نشيدُ الوطنِ بينَ يديْ مَلِكٍ عادل

نشيدُ الوطنِ بينَ يديْ مَلِكٍ عادل
يا لروعةِ الوطنِ حينَ يُظلِّلُهُ قلبٌ يعرفُ معنى الرحمة، وحينَ يجلسُ على عرشِه رجلٌ لا يرى في التاجِ زينةً من ذهب، بل أمانةً من تعبٍ وسهر، ومسؤوليةً تُضيءُ الليالي وتُطفئُ خوفَ الرعيّة. فليسَ كلُّ مُتوَّجٍ يَحمي البلاد، ولا كلُّ من حملَ الصولجانَ عرفَ طريقَ الرشاد. فكم من مَلِكٍ نامتْ عيناهُ قريرة، بينما الوطنُ يسهرُ في وجعِه، وكم من حاكمٍ أرهقتهُ همومُ الناس، فصارَ الليلُ في عينيه طويلاً، كأنّ النجومَ تُعاتبه إن غفا، وكأنّ أنينَ الفقراء يوقظه كلّما حاولَ أن يستريح. ذلك هو الملكُ الذي تُحِبُّه القلوبُ قبلَ أن تُهابه، وتأنسُ إليه الأرواحُ قبلَ أن تنحني له الرؤوس. ملكٌ إذا ضاقتِ الدنيا على شعبه، اتّسعَ صدرُه لهم، وإذا أظلمتِ الطرقاتُ، كان لهم قمراً ودليلاً. لا يتركُ الرعيّةَ نهباً للفوضى، ولا يُسلِمُ البلادَ لريحِ الفساد، بل يمضي بينَ الناسِ كالأبِ الحنون، يسألُ عن الضعيف، ويُداوي انكسارَ المقهور، ويزرعُ في الأرضِ أمناً يشبهُ المطرَ حينَ يلامسُ القلوبَ العطشى. ما أجملَ الحاكمَ حينَ يكونُ قريباً من شعبه، يسمعُ نبضَهم، ويعرفُ أوجاعَهم، حتى ليغدو في وجدانِهم سمعاً وفؤاداً، وتغدو البلادُ باسمه أكثرَ دفئاً وطمأنينة. فالحكمُ ليس قصوراً عالية، ولا مواكبَ تُصفّقُ لها الشوارع، بل قلبٌ كبيرٌ يتّسعُ لوطنٍ كامل، وعزمٌ لا ينكسرُ أمامَ العواصف. أمّا الحاكمُ الغافل، فهو ليلٌ ثقيلٌ على البلاد، يتركُ الناسَ في متاهاتِ الخوف، ويجلسُ فوقَ عرشِه كأنّ المُلكَ حلمٌ شخصيٌّ لا علاقةَ لهُ بدموعِ البشر. ترتجفُ الرعيّةُ من حوله، وتصيرُ المدنُ كأرملةٍ ترتدي السواد، فلا أمنٌ يُطمئنُ القلوب، ولا عدلٌ يُنصفُ المظلومين. وحينَ يغيبُ العزمُ عن الحاكم، تضيعُ البلادُ بينَ أيدي العابثين، ويصبحُ الوطنُ كسفينةٍ أنهكَها الموجُ ولم تجدْ ربّاناً يقودها. فالملكُ الحقُّ لا يقومُ إلا بالحكمة، ولا يثبتُ إلا بالحزمِ والعدل. بالحزمِ الذي تنكسرُ عنده الفتن، وبالعدلِ الذي يُحيي القلوبَ كما يُحيي المطرُ الأرضَ اليابسة. يا عزيزَ النيل، يا من تنظرُ إليكَ الآمالُ حائرةً، وتسألُكَ البلادُ أن تُضيءَ لها الطريق، إنَّ الوطنَ حينَ يتعبُ، يبحثُ عن يدٍ تُمسكُه برفق، وعن قائدٍ يُعيدُ للأحلامِ أجنحتها. انظرْ إلى البلادِ كيفَ أثقلتها الخطوب، وكيفَ مزّقَ الشقاقُ أبناءَها، فصارَ الأخُ يبتعدُ عن أخيه، وصارَ الحزنُ يتسرّبُ إلى البيوتِ كالدخان. القلوبُ متعبة، والأرواحُ تُنادي من يُعيدُ للوطنِ وجهَه الجميل. فلا تتركْ شعبكَ لرياحِ الفتن، ولا تُسلِمْهم لنارِ الخوفِ والضياع، فالأوطانُ حينَ تُهمَلُ تتكسّرُ من الداخل، وحينَ يغيبُ عنها العدلُ، تذبلُ كحديقةٍ هجرها الماء. قُدْ بلادكَ بحكمةِ من يعرفُ قيمةَ الإنسان، واجعلْ من العدلِ باباً لا يُغلَق، ومن الرحمةِ لغةً بينكَ وبينَ الرعيّة. ابنِ للوطنِ حصناً من الأخلاق، فالأممُ لا تعلو بالقوّة وحدها، بل ترتفعُ حينَ تسمو أخلاقُها، وحينَ يصبحُ الخيرُ عادةً في النفوس، والصدقُ ضياءً في الوجوه. عوّدْ الناسَ المحبّة، فالقلبُ يألفُ ما يُسقى به؛ إن سُقيَ خيراً أثمرَ سلاماً، وإن سُقيَ شراً أورثَ خراباً. وللأخلاقِ عدوى جميلة، تمشي بينَ الناسِ كنسيمِ الفجر، فإذا صلحَ القائدُ، صلحتْ وجوهٌ كثيرة، وإذا استقامَ الراعي، مالتِ الرعيّةُ إلى الاستقامةِ كما تميلُ السنابلُ نحوَ الشمس. إنّ الوطنَ لا يحتاجُ إلى الخطبِ وحدها، بل إلى يدٍ تبني، وقلبٍ يُنصف، وعقلٍ يرى المستقبلَ بعينِ الحكمة. فالبلادُ التي يحكمُها العدلُ، تنامُ مطمئنّةً كطفلٍ في حضنِ أمّه، والأرضُ التي يسكنُها الأمانُ، تزهرُ فيها الأحلامُ كما تُزهرُ الحدائقُ بعد المطر. وما أجملَ أن يرى الشعبُ حاكمَه بينهم، يسيرُ في دروبِهم، ويحملُ همومَهم كأنّها همومُه، فيشعرُ الفقيرُ أنّ لهُ سنداً، ويشعرُ المظلومُ أنّ العدالةَ قريبة، ويشعرُ الوطنُ كلُّه أنّهُ حيٌّ نابضٌ بالمحبّة. فيا من بيدِه أمرُ البلاد، اجعلْ من الوطنِ قصيدةَ نور، ومن الشعبِ أسرةً واحدة، ولا تدعِ الفرقةَ تزرعُ أشواكَها بينَ القلوب. فما أجملَ الاتّحادَ حينَ يجمعُ الناسَ على الخير، وما أقسى الشقاقَ حينَ يُحوّلُ الوطنَ إلى جراحٍ مفتوحة. إنّ الأممَ تمضي بالأمل، وتنهضُ بالإرادة، وتبقى بالأخلاق. وكلُّ وطنٍ لا يحرسُه العدلُ، تأكلهُ الفتنُ من أطرافه، أمّا الوطنُ الذي يسكنُه الحبُّ، فتحرسُه دعواتُ البسطاءِ، وتظلّهُ رحمةُ السماء. فامضِ بالبلادِ إلى فجرٍ جديد، تعودُ فيه الضحكاتُ إلى الوجوه، ويعودُ النيلُ أغنيةً زرقاءَ في عيونِ أبنائه، ويعودُ الوطنُ بيتاً دافئاً لا يخافُ ساكنوه. هناك فقط، يصبحُ الملكُ تاجاً من نور، ويصبحُ الشعبُ جناحينِ لوطنٍ واحد، وتصبحُ الحياةُ قصيدةً كبيرة، يعزفُها الحبُّ، ويُتمُّها العدلُ،

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال