التذوّق الفني والنشاط الإبداعي بين النظرية والمنهج في علم النفس

التذوّق الفني والنشاط الإبداعي بين النظرية والمنهج في علم النفس
مدخل إشكالي: بين دهشة الإنسان ومنطق العلم كيف يجوز لنا أن نستعير مناهج العلوم الأخرى ونحن بإزاء الإنسان؛ هذا الكائن المتفرّد، المركّب، المتجاوز لتاريخه ووضعه، والزاخر بأسرار لا تنفد؟ ألسنا أقرب إلى الظاهرة ونحن موضوعها، وأقدر على إدراكها بحكم معايشتنا لها؟ أم أنّ القرب قد يكون—في مفارقةٍ دقيقة—حجابًا يحول دون الرؤية الواضحة؟ إنّ هذه التساؤلات، وإن بدت في ظاهرها دفاعًا عن خصوصية الإنسان، فإنها في حقيقتها تمثّل ما يمكن تسميته بالمفارقة البلاغية (طباق القرب/البعد)؛ إذ يلتقي فيها القرب بالجهل، ويقترن البعد بالمعرفة. قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات: 21 وهذا استفهام إنكاري ذو بلاغة تحريضية، يدعو إلى تجاوز الألفة السطحية نحو تأمل علمي عميق. وفي الشعر العربي، يقول أبو الطيب المتنبي: وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيمِ وهنا تتجلّى بلاغة الحكمة التي تكشف محدودية الفهم الإنساني رغم قربه من موضوعه. أولًا: طبيعة المعرفة العلمية في علم النفس ليست المعرفة العلمية في علم النفس انعزالًا عن الواقع، بل هي سعيٌ لتنظيمه وفهمه. فالعلم لا يطلب الظواهر لذاتها، بل يطلب المنهج المؤدي إليها. وهنا تظهر بلاغة التعليل في ربط الوسيلة بالغاية. يقول ألفريد نورث وايتهد إن السؤال الحديث لم يعد: ماذا نعرف؟ بل: كيف نعرف؟—وهو انتقال من مضمون المعرفة إلى بنيتها. إنّ الأفكار الكبرى في علم النفس، شأنها شأن سائر العلوم، ليست صورًا ذهنية جامدة، بل أدوات لفهم الواقع والتنبؤ به. وهذا ما يعبّر عنه القرآن في نسقٍ بديع من القياس التمثيلي البلاغي: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الروم: 24 ثانيًا: المنهج العلمي بين الارتباط والتجريب المنهج الارتباطي: بلاغة الجمع والتأليف يقوم هذا المنهج على الكشف عن العلاقات بين الظواهر، دون الجزم بالسببية. وهو يشبه في بلاغته الاستعارة التنظيمية، إذ يشبّه العلاقات النفسية بخطوط الطول والعرض التي تنظّم الجغرافيا دون أن توجد فعليًا. وقد بيّن هانس آيزنك أن الشخصية يمكن فهمها عبر أبعاد مثل الانبساط والانطواء، وهي نتائج لمثل هذا التحليل. المنهج التجريبي: بلاغة الحسم والبرهان أما المنهج التجريبي، فيسعى إلى تحديد الأسباب عبر ضبط الشروط. وهو أقرب إلى القياس المنطقي في البلاغة، حيث تتحدد النتيجة من مقدمات مضبوطة. وفي هذا السياق، يمكن استحضار قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ البقرة: 111 وهو أسلوب أمر يحمل بلاغة التحدي والإلزام. ثالثًا: الإبداع والتذوق الفني بين الذات والموضوع لم يعد التذوق الفني يُفهم بوصفه استجابةً للمنبه الخارجي فحسب، بل بوصفه تفاعلًا بين العمل الفني وخصائص المتلقي. وهنا تتجلّى بلاغة التفاعل (التشخيص)، حيث يُمنح العمل الفني حياةً تتغير بتغير المتلقي. فالمقطوعة الموسيقية الواحدة قد تُحدث أثرًا مختلفًا تبعًا للدوافع والسمات الشخصية. وهذا ما يشبه قول الشاعر أبو تمام: ولولا خلالٌ سنّها الشعرُ ما درى بغاةُ الندى من أين تؤتى المكارمُ حيث تتجلى بلاغة الإيحاء في ربط الفن بتشكيل القيم. رابعًا: النظرية العلمية: بناءٌ حيّ لا قالب جامد تُعرّف النظرية العلمية بأنها نسق من المفاهيم المترابطة التي تنظّم الوقائع. لكنها ليست بناءً ثابتًا، بل كائن حي يتغير مع تطور المعرفة—وهذا ما يُعرف بـبلاغة الحركة (الاستعارة الحيوية). يقول ألبرت أينشتاين إن النظرية محاولة للتكيف مع الواقع، لا مرآة جامدة له. شروط النظرية الجيدة • أن تقوم على ملاحظات دقيقة • أن تعبّر عن العلاقات بوضوح (لفظيًا أو رياضيًا) • أن تكون قابلة للتعديل • أن تسمح بالتنبؤ وهذه الشروط تمثل في مجموعها بلاغة الاتساق، حيث تتناغم الأجزاء لتشكّل كُلًا معرفيًا متماسكًا. خامسًا: بين العلم والفن: وحدة الهدف واختلاف الطريق على الرغم من اختلاف المنهج، فإن العلم والفن يشتركان في هدف واحد: تأليف الواقع وفهمه. فكما جمع كارل ماركس بين علاقات الإنتاج والبنية الاجتماعية، وجمع نجيب محفوظ بين قلق الإنسان وسعيه للمعنى، كذلك يسعى علم النفس إلى جمع شتات الظواهر في نسق مفهوم. وهنا تتجلّى بلاغة المقابلة بين مجالي العلم والفن، حيث يختلفان في الوسيلة ويتحدان في الغاية. خاتمة: النظرية بين السياسة والعقيدة ليست النظرية العلمية عقيدة جامدة، بل سياسة مرنة لتنظيم الواقع وتوجيه البحث. وهي، كما قيل، طريقٌ لا ينتهي، لأن الواقع نفسه في تغير دائم. ولعل أبلغ ما نختم به قول الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ طه: 114 وهو دعاء يحمل بلاغة التواضع المعرفي، ويؤكد أن الحقيقة ليست محطة، بل مسار. المراجع • القرآن الكريم • هانس آيزنك، أبعاد الشخصية • ألبرت أينشتاين، مقالات في فلسفة العلم • ألفريد نورث وايتهد، العلم والعالم الحديث • نجيب محفوظ، روايات مختارة

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال