على ضفاف الأمل ونوافذ الشوق
أصالةُ الرأيِ صانتني من الزَّلل،
وزينةُ الفضلِ ألبستني ثوبَ الجمالِ والكمال.
فمجدِي شمسٌ لا تغيب، يشرقُ أولَ النهار وآخرَه،
كما يشرقُ الضياءُ في المهدِ كما يشرقُ في الأصيل.
وما لي أُقيمُ بأرضٍ لا مأوى فيها لروحي،
ولا ظلَّ فيها لأحلامي، ولا دفءَ فيها لحنيني؟
غريبٌ عن الأهل، بعيدٌ عن الودِّ،
أمضي وحيدًا كالسيفِ إذا جُرِّد من غمده،
قويًّا في ظاهره، جريحًا في سريرته.
لا صديقَ أبوحُ له بوجعي،
ولا أنيسَ أُهدي إليه فرحي،
فقد طالَ اغترابي حتى اشتاقتْ إليَّ الطرقات،
وحنَّتْ إليَّ الرواحلُ والرِّحال،
وتعبَ الركبُ من طولِ المسير،
وضجَّتْ الخطى من وعثاءِ الطريق.
أمدُّ كفَّ الرجاء لأبلغَ ما أرجو من المعالي،
غير أنَّ الدهرَ يعاكسُ الأماني،
فيُريني القممَ من بعيد،
ثم يُقنعني من الغنيمةِ بظلِّ السراب.
ولقيتُ من الرجالِ من جمعَ بين اللينِ والبأس،
فكان حلوَ الحديثِ إذا ما داعبَ الأرواح،
مرَّ العزيمةِ إذا ما نادى الوغى،
فيه رقةُ الغزلِ وقوةُ البطل،
واجتمعَ الضدَّانِ فازدادَ بهاؤهُ اكتمالًا.
سهرتُ أطردُ النومَ عن جفونه،
بينما الليلُ يسكبُ على العيونِ خمرةَ الكرى،
والركبُ بين صاحٍ وثَمِل،
وبين عاشقٍ يقتاتُ من الذكرى،
وولهانَ يقتبسُ من الشوقِ نارَه.
فقلتُ له:
كيف أدعوكَ للنصرةِ في الملمات،
وأنتَ تتأخرُ عند اشتدادِ الخُطوب؟
أتنامُ وعينُ النجمِ ساهرة،
ويغفو جفنكَ والليلُ لم يخلعْ عباءتَه السوداء؟
ثم مضيتُ أطلبُ ديارَ الأحبة،
أستنشقُ عطرَ حضورهم من نسائمِ الليل،
وأهتدي إلى منازلهم بعبيرِ الطيب،
فالحبُّ طريقٌ تُضاءُ دروبهُ بالعطرِ لا بالمصابيح.
هناك حيثُ الغواني كالأقمار،
شعورُهنَّ ليلٌ، ووجوهُهنَّ فجر،
وأعينُهنَّ سهامٌ من كحلٍ وغنج،
تُصيبُ القلبَ بلا وترٍ ولا قوس.
يزيدُ مجالسَهم جمالًا كرمُ النفوس،
فلا بخلٌ يُعكِّر صفوَ المودة،
ولا جبنٌ يُطفئ جذوةَ الشهامة.
نارُ الحبِّ تتقدُ في القلوب،
ونارُ القِرى تتألقُ فوق التلال،
فهذا كرمُ المشاعر، وذاك كرمُ المنازل.
كم من عليلٍ شفاهُ وصالٌ،
وكم من مكسورٍ جبرهُ لقاء،
وكم من روحٍ أعاد إليها الأملُ نبضَ الحياة.
وما رهبتُ يومًا طعنةَ السيف،
إذا رافقتها نظرةٌ من عينٍ فاتنة،
ولا خشيتُ بياضَ الصفاح،
إذا أهداني بياضُ الوجوهِ ابتسامةً صادقة.
فالحياةُ لا تُعطِي المجدَ للمترددين،
ولا تفتحُ أبوابَها للكسالى،
وحبُّ السلامةِ كثيرًا ما يُطفئ وهجَ الطموح،
ويُقنعُ النفسَ بالظلِّ بدلَ الشمس.
دعْ دروبَ العُلا لأهلِ العزائم،
واركبْ صهوةَ الحلمِ وإن وعُرتِ المسالك،
فالعزُّ في الرحيلِ والسعي،
لا في الركونِ إلى المألوفِ والمستحيل.
لقد حدَّثتني المعالي حديثًا لا كذبَ فيه،
أنَّ المجدَ ابنُ الحركة،
وأنَّ الكرامةَ بنتُ المغامرة،
وأنَّ الشمسَ لو رضيتْ بمكانها
لما عبرتْ سماءَ النهار.
أُعلِّلُ النفسَ بالأملِ الجميل،
فما أضيقَ الدنيا لولا فسحةُ الرجاء،
وما أقسى الليالي لولا نجمةٌ بعيدة
تعدُ القلبَ بقربِ الصباح.
عرفتُ قيمتي فصُنتُها عن الهوان،
فالجوهرةُ لا تُلقى على قارعةِ الطريق،
والسيفُ النفيسُ لا يليقُ إلا بكفِّ فارس.
وقد رأيتُ زمانًا يرتفعُ فيه من لا يستحق،
ويتأخرُ فيه أصحابُ الفضل،
لكنَّ الشمسَ نفسها تغيبُ أحيانًا،
ولا ينقصُ الغروبُ من نورها شيئًا.
فاصبرْ على تقلُّبِ الأيام،
ولا تُسلمْ قيادَ قلبكَ لليأس،
فأقربُ الناسِ قد يكونُ أبعدَهم وفاءً،
وأشدُّهم ابتسامًا قد يُخفي خلفَ ابتسامته غدرًا.
غاضَ الوفاءُ حتى كادَ يُنسى،
وفاضَ الغدرُ حتى صار مألوفًا،
واتسعتِ المسافةُ بين القولِ والعمل،
فصار الصدقُ غريبًا بين أهله.
ومع ذلك،
يبقى القنوعُ ملكًا وإن خلا من الجند،
ويبقى الحرُّ عزيزًا وإن قلَّ المال،
فالقناعةُ تاجٌ لا يُنتزع،
والكرامةُ كنزٌ لا يفنى.
وأخيرًا...
إذا رشَّحك الزمانُ لأمرٍ عظيم،
فكنْ على قدرِ الرسالة،
واربأ بنفسكَ عن مواطنِ الصَّغار،
فالنسرُ لا يليقُ به أن يحلِّقَ مع أسرابِ الهَمَل.
❀ فالأملُ وإن تأخرَ، آتٍ...
والحبُّ وإن غابَ، باقٍ...
والمجدُ وإن تعثَّرَ،
لا بدَّ أن يبلغَ قممَه من عرفَ قدرَ نفسه،
وأخلصَ السيرَ إلى حلمه.
