علم التأويل أو الهرمنيوطيقا: فلسفة الفهم وتفسير الوجود
مقدمة
يُعدّ علم التأويل، أو ما يُعرف بالـ هرمنيوطيقا، واحدًا من أكثر فروع الفلسفة والعلوم الإنسانية عمقًا وتأثيرًا. فهو ليس مجرد أداة لتفسير النصوص، بل هو مبحث فلسفي يتناول طبيعة الفهم ذاته: كيف يفهم الإنسان العالم، وكيف يفسّر النصوص، وكيف تُنتج المعاني داخل اللغة والتاريخ والثقافة. فالهرمنيوطيقا لا تقتصر على تفسير النصوص الدينية أو الأدبية، بل تمتد إلى فهم الخطاب الإنساني في عمقه الوجودي، بما في ذلك الفعل البشري ذاته بوصفه نصًّا قابلًا للتأويل.
الفصل الأول: الأصل اللغوي والدلالي للمصطلح
تعود كلمة هرمنيوطيقا إلى الأصل اليوناني Hermēneuein، أي «يفسّر» أو «يترجم» أو «يعبّر»، وتُشتق من اسم الإله «هيرميز» الذي كان وسيطًا بين الآلهة والبشر، ينقل الرسائل الغامضة ويشرحها بلغة الإنسان. ومن هنا، نشأ البعد الرمزي للمفهوم، إذ يرتبط التأويل منذ البداية بفعل الوساطة بين الغيب والواقع، بين النصّ والمفسّر، بين اللغة والمعنى.
في الفكر اللاهوتي القديم، كانت الهرمنيوطيقا فنّ تأويل النصوص المقدسة، خاصة التوراة والإنجيل، من خلال البحث عن المعنى الصحيح الذي يتجاوز الحرف إلى الروح. ومع تطور الفكر الفلسفي واللغوي، تحوّل المصطلح إلى أفق أوسع يشمل دراسة الفهم الإنساني في عمومه، فأصبحت الهرمنيوطيقا علمًا يبحث في كيفية تفسير الإنسان للعالم والنصوص والتجارب.
الفصل الثاني: التأويل بين اللغة والوجود
إنّ العلاقة بين اللغة والفهم هي المحور الأساسي في علم التأويل. فكل فهم يمرّ عبر اللغة، وكل لغة تنطوي على رؤية للعالم. ومن هنا نشأ الارتباط العميق بين الهرمنيوطيقا والفلسفة الظاهراتية، حيث يصبح الفهم تجربة وجودية يعيشها الإنسان وهو يسعى لتأويل ذاته والعالم من حوله.
يرى الفيلسوف الألماني فريدريش شلايرماخر (1768-1834) أنّ التأويل ليس مجرّد منهج لتفسير النصوص الدينية، بل هو فنّ الفهم ذاته. فالمفسّر ينبغي أن يسعى إلى إعادة بناء تجربة المؤلّف الأصلية من خلال لغته وسياقه التاريخي والنفسي. ومن هنا انطلقت الهرمنيوطيقا الحديثة بوصفها فلسفة للغة والفهم، لا مجرد منهج للقراءة.
وقد واصل فيلهلم ديلتاي هذا التوجّه حين جعل التأويل الأساس الذي تقوم عليه العلوم الإنسانية، لأنّ هذه العلوم لا يمكن أن تُدرس كما تُدرس الظواهر الطبيعية، بل يجب أن تُفهم من داخل التجربة الإنسانية ذاتها. فالفهم في نظره ليس تفسيرًا سببيًا، بل هو تعاطف وتأمل وإدراك للمعنى التاريخي.
الفصل الثالث: التحول الفلسفي مع هايدغر وغادامير
شهد القرن العشرون تحوّلًا عميقًا في مسار الهرمنيوطيقا على يد مارتن هايدغر، الذي ربط بين التأويل والوجود الإنساني. فالفهم لم يعد مجرد نشاط معرفي، بل هو نمط وجود. الإنسان عند هايدغر هو «كائن في العالم» Dasein يعيش التأويل كطريقة وجودية لفهم ذاته ومكانه في الوجود. فاللغة ليست أداة خارجية للتعبير، بل هي بيت الوجود الذي يسكنه الإنسان، وفيه تتجلّى معانيه.
أما هانس جورج غادامير فقد طوّر هذا الاتجاه في كتابه الحقيقة والمنهج، مؤكّدًا أن الفهم لا يمكن فصله عن التاريخ والثقافة. فكل قارئ يدخل في «حوار» مع النصّ، حيث تتفاعل أفقاهما في ما سمّاه بـ«اندماج الآفاق». والفهم عنده ليس استعادة حرفية للماضي، بل هو عملية تأويلية مستمرة تتشكل فيها الحقيقة عبر الحوار بين النص والقارئ والزمن.
الفصل الرابع: التأويل النفسي والفلسفي
لا تقف الهرمنيوطيقا عند حدود الفلسفة، بل تمتد إلى علم النفس والفكر الإنساني. فقد حاول بول ريكور أن يربط بين التأويل والفعل الإنساني، مبينًا أنّ الرموز والأساطير والأحلام هي نصوص تحتاج إلى تفكيك وتأويل لفهم أعماق الذات. يرى ريكور أنّ الإنسان يعيش في عالم من العلامات، وأن الفهم يعني كشف الطبقات الرمزية التي تخفي المعنى الحقيقي. فالتأويل عنده هو «فنّ الفهم عبر الشكّ»، أي محاولة استعادة الذات من خلال قراءة معانيها المضمرة.
ومن المنظور النفسي، يصبح التأويل فعلًا تحليليًا وجوديًا، يعبّر عن حاجة الإنسان إلى إعطاء معنى لتجربته ومعاناته. فكل تأويل هو نوع من المصالحة بين الذات والعالم، بين الغموض والوضوح، بين الداخل والخارج. إنّ الهرمنيوطيقا هنا تلتقي بالتحليل النفسي، إذ كلاهما يسعى إلى كشف المعنى المخبّأ خلف الرموز والسلوكيات.
الفصل الخامس: البعد الأدبي والجمالي للتأويل
في النقد الأدبي، أدّت الهرمنيوطيقا دورًا محوريًا في تحويل القراءة إلى عملية خَلق للمعنى، لا مجرد اكتشاف له. فالنص الأدبي ليس حاملًا لمعنى ثابت، بل هو فضاء مفتوح يتجدد بتعدد القرّاء والزمن والثقافة. ومن هنا، يصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، ويغدو الفهم فعلًا خلاقًا، يتجاوز حدود المؤلف.
لقد أثّرت الهرمنيوطيقا في مناهج النقد الحديثة مثل البنيوية والتفكيكية، إذ أظهرت أن كل نصّ يحمل في داخله احتمالات متعددة للتفسير. فليس ثمة معنى نهائي أو قراءة وحيدة، بل تعدّد مستمر في الأفق التأويلي، يعبّر عن تنوّع التجارب الإنسانية واللغات والثقافات.
الفصل السادس: التأويل كفلسفة للحوار والاختلاف
من منظور فلسفي معاصر، تمثّل الهرمنيوطيقا اليوم فلسفة للحوار بين الثقافات والمعارف. فهي تدعو إلى فهم الآخر من خلال لغته وسياقه، لا عبر إسقاط تصوراتنا عليه. فالتأويل ليس فرضًا للمعنى، بل انفتاح عليه. وهو في جوهره فعل تواصلي أخلاقي، يعترف بأن الحقيقة ليست ملكًا لأحد، بل تُبنى في الحوار بين الذوات.
إنّ الأزمة المعاصرة للفهم، في ظل صراع الأيديولوجيات وتعدد الثقافات، تجعل من الهرمنيوطيقا أفقًا ضروريًا لتجديد الفكر الإنساني. فهي تعلّمنا أن الحقيقة ليست معطًى جاهزًا، بل سيرورة دائمة من الفهم المتبادل، وأن الفهم العميق للعالم يبدأ من الإصغاء للآخر، وللرموز التي تعبّر عن تجربته الوجودية.
الخاتمة
إنّ الهرمنيوطيقا ليست مجرد علم لتفسير النصوص، بل هي فلسفة للمعنى والوجود، وجسر بين اللغة والتجربة، بين الذات والعالم. إنها تسعى إلى فهم الإنسان في كل ما يقول ويفعل ويحلم ويكتب، لتعيد إليه القدرة على الإصغاء للمعنى في زمن فقد فيه الناس القدرة على الفهم المتبادل. وهكذا يغدو التأويل فعلًا إنسانيًا بامتياز، يربط الفكر بالوجدان، والمعرفة بالحياة.
المراجع
1. شلايرماخر، فريدريش. حول الفهم والتأويل. برلين، 1838.
2. ديلتاي، فيلهلم. مقدمة في العلوم الإنسانية. ترجمة عبد الغفار مكاوي، القاهرة، 1986.
3. هايدغر، مارتن. الوجود والزمان. ترجمة فتحي المسكيني، بيروت، 2012.
4. غادامير، هانس جورج. الحقيقة والمنهج. ترجمة محمد شوقي الزين، بيروت، 2007.
5. ريكور، بول. من النص إلى الفعل. ترجمة جورج زيناتي، بيروت، 1998.
6. إمبرتو إيكو. التأويل بين السيميائيات والهرمنيوطيقا. ميلانو، 1989.
