًا، حتى وهو بعيد. ويستقرُّ أخيرًا، بعدَ عناءِ السرِّ البعيد، وبعدَ صمتِ المنافي الطويل، وبعدَ حوارِ الشوقِ والشموخ، على غصنِ المحبةِ والأمان. هناكَ فقط، يفهمُ الطائرُ الشريدُ أنَّ بعضَ الرحلاتِ لا تكونُ بحثًا عن مكان، بل بحثًا عن قلب، وأنَّ أجملَ عودةٍ هي تلكَ التي يعودُ فيها الإنسانُ إلى نفسِهِ، وإلى أحبّتِهِ، وإلى وطنِهِ الذي يسكنُهُ كما يسكنُ الضوءُ في الفجر، والعطرُ في الورد، والنبضُ في القلب. وهكذا عادَ الطائرُ الشريدُ، فعادَ معهُ الربيعُ، وعادَ معهُ الغناء، وعادَ معهُ الحنينُ حنينًا، والوطنُ وطنًا، والقلبُ قلبًا... وعادَتِ الحياةُ تُشبهُ الحياة.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال