نتنياهو وصناعة البطولة الزائفة
قراءة في صورة القائد بين التاريخ والإعلام والحرب
في التاريخ الإنساني – عموما – شخصياتٌ تصنع المجد بالبناء الفكري البناء، وأخرى تبحث عنه وسط الخراب و الدمار و القتل و الغدر و النفاق . شخصياتٌ يخلّدها الناس لأنها رفعت قيمة الإنسان كانسان كرمه الله ، وأخرى يطاردها التاريخ لأنها جعلت الجشع و الدم وسيلةً للسلطة، والخوف أداةً للبقاء. ومن بين أكثر النماذج السياسية إثارةً للجدل في عصرنا شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ( الترجمة الحرفية لاسمه : بن من نتن يا هو )، الذي تحوّل، في المخيال السياسي العالمي، إلى صورة مركّبة تجمع بين القوة الإعلامية، والخطاب الأمني، وصناعة “البطل” الذي يعيش على الحروب أكثر مما يعيش على السلام ، و هى طبيعة لا تخصه واحدها بل تخص كل زعماء شعبه ، بل و بعض القادة أمثال نيرون و هتلر و حاليا ترمب .
هذه الشخصية لا يمكن فهمها بوصفها مجرد رجل سياسة عابر، بل بوصفها نتاجًا تاريخيًا وفكريًا ونفسيًا طويلًا ، بل و اجتماعيا ، تشكل عبر بيئة أيديولوجية متشددة عانت التشتت طوال التاريخ ، وتغذّى على فكرة “الخطر الدائم”، حتى صار الخوف جزءًا من بنية الخطاب السياسي ذاته. ومن هنا تبدو دراسة نتنياهو مدخلًا لفهم ظاهرة أوسع: كيف تُصنع البطولة السياسية في زمن الإعلام؟ وكيف يتحول القائد، عبر الدعاية والخوف، إلى رمز عند أنصاره، وإلى كارثة إنسانية عند خصومه؟
أولًا: الجذور الفكرية… حين يصنع الأبُ الابن
لا يمكن قراءة شخصية نتنياهو من دون العودة إلى والده، المؤرخ الصهيوني بن صهيون نتنياهو، الذي كان أحد أبرز وجوه “الصهيونية التحريفية”، وهي المدرسة الفكرية التي تبنت رؤية قومية متشددة تقوم على القوة العسكرية وحدها، وترى أن الصراع مع العرب صراع وجود لا حدود.
لقد نشأ بنيامين نتنياهو داخل بيتٍ يرى التاريخ سلسلةً متواصلة من الاضطهاد والخطر. وكان والده متأثرًا بأفكار زئيف جابوتنسكي، صاحب نظرية “الجدار الحديدي”، التي تقوم على فرض القوة حتى يقبل الطرف الآخر بالأمر الواقع. ومع الزمن، لم تعد هذه الأفكار مجرد اجتهادات سياسية، بل تحولت إلى رؤية نفسية للعالم: عالمٌ لا مكان فيه للتسويات، بل للخوف والقوة والهيمنة.
وهنا تتجلى إحدى أهم القضايا النفسية في تكوين الشخصية السياسية؛ فالطفل الذي ينشأ داخل خطاب يعتبر “الآخر” تهديدًا دائمًا لوجوده، غالبًا ما يكبر وهو يرى الحوار ضعفًا، والرحمة تراجعًا، والقوة الطريق الوحيد للنجاة. ولذلك يبدو خطاب نتنياهو، في كثير من الأحيان، قائمًا على فكرة واحدة تتكرر بصيغ مختلفة: “نحن محاصرون، إذن يجب أن نضرب أولًا” نضرب و نهدم و نقتل الأغيار .
ثانيًا: البطولة بوصفها عرضًا إعلاميًا
في الأزمنة القديمة، كانت البطولة تُقاس بما يقدمه القائد لشعبه من عدالة وازدهار . أما في عصر الصورة، فقد أصبحت البطولة تُصنع أحيانًا داخل الاستوديوهات وغرف الأخبار. فالإعلام الحديث قادر على تحويل السياسي إلى “ ممثل منقذ”، حتى لو كان الواقع يفيض بالدمار.
لقد نجح نتنياهو، عبر سنوات طويلة، في تقديم نفسه داخل الخطاب الغربي بوصفه “حارس الأمن الإسرائيلي”، مستفيدًا من لغة الخوف العالمية بعد أحداث الإرهاب والحروب الحديثة. لكنه، في المقابل، ظهر في عيون قطاعات واسعة من العالم العربي والإنساني باعتباره رمزًا لسياسات العنف والحصار والقصف الغير مبرر .
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: فالقائد الذي يتحدث عن “الأمن” يُنظر إليه، عند خصومه، بوصفه مصدرًا للرعب. والقائد الذي يرفع شعار “الديمقراطية” يُتهم بأنه يتجاهل حقوق شعبٍ كامل يعيش تحت الاحتلال والحصار بل أرواح شعبه .
إنها مأساة السياسة الحديثة؛ حيث يستطيع الخطاب الإعلامي أن يصنع صورتين متناقضتين للشخص نفسه: بطلًا عند جماعة، وخصمًا أخلاقيًا عند جماعة أخرى.
ثالثًا: الحرب بوصفها أداة للبقاء السياسي
من الناحية النفسية، كثيرًا ما تلجأ الأنظمة المأزومة داخليًا إلى “العدو الخارجي” لتوحيد الداخل. وهذه الظاهرة ليست جديدة؛ فقد عرفها التاريخ منذ الإمبراطوريات القديمة حتى الأنظمة الحديثة.
وقد واجه نتنياهو، خلال مسيرته السياسية، أزمات عديدة داخل المجتمع الإسرائيلي: احتجاجات شعبية، اتهامات بالفساد وصلت إلى المحاكم بين أنصاره و بين معارضيه ، وانقسامات سياسية حادة. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الحرب - في نظر بعض الساسة - وسيلة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، وتحويل اهتمام الناس من الأزمات الداخلية إلى “الخطر الخارجي الذي يهدد وجود الجماعة ”.
إن المجتمع الخائف يميل إلى الالتفاف حول السلطة، حتى لو كان مختلفًا معها. ولهذا تبدو لغة “التهديد الوجودي” حاضرة بقوة في خطاب نتنياهو ( حماس ، حزب الله ، ايران ، كراهية السامية ؛ فهي ليست مجرد لغة أمنية، بل وسيلة نفسية لإنتاج التماسك السياسي.
لكن المفارقة المؤلمة أن الشعوب هي التي تدفع الثمن دائمًا. فالحروب لا تلتهم الجيوش وحدها، بل تلتهم الأطفال والأمهات والبيوت والأحلام الصغيرة التي لا تظهر في نشرات الأخبار . و إن ظهرت فهى في نظر البعض ( الأعمي الضمير ) حب البقاء .
رابعًا: غزة… حين تصبح المأساة سؤالًا أخلاقيًا
في كل حرب على غزة، يعود السؤال الإنساني نفسه: هل تستطيع القوة العسكرية أن تكسر إرادة شعب يعيش تحت الحصار منذ سنوات؟
لقد تحولت غزة، في الوعي العربي والعالمي، إلى رمز للصمود الإنساني تحت القصف والحرمان. صور الأطفال تحت الأنقاض، والأمهات اللواتي يبحثن عن أبنائهن بين الركام، صنعت خطابًا إنسانيًا أقوى من كثير من التصريحات السياسية الزائفة الرنانة .
وهنا يظهر التناقض الحاد بين “القوة” و ”الشرعية الأخلاقية”. فالقوة تستطيع تدمير الأبنية، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تنتصر على الذاكرة الإنسانية. ولهذا، كلما اشتدت آلة الحرب، ازداد حضور السؤال الأخلاقي: ماذا يبقى من صورة “البطل” حين تُقاس البطولة بعدد الضحايا؟
لقد أدرك العالم الحديث أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لصناعة المجد. فالقائد قد ينتصر في المعركة، لكنه يخسر صورته الأخلاقية أمام التاريخ.
خامسًا: مصر ورفض التهجير… الجغرافيا حين تتحول إلى موقف
من أبرز القضايا التي ظهرت خلال الحرب على غزة قضية تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. وقد قوبلت هذه الطروحات برفض مصري واضح، انطلاقًا من اعتبارها تهديدًا للأمن القومي المصري، ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر اقتلاع الشعب من أرضه.
وقد حمل الموقف المصري دلالة سياسية ورمزية مهمة؛ إذ أكد أن الجغرافيا ليست مجرد حدود، بل هوية وذاكرة ومسؤولية تاريخية. فالدول لا تُقاس فقط بقوة جيوشها، بل أيضًا بقدرتها على حماية ثوابتها الوطنية.
وفي هذا السياق، بدت مصر وكأنها تستعيد دور “حائط الصد” أمام مشاريع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة. وهو ما منح الموقف بعدًا عربيًا أوسع، يتجاوز السياسة اليومية إلى سؤال الكرامة والسيادة.
سادسًا: الجماهير وصناعة “البطل”
المفارقة الكبرى أن الشعوب كثيرًا ما تصنع أبطالها تحت تأثير العاطفة والخوف والإعلام. فالجماهير، في أوقات الأزمات، تميل إلى البحث عن شخصية قوية تمنحها الإحساس بالأمان، حتى لو كانت تلك القوة قائمة على العنف و القتل ( النازية مثلا ).
وهذه الظاهرة لا تخص مجتمعًا بعينه، بل هي ظاهرة إنسانية عامة. فالتاريخ مليء بقادة ارتفعت شعبيتهم في أوقات الحرب، ثم تراجعت حين انكشفت آثار الخراب.
إن “البطل السياسي” ليس دائمًا شخصًا استثنائيًا، بل قد يكون نتاجًا لظروف اجتماعية ونفسية وإعلامية معقدة. ولهذا فإن أخطر ما في السياسة الحديثة ليس فقط القادة، بل قدرة الإعلام على تحويلهم إلى أساطير مؤقتة.
سابعًا: بين البطولة الحقيقية والبطولة الزائفة
البطولة الحقيقية لا تُقاس بعدد الطائرات التي وهبتها أمريكا ، ولا بحجم الترسانة العسكرية بأسلحة الدمار الشامل ( كل ذلك على حساب الضعف العربي ، و المال الخليجي )، بل بقدرة الإنسان على حماية الحياة لا سحقها. البطل الحقيقي هو من يمنع الحرب لا من يطيلها، ومن يبني الجسور لا الجدران.
لقد أثبت التاريخ أن القوة وحدها لا تصنع الخلود. فكم من إمبراطور ظن نفسه خالدًا ثم صار مجرد هامش في كتب التاريخ. وكم من شعبٍ ضعيفٍ عسكريًا بقي حيًا في ذاكرة الإنسانية لأنه تمسك بحقه وأرضه وكرامته.
ولهذا، فإن صورة نتنياهو ستظل موضع انقسام حاد: يراه أنصاره رجل دولة يحمي أمن إسرائيل ، بينما يراه خصومه رمزًا لسياسات القصف والحصار والهيمنة. و يراه المجتمع الدولي مجرم حرب ،غير أن الحكم الأخير لا تصنعه الشعارات السياسية، بل تصنعه ذاكرة الشعوب، والتاريخ الطويل الذي يحتفظ دائمًا بصور الضحايا أكثر مما يحتفظ بخطب الساسة.
خاتمة
في النهاية، لا تبدو قضية نتنياهو مجرد قصة رجل سياسي يعتمد على القوة ، بل قصة عصرٍ كامل أصبحت فيه الصورة أقوى من الحقيقة أحيانًا ( بفضل الممارسات الأمريكية الصهيونية ) ، وصار الإعلام قادرًا على إعادة تشكيل الوعي الجماعي. إنها قصة الخوف حين يتحول إلى سياسة، والقوة حين تفقد بعدها الأخلاقي، والبطولة حين تصبح مجرد عرضٍ إعلامي فوق ركام المدن.
ومع ذلك، يبقى التاريخ أكثر صبرًا من السياسة. فهو لا يحكم في لحظة الغضب، بل بعد أن يهدأ الدخان، وتتكشف الحقائق، وتبقى الأسئلة الكبرى معلقة: من الذي انتصر فعلًا؟ ومن الذي بقي في ذاكرة الناس رمزًا للإنسانية؟
ربما لا يجيب الحاضر عن هذه الأسئلة اجابة كاملة، لكن المستقبل يفعل دائمًا ما هو الصواب .
مراجع عربية وأجنبية
1. عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق.
2. عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي.
3. بن صهيون نتنياهو، أصول محاكم التفتيش في إسبانيا في القرن الخامس عشر.
4. إدوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب.
5. Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism.
6. Noam Chomsky, The Fateful Triangle: The United States, Israel and the Palestinians.
7. Erich Fromm, The Anatomy of Human Destructiveness.
8. Gustave Le Bon, The Crowd: A Study of the Popular Mind.
9. Frantz Fanon, The Wretched of the Earth.
10. Jacques Ellul, Propaganda: The Formation of Men's Attitudes.
