عيونها الجاحدة

عيونها الجاحدة
ماذا تريدين؟ وسيفُ السؤالِ على شفتيَّ مُشرَعٌ ، وأنتِ - واقفـةٌ - تُحادّينَ الصمتَ العنيد، كأنكِ صخرٌ يُنازعُهُ الصدى ، أو ليلٌ يُشاكسُ فجرًا وليد. وعيناكِ… يا لهما من عيدٍ غاضبٍ ، لا يحملُ الفرحَ ، بل يكتنزُ الوعيد ، كفُوَّهتَي بركانٍ تغليانِ بالحميمِ المكبوت ، وتنثرانِ شررَ الألمِ البعيد. وذاكِ القتيلُ… أنا ، مُلقىً على عتبةِ الصمت ، تملّكني وجومٌ كثيف ، كأن الحزنَ وطنٌ قديم يسكنُني ولا أبارحُهُ. وبرغمِ أنكِ بالصراخِ تُهددين ، وبرغمِ نظراتكِ المشحونةِ بسيوفِ القسوة ، ما زال في القلبِ نهرٌ حنون ، يرتجفُ شوقًا لأيامِ التلاقي ، كي تعود… بهواكِ رغم العواصفِ العاتية، ورغمَ جراحِ الصدور، ما زال حبّي… يُقاوم، يُريد، ويُجيدُ الانتظار.  ماذا تريدين؟ وأجبتُ - بخوفٍ مريع - كأنّ الكلماتِ طيورٌ مذعورة تحطُّ على شفتيَّ ثم تفرُّ. وفؤادي… ذاك المذعورُ، تعصرهُ الضلوعُ كما يُعصرُ الليلُ آخرَ أنفاسِه قبل الفجر. خفقاتي الحيرى… دموع ، وأحلامي… أشلاءُ نورٍ مكسور ، ما زلتُ أحلمُ بالرجوع ، كغريقٍ يُلاحقُ ظلَّ شاطئٍ بعيد. ما زلتُ أبحثُ… في زحامِ الوجوه ، في طرقاتِ التيه ، في صخبِ الحياة ، عن بقايا حُلمٍ تحطّم قبل أن يولد . عن حبّي… الموءودِ قبل الفِطام ، عن طفلِ الشوق الذي لم يعرفِ الدفءَ يومًا ، عن فرحةٍ توارَت خلفَ ذبولِ الأيام ، وانطفأت قبل أن تُسمّى ابتسام. لكن… اليأسَ - يا سيدتي - جبلٌ عنيد ، أقام في صدري حصنًا لا يُهَدّ، ففقد القلبُ دليله ، وغدا على دربِ العمرِ شريدًا ، لا يعرفُ وجهةً ، ولا يستريحُ في مقام.  ماذا تريدين؟ والناسُ حولي دوائرُ من عيون ، تُحدّقُ في دهشةٍ مصطنعة ، وتنسجُ من العجبِ ألفَ رواية. الكلُّ… يدّعي الشرفَ ، يُفاخرُ بالمروءة ، يتزيّنُ بالشَّهامة ، كأنّ القيمَ أقنعةٌ تُلبسُ عند اللزوم. لكنني… أبصرُ ما وراء الوجوه ، فجميعهم— مرضى الروح ، يعانونَ جدبَ المعنى ، ويقتاتونَ على فتاتِ التفاهة. الكلُّ يلعنُ جرأتي ، يُدينُ وقاحتي ، ويُقيمُ لي محكمةً من الظنون ، لكنهم… لا يجهلونني فقط ، بل يجهلونَ أنينَ الحقيقة. لا يشعرونَ بلوعتي ، ولا يقرؤونَ ما بينَ سطورِ الصمت. لو زاروا – مرةً- غرفتي ، لرأوا… جدائلَ شعركِ معلّقةً كأغنيةٍ قديمة ، وبقايا عطركِ في زجاجةٍ تتنفسُ الذكرى. لأدركوا… أنكِ كبّلتِ قلبي بقيودٍ من وعد ، ثم تركتِهُ يتعثّرُ في الفراغ . فهل يُلامُ عاشقٌ إن هفا إلى أملٍ جديد ؟ أم يُدانُ القلبُ إن حاول النجاة ؟  ماذا تريدين ؟ وأنا الآن… أغفو خلفَ قضبانِ الضلوع ، لا فرقَ بين الليلِ والنهار، فالزمنُ هنا يُقاسُ بالأنين. وقلبي… قطعةُ جليد ، تكسوهُ برودةُ الغياب ، وترتفعُ فوقهُ سُحبُ الكآبةِ الثقيلة. والشرطيُّ - بصوتهِ الجاف - يسألني: من أنت ؟ كم عمرك ؟ أين تسكن ؟ فأجبته - بابتسامةٍ مكسورة: أنا… إنسان ، تعبَ من تعريفِ نفسه ، أنا عمرٌ تاهَ بين الأمسِ واليوم ، أنا عنوانٌ كان الجنان ، ثم صارَ قفصَ اتهام. أنا - مسهدُ العينين ، مُجهدُ البنيان ، تنهشني الذكرياتُ كما تنهشُ الهوامُ جسدًا منسيًّا. فلا تسأل عني ، ولا تُوقظ فيَّ حكاياتِ الألم ، دعني… في غياباتي وحيدًا ، أتجرّعُ الذكرى ككأسٍ مُرّ، ويطويني الأمسُ كما يطوي الغروبُ آخرَ خيطٍ من الضوء.  ماذا تريدين؟ سؤالٌ لم يعد ينتظرُ جوابًا ، بل صارَ مرآةً أرى فيها وجهي المُتعب. لقد صارتِ الثورةُ في عينيكِ… اتهامًا ، وفي عينيّ… حُلمًا مكسورًا. وما بيننا— مسافةٌ من صمت ، أوسعُ من الغياب ، وأقسى من الوداع. فإن عدتِ يومًا… لن أسأل: ماذا تريدين ؟ بل سأقول - وقد تعلّمتُ من انكساري: إن الحبَّ… ليس معركة ، ولا انتصارًا ، بل هو وطنٌ ، إن ضاع… ضاعَ فيهِ كلُّ شيء.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال