الأنين بين رمادِ الأمسِ ووهجِ الرجاءِ

الأنين بين رمادِ الأمسِ ووهجِ الرجاءِ
يا قومُ… أما آنَ للجرحِ أن يبوح؟ أما آنَ للوجعِ أن يُفصِحَ عمّا استترَ خلفَ صمتِ السنين؟ هزِلَتْ قضيّتُكم، لا لأنّها كانت واهنةً في أصلها، بل لأنّها أُثقِلَت بخيباتٍ تترى، وتُرِكَت في مهبِّ الريحِ بلا سَنَد. فلا لحمٌ هناك يُوارِي العار، ولا دمٌ يجري في عروقِها ليُحييها، حتى العظامُ، تلك التي كانت صلبةً كالعهد، تعرَّفتها الذئابُ… فنهشت، وافترست، وأتخمت من بقاياها. أواه يا قوم… كيف صار الجسدُ طيفًا؟ وكيف غدا الصوتُ صدىً يتردّد في فراغٍ لا يُجيب؟ بَلِيَتْ قضيّتُكم، فلم تعد رايةً تُرفَع، بل خرقةً تلوح، ولم تعد صرخةً تُسمَع، بل همسًا يضيع. صارت هيكلًا يتهدَّم، تتساقط أضلاعهُ كأوراقِ خريفٍ حزين، تتكسّر أركانهُ كقلبٍ خذلتهُ الآمال. ضمُرَت… يا قومُ ضَمُرَت، حتى انكمشت إلى حدودِ بلديّةٍ باردة، تتسلّط فيها الأيادي الغريبة، وتتحكّم فيها العيونُ التي لا ترى إلا مصالحها، ولا تسمع إلا صليلَ أطماعها. أيُّ انكسارٍ هذا الذي يُقاسُ بالأمتار؟ وأيُّ وجعٍ هذا الذي يُختزلُ في خرائط؟ أوضاعُها مجهولة… كأنها ليلٌ بلا قمر، أو بحرٌ بلا شاطئ. ومصيرُها لا يُعلَم… كأنّها سفينةٌ فقدت بوصلةَ الاتجاه، تتخبّط بين موجٍ وموج، لا رُبّانَ يقود، ولا نجمةَ تُرشد. يا قومُ… إنّ عدوَّكم ليس وجهًا عابرًا، ولا ظلًّا زائلًا، إنه قلبٌ لا يعرف اللين، وروحٌ لا تسكنها الرحمة. فلا تظنّوا أن ابتسامةً زائفةً تُخفي نواياه، ولا أن وعدًا معسولًا يُبدّل طباعه. هو الذئبُ إن لبسَ ثوبَ الحمل، والنارُ إن تزيّنت بلونِ الزهر، والسيفُ إن غُلِّفَ بغمدٍ من حرير. يا قومُ… ليس أمامكم إلا الجلاء، لكن أيُّ جلاءٍ ذاك؟ أجلاءُ خوفٍ أم جلاءُ كرامة؟ أفرارٌ من المواجهة أم نهوضٌ نحو الحياة؟ حزِّموا… نعم، حزِّموا، لكن لا تشدّوا الأمتعة فقط، بل اشدُدوا العزائم، اربطوا على القلوب، وأوقدوا في الصدور نارَ اليقين. حزِّموا ذكرياتِكم كي لا تضيع، واحملوا أسماءكم كي لا تُنسى، واكتبوا على جبينِ الطريق: “هنا مررنا… ولن نُمحى.” يا قومُ… إنّ القضيّةَ لا تموتُ إذا ماتت الأجساد، ولا تفنى إذا تكسّرت العظام، إنها تسكن في الكلمة، وتنبض في الذاكرة، وتتوهّج في العيونِ التي لم تُطفئها الهزائم. فإن ضاعت الأرضُ يومًا، فلا تُضيّعوا المعنى، وإن انطفأ الصوتُ حينًا، فلا تُطفئوا الصدى. اجعلوا من الحزنِ حافزًا، ومن الألمِ أملًا، ومن الدمعِ نهرًا يغسلُ وجوهَ الغد. يا قومُ… لا تقولوا انتهى الأمر، فالأمرُ لا ينتهي ما دام في الصدرِ نَفَس، ولا تقولوا ضاعت القضيّة، فالقضيّةُ تضيعُ فقط حين نُسلِّمُ بضياعها. إنّ الليلَ مهما طال، لا بدّ أن ينكسر، وإنّ الفجرَ مهما تأخّر، لا بدّ أن يُبصِر النور. فكونوا للفجرِ وعدًا، وللنورِ طريقًا، وللقضيّةِ نبضًا لا يخبو. يا قومُ… عودوا إلى أنفسكم، ففيها البداية، ومنها الطريق. لا تنتظروا من يُنقذكم، فما من منقذٍ يأتي من خارجِ الروح، ولا من يدٍ تُمدُّ إن لم تمتدّ أيديكم أولًا. كونوا أنتم الحكاية، وأنتم الرواية، وأنتم الصرخةُ إذا صمتَ الزمان. فإن سقطت قضيّتُكم، فاحملوها من جديد، وإن تكسّرت رايتُكم، فانسجوها من خيوطِ الصبر. وإن ضاقَ الأفقُ، فافتحوا في الحلمِ نوافذ، وإن خذلتكم الطرق، فاصنعوا من خطاكم دروبًا. يا قومُ… إنّ القضيّةَ التي تُبعث من الرماد، أقوى من تلك التي لم تُختبر، وإنّ الشعوبَ التي تعلّمت من سقوطها، أشدُّ بأسًا، وأبقى أثرًا. فلا تحزنوا إن تأخّر النصر، ولا تيأسوا إن طال الطريق، فكلُّ خطوةٍ نحو الحق، هي انتصارٌ صغير، وكلُّ صبرٍ على الألم، هو وعدٌ بنصرٍ كبير. يا قومُ… لا تجعلوا من الماضي قيدًا، بل اجعلوه جسرًا، ولا تجعلوا من الهزيمة نهاية، بل اجعلوها بداية. ففي كلِّ سقوطٍ حكمة، وفي كلِّ جرحٍ درس، وفي كلِّ دمعةٍ بذرةُ حياة. هزِلَت قضيّتُكم… نعم، لكنها لم تمت، بَلِيَت… نعم، لكنها لم تُدفن، ضَمُرَت… نعم، لكنها لم تختفِ. هي هنا… في الحنين، في الحكايات، في نبضِ القلوب. فأحيُوها… بالصدق، بالوحدة، بالإرادة. يا قومُ… إنّ الطريقَ أمامكم، وإن بدا وعِرًا، هو الطريقُ الوحيد. فامضوا… ولا تلتفتوا إلى الوراء كثيرًا، ففي الأمام حياة، وفي الأمام أمل، وفي الأمام… أنتم كما يجب أن تكونوا. حزِّموا… ولكن هذه المرّة، حزِّموا الحلم، واحملوا الوطن في قلوبكم، فالوطنُ لا يُقاسُ بالأرض فقط، بل يُقاسُ بمن يحملهُ في روحه. واذكروا… أنّ القضيّةَ التي تُحبّ، لا تُهزَم.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال