أشعار النساء
من القضايا المقررة أن العرب أمة شاعرة ، قرضت الشعر منذ زمن بعيد ، قاومت آلاف من قصائدها عوادي الدهر ، حتى جاء عصر التدوين فدونت ، و أطلت علينا .
و بديهي أن هذا الشعر الذي غالب الزمن ، و تخطاه لم يكن أول شعر قد اكتمل خصائص الشعر الأسلوبية و المعنوية و الموسيقية ، لأنه من غير جدال مسبوق بمحاولات شتى في أزمان متطاولة .
و قد كان العرب يعتزون بشعرهم ، و يتخذونه الوسيلة لتخليد مآثرهم و الإشادة بفضائلهم ، فهو عندهم كالآثار المشيدة التي خلفتها بعض الأمم ، و ليس من اللغو أن نقول إن العرب قرضوا وحدهم من الشعر في الجاهلية و الإسلام أكثر مما قرضته أمم العالم مجتمعة "
و كان رواة الشعر يحققون فيما يروون ، و ينحرون الصواب جهدهم ، و ينبهون على كثير من الدخيل المنحول ، حتى لقد حدث الزبير عن ابن سلام عن يحيى بن سعد القطان أنه قال : رواة الحديث يروون مصنوعا كثيرا ، و رواة الشعر ساعة ينشدون المنوع ينتقدونه و يقولون هذا مصنوع .
قلن المروي من شعر النساء .:
لكننا أمام الفيض الزاخر من شعر الرجال لا نجد إلا قلة من شعر النساء ، و بخاصة في الكتب الأولى التي جمعت الشعر : كالطبقات لابن سلام ، و الفضليات للضبي ، و معجم الشعراء للمرزباني ، و المؤتلف و المختلف للآمدي ، و الحماسة أبي تمام ، فمثلا في المفضليات مرثية واحد لمرأة من بني ضبيعة في خمسة أبيات ، وليست هذه المرأة معروفة الاسم أو العصر .
و ذكر ابن سلام عن أصحاب المرائي متمم بن نويرة ، و الخنساء ، وأعشى باهلة ، و كعب بن سعد الغنوي ، ثم قال :
و المقدم عندنا متمم بن نويرة ، و بعد هذا ذكر الخنساء في ايجاز فقال : بكت الخنساء أخويها صخرا و معاوية ، فأما صخر فقتلته بنو أسد ، و أما معاوية فقتلته بنو مرة من عطفان ، فقالت في صخر كلمتها التي تقول فيها :
و إن صخر لتأتم الهداة به
و كلمتها الأخرى :
أمن حدث الأيام عينك تهمل و تبكي على صخر و في الدهر مذهل
و قالت في معاوية قصيدتها :
ألا ما لعينيك ، أم مالها لقد أخضل الدمع سربالها
فكأنها في رأي ابن سلام لم تقل غير هذا .
و لم يذكر الآمدي في المؤتلف و المختلف إلا بضع شواعر ، و لم يورد المرزباني في معجم الشعراء امرأة واحدة ، و لكن عذره انه قصر على الشاعرات كتابا كاملا.
كذلك فعل القرشي إذ ذكر في الجمهرة تسعا و أربعين قصيدة لتسعة و أربعين ساعرا ، منها سبع قصائد في الرثاء ، و ليس في الجمهرة شاعرة .؟ :
لماذا قلت رواية شعرهن ؟ :
لعل الأسباب في قلة ما روي من شعرهن أول الأمر راجعة إلى عدة أسباب :
1 – كان الرواة في عصر الجمع و التحصيل حراصا على الغريب ، فكانوا يأخذون عن الأعراب ، لأنهم يقدرون في الشعر قيمه اللغوية ، و لكن شعر النساء قليل الغريب ، فلم يحفل الرواة بحفظه و إذاعته .
2 – و قد يكون من بواعث هذا الاغفال أن العرب يؤثرون الفحولة و الجزالة في الشعر ، و قد وجد الرواة و المدونون في شعر الرجالة رصانة و قوة ، فاحتفوا به ، و وجدوا في شعر النساء رقة و لينا و ضعفا أحيانا فلم يحفلوا به .
3 – على أن شعر النساء موحد الغرض في القصيدة الواحدة ، و ربما حسب الرواة هذا عجزا ، لأن العرب جروا على تعدد موضوعات القصيدة ، و تنوع أغراضها ، و الف الرواة و العلماء هذا التعدد .
و ليس ادل على اعجابهم بنهج القصيدة الجاهلية الجاري عل تعدد الموضوعات من أن هذا النهج سيطر على القصائد العربية إلى العصر الحديث .
4 - ثم أن الشاعر كان لسان قبيلته ، يذيع محامدها ، و يشيد بأبطالها ، و يمدح سادتها ، و يهجو خصومها ، و لم تكن المرأة لتقوم في القبيلة هذا المقام ، ، و لهذا قل في شعر النساء ذكر الحروب و الأيام ، و شعر المديح و الهجاء ، فلم يجد المؤرخون و الأخباريون فيه طليتهم .
5 – و ربما كان مرد بعض ذلك إلى لون من التعصب ، فقد ضب المثل ببعض الشعراء في اجادة فنون خاصة ، كقول ابن الأعرابي : لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي ذؤاب ، و لا وصف الحمر إلا احتاج إلى أوس بن حجر ، و لا وصف أحد نعامة إلا احتاج إلى علقمة بن عبدة ، و لا اعتذار احد في شعره غلا احتاج إلى النابغة الذبياني
و لم يضرب أحد المثل بالخنساء في اجادة الرثاء ، بل أن ابن سلام أثر عليها متمم بن نويرة .
6 – و لقد يكون من بواعث هذا الإغفال أو التغافل أن الشعر الجاهلي فقد كثير منه كما قرر عمر بن الخطاب و أبو عمرو بن العلاء ، و كما ذكر ابن سلام ، فضاع من شعر النساء كثير ، بقى قليل .
7 – ثم عن أوسع أبواب الشعر الجاهلي ما يتصل بالحروب و المفاخرات و الحماسة عامة ، حتى ان القبائل التي كانت تنعم بسلام طويل لم ينبغ فيها غلا قليل من الشعراء ، فمثلا بالطائف شعراء و ليسوا بالكثير ن و إنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء نحو حرب الأوس و الخزرج ، أو قوم يغيرون ويغار عليهم ، و الذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم ثائرة ، و لم يحاربوا ، و ذاك الذي قلل شعر عمان و أهل الطائف في طرف ، و مع ذلك كان فيهم أبو الصلت و ابنه أميه و غيرن بن سلمة ، و كنانة بن عبد ليل ، و أبو محجن بن حبيب الثقفي ، و من البديه أن الحرب و الحماسة أخلق بالرجال من النساء ، و إن كن فد شاركن في الحروب أحيانا .
مصادر حافلة بشعرهن :
ثم حفلت المصادر بشعر النساء في الجاهلية و الإسلام كالأغاني و العقد الفريد و عيون الخبار و الكامل لابن الأثير و العمدة و معجم البلدان و المثل السائر و أمثال العرب للضبي ، و درة الغواص و كتاب القصيدة النورانية في مناقب العدنانية – مخطوط بالمكتبة الشرقية – و كتاب الرقائق في مجموعة الشعر الجاهلي الرائق ، و شرح ابن بدرون على قصيدة ابن زيدون ، و حماسة البحتري ، و شرح الحماسة ، و أمالي ابن الشجري ، و نفح الطيب للسان الدين بن الخطيب ، ، و امالي المرتضى ، و تاريخ الطبري ، و جمهرة الأمثال لأبي هلال ، و معجم ما استعجم للبكري ، و الكامل للمبرد ، و زهر الآدب للحصري ، و بلاغات النساء لابن طيفور ، و غيرها ، و ظهر ت لبعضهن دواوين ، فللخرنق أخا طرفة ديوان مخطوط ، ثم طبع ، و لجنوب الهذلية ديوان ذكره صاحب كشف الظنون ، و للخنساء ديوان مخطوط ، و مطبوع باسم " أنيس الخنساء " في شرح ديوان الخنساء بتحقيق الأب لويس شيخو اليسوعي سنة 1896 ، على أن بعض المؤلفين القدامى اختصوا ببعض كتبهم أشعار النساء مثل السيوطي ، فقد ألف نزهة الجلساء في أشعار النساء ، و ذكر في مقدمته أنه جزء لطيف في الشاعرات المحدثات دون المتقدمات من الجاهليات و المخضرمات ، فإن أولئك لا يحصين كثرة ، حتى ان الطرماح ( توفي سنة 100 هـ ) جمع كتابا في أخبار النساء الشواعر من العربيات فجاء في عدة مجلدات ، رأيت منها المجلد السادس و ليس هو الأخير .
لكن هذا الفيض لم يسلم من الدخيل المنحول ، فقد يكون بعضه لشاعر و ينحل شاعرة ، و قد يكون بعضه من صنع الراوي أو المؤلف غير أن الخطب هنا سهل ، لأن دوافع النحل و الانتحال في شعر النساء أقل منها في شعر الرجال ، و من السها أن نرد ما ألصق بالشواعر من شعر دخيل ، معتمدين على سمات فيه لا تلائم أنوثتهن و خصائصهن الأسلوبية .
المرزباني
أما مؤلف ( اشعار النساء ) فهو محمد بن عمران بن موسى المرزباني ، الراوية الإخباري الكاتب ، و لد سنة ست و تسعين او سبع و تسعين و مئتين ، و توفي سنة أربع و ثمانين و ثلاث مئة ، و قيل ثمان و سبعين و ثلاث مئة ، و دفن ببغداد .
و المرزباني بفتح الميم و سكون الراء ز ضم الزاي و فتح الباء ، و بعد الألف نون مكسورة نسبة إلى اجداده المسمى المرزبان ، هذا الاسم لم يكن يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم العظيم القدر ، و معناه بالعربية حافظ الحد .
عرف المرزباني بصدق حديثه ، بكثرة سماعه ن و بسعة عمله بالروايات ـ ة كان ثقة من خيار المعتزلة .
و قد روي بالإجازة عن عبد الله البغوي ، و أبي بكر بن دريد ، و أبي بكر بن الأنباري ، و أبي بكر داود السجستاني ، و أبي القاسم البغدادي ، و نفطوه و غيرهم .
و روى عنه كثير من معاصريه مثل أبي عيد الله الصيمري ، و أبي القاسم التنوخي ، و أبي محمد الجوهري .
و نستطيع أن نتبين كثرة تلاميذه و حفاوته بهم من قوله : كان في داري خمسون ما بين لحاف و دواج – شيء يلبس كاللحاف – معدة لهل العلم الذين يبيتون عندي .
و إنه ليدل على عظم قدره قول أبي علي الفرسي إنه كان من محان الدنيا ، و أن عضد الدولة كان يجتاز على داره فيقف على بابه حتى يخرج إليه ، فيسلم عليه ، و يساله عن حاله .
و اشتهر المرزباني بانه يحسن ترتيب ما يصنفه حتى قيل أنه أحسن تصنيف من الجاحظ .
و لقد أثرى المكتبة العربية بعشرات من مؤلفاته القيمة ، يكفي أن نذكر المتصل منها بالشعر :
1 – معجم الشعراء ، ذكر فيه على حروف المعجم نحو خمسة آلاف اسم ، طبعه المستشرق الدكتور سلم الكرنكوي ، و نشرته مكتبة المقدسي بالقاهرة سنة 1354 هـ .
2 - الموسع فيما انكره على بعض الشعراء من كسر ولحن و عيوب في الشعر ، و سماه ياقوت الموشّع و قد طبع بالقاهرة سنة 1343 باشم الموشح ,
3 – أشعار النساء ,
4 – أخبار الشعراء المشهورين و المكثرين من المحدثين و أنسابهم و أزمانهم أولهم بشار بن برد و آخهم ابن المعتز ، في عشرة آلاف ورقة .
5 – أخبر أبي تمام ف نحو مئة ورقة .
6 – اخبار عبد الصمد بن العذل الشاعر
7 – الأنوار و الثمار فيما قيل في الورد و النرجس و جميع النوار من الأشعار .
8 – مستحسن النظم و النثر
9 – الرياض في أخبار المتيمين من الشعراء الجاهلين و المخضرمين و الاسلامين و المحدثين .
10 – شعر حاتم الطائي
11 – كتاب الشعر ، و هو جامع لفضائله و محاسنه و أوزانه و عيوبه و أجناسه و ضرزبه ، و أدب قائليه و منشديه ، و بيان منحوله و مسروقه .
12 – المراثي في نجو خمسة ورقة .
13 – المفيد في أخبار الشعراء و أحوالهم في الجاهلية و الإسلام و ديانتهم و نحلهم في نيف و خمسة آلاف ورقة .
14 – ديوان يزيد بن معاوية بين أبي سفيان ، و هو أول من جمعه و اعتنى به و هو صغير الحجم في نحو ثلاث كراريس
15 – كتب أخرى .
الكتاب
ذكر ياقوت ان أشعار انساء للمرزباني في ست مائة ورقة ، لكن الموجود من الكتاب – فيما أعلم- بقة من الجزء الثالث فحسب ، ، عدد أوراقها تسع وخمسون ، مخطوطة بقلم مغربي ، بدار الكتب بالقاهرة رقم 8 أدب ش
و معنى هذا أن الذي بين أيدينا من المتاب عشره ، و أن المفقود منه أو المتوارى إلى حين تسعة أعشاره .
و ليس من شك في أن فقدان هذا التراث النفيس خسارة أدبية كبيرة ، لأنه كما يبدو من الأوراق الباقية سجل ما لم يسجله سواه من أشعار النساء .
نهجه :
1 – يظهر من نهجه فيما تبقى من الجزء الثالث أنه كان يذكر الشواعر من كل قبيلة ، و إذا كان هذه الجزء مبدوءا بأخبار ليلى مع النابغة الجعدي ، فإنها تكملة من قبل شاعرات قبيلتها .
و الدليل على هذا أنه ذكر بعدها :
( أ) شاعرات ينتسبن إلى قشير بن كعب .
(ب) شاعرات ينتسبن إلى العجلان ، وهو عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
( جـ ) شاعرات ينتسبن إلى عامر ين ربيعة بن عامر بن صعصعة .
( د ) شاعرات ينتسبن إلى مرة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، وهم ينسبون إلى أمهم سلول .
( هـ ) جماعة من نساء بني عامر لم ينسبن .
( و ) شواعر ينتهي نسبهن إلى عبد القيس بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ريعة بن نزار .
( ز ) شواعر ينتهي نسبهن إلى النمر بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ريعة بن نزار .
( ح ) شواعر ينتسبن على تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ريعة بن نزار .
( ط ) شواعر ينتهي نسبهم إلى بكر بن وائل بن قاسط بن هنب .
( ي ) شاعرات ينتسبن إلى شيبان بن ثغلبة بن عكاية بن صعب بن علي بن بكر بن وائل .
( ك ) شاعرات من يشكر
( ل ) شاعرات من عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل
( م ) شاعرات من جنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل .
و هنا انتهت الورقات ، و لا شيء بعد عذا العنوان .
( 2 ) أسند الأخبار إلى مصادرها ، فال في أخبار ليلى مع النابعة الجعدي : كتب إلى أحمد بن عبد العزيز : أخبرنا عمر بن شبه عن أبي الحست المدائني قال :
و ذكر في أخبار ض باعة بنت عامر القشيرية قصة ، ثم قال : و أما الكلبي فقال:
ة قال في أخبار شواعر بني عجلان : كتب إلى أحمدج بن عبد العزيز : أخبنا عمر بن شيبة قال : أخبرني أبو بكر الباهلي .. قال
و قال في شواعر مرة بن صعصعة ، و جدت بخط حرمي عن ابن المرزبان لأم سعد السلولية ترثي ابنها مزاحما .
و قال في هؤلاء النسوة : أخبرني محمد بن أحمد الكاتب ، قال اخبرني أحمد بن أبي خيثمة عن الحرمازي قال :...
و قال : اخبرني محمد بن أبي الأزهر قال : حدثنا محمد بن يزيد النحوي ، قال :
و قال في شاعرت عبد القيس : حدثنا محمد بن الحسن بن عربيد ، قال أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال ..
و قال : اخبرني أبو ذ ر القراطيس ، قال : حدثنا عبد الله بن مح-مد بن أبي دنيا ، قال : حدثني الحسين بن عبد الرحمن,,
و ذكر في شاعرات عجل بن لجيم أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي .
قال أخبرنا أحمد بن يحيى النحوي , قال : اخبرنا سعدان بن المبارك عن أبي عبيدة قال ..
3 – نبه على الروايات الأخرى لما سجله من أشعار أو أخبار ، كقوله : قالت امرأة من بني عامر :
و حرب بضج القوم من بعثاتها ضجيج الجبال الجة الدابرات
و رواها أبو تمام الطائي في الحمامة لامرأة من بني عامر أيضا ، و قال فيه مكان بعثاتها نفيانهما :
يبعثها قوم و يصلي بحرها بنو نسوة للثكل مصطبرات
و روى أبو تمام " سيتركها "
فإن يك ظني صادق و هو صادق بكم و بأحلام لكم صغيرات
و قال أبو تمام : و هو صادق
تعد معكم الجزور رماحنا و تسك بالأكباد منكسرات
و قال أبو تمام : تعد فيكم خرز الجزور رماحنا و يمسكن .
و من هذا قوله : قالت أخت سعد بن قرظ العبدي " يا سعدكم أوقجت لذ أضياف نارا زهمة
و يروى : يا سعد خير من أقدت
و قوله : إن أخت جساس امرأة كليب الذي قتله جساس قالت :
يا بنة الأقوام إن لمت فلا تعجلي باللام حتى تسألي .
و بعد أن ذكر الأبيات قال : وجدت بخط حرمي بن أبي العلاء قال : محمد بن خلف بن المرزبان : هذه الأبيات لفاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن مرة أخت كليب و مهلهل ابني ربيعة ، ترثى كليبا الذي قتله زوجها جساس .
4 – لم يقتصر على ضرب واحد من ضرب الشعر النسوي ، بل ذمر ألوانا مختلفة
فالهجاء في قول ليلى لنابغة الجعدي :
و عيرتني داء بأمك مثله و أي جواد لا يقال لها : هلا
ردا على قوله لها :
ألا حييا ليلة و قولا لها فقد ركبت أير أغر محجلا
و التهكم في قول هند بنت الغطريف العجلانية لكندة العجلاني :
لعمرك لو كنت عصاك صليبة و كنت بظهر الغيب غير ضنين
لما طفق الأعداء ينتضلوننا و يأتوننا من شمأل و يمين
و لكنها كانت عصا خيزرانة إذا قليت بين الأكف تلين
و الغزل في قول امرأة من بني عامر كانت في نجعة ، فكلفت بفتى منهم ، فلما لاح لها البرق ، و رجعا إلى مياههم قالت :
تمتعا من أهل الكثيب بنظرة و قد قيل ما ين الكثيب كثيب
فإن الطثيب الفرد من أيمن الحمى إلي و إني لم أته لحبيب
الا حبذا ريح الغضا حين أدرست بقضبانه جنح الظلام جنوب
و الشكوى و السخط في قول امرأة يحسبها المرزباني من بني عامر بن صعصعة زوجت في طيئ
لا تحمد الدهر أخت أخا لها و لا و لا ترثين الدهر بنت لوالد
هم جعلوها حيث ليست بحرة و هم طرحوها في الأقاصي الأباعد
و النصح في قول امرأة من عبد القيس لابنها :
حذار بني البغي لا تقربنه حذار فإن البغي و خم عواقبه
و عرضك لا تبذل بعرضك إنني وجد مضيع العرض تلحى طبائعه
و كم قد رأينا الدهر غادر بالمحيا بمنزله ضاقت عليه مطالعه
و الرثاء في قول امرأة من بني شيبان قتل أبوها و أخوها وزوجها و ابنها و عماها و خالاها مع الضحك بن قيس الخارجي أيام مروان بن محمد ، فلم تكن امرأة أشد منها كمدا ، و قد عاشت بعد مقتل الضحاك ، فما رفأت لها عين ، و لا ضحكت و لا تبسمت :
من لقلب شفه الحزن و لنفس ما لها سكن
طعن الأبرار فارتحلوا خيرهم من معشر طعنوا
صبوا عند السيوف فلم ينطلوا عنها و لا جبنوا
فتية باعوا نفوسهم لا و رب البيت ما غبنوا
ابتغوا مرضاة ربهم حين مات الدين و السنن
فأصاب القوم ما طلبوا بعد ما هجتهم الفتن
و حان الأم و لهفتها في قول نتلة أو نتيلة بنت جناب بن كليب و قد أضلا ابنها ضرار في الكزسم ، و كان وسيما ، فكاد عقلها يذهب عليه جزعا / فجعلت عليها إن رده الله إليها أن تكسو البيت ، و جعلت تنشده وهى تقول :
أضلته أبيض لوذعيا لم يك مجلوبا و لا دعيا
و تقول :
أضلته أبيض غير جاف للفتية الغر بني مناف
ثم لعمرو منتهى الأضياف سن لقهر سنة الإيلاف
في القر يوم القر و الأصياف
5 – فسر بعض الكلمات كتفسيره كلمة هلا في شعر ليلى بأنها كلمة تقال للفرس الأنثى إذا أنزل الفحل عليها لتسكن و تهدأ ، و تفسيره لقول شاعرة من عامر بن صعصعة و هي تمتح الماء :
ليس بنا فقر إلى التشكي
صردم كحمر الأبك
لا ضرع فيها و لا مذكي
الصلادم : الشداد ، الواحد صلدم ، الأبك : حمار الوحش ، لكن الذي في القاموس المحيط : آبك كأحمد موضع ( و بهامشه أرنك ) و أبك كفرح : كثر لحمه .
و تفسيره أبيات اخت سعد بن قرظ العبدي :
يا سعد يا خير اخ نازعت در الحلمه
يا رائد الخيل و مجـ ـتاب الدلاص الدرمه
يجتابها : يدخل فيها ، الدلاص : الدره الملساء ، الدرمة : التي لا حجر لها ، و الذي بالقاموس أن الدرمة كفرحة الدرع الملساء أو اللينة ، و في أساس البلاغة أن الدرمة الملساء قد ذهبت خشونتها ، و قضض جدتها و انسحقت ، و ذكر البيت نفسه مجهول القائل .
و ذكر المرزباني البيت الثالث :
يا قائد الخيل إلى الـ ـخيل تعادي أضمة
( الاضم : الغضب )
جاد على قبرك غيـ ـث من سماء رزمة
رزمة : شديدة الصوت ، كانوا يدهون بأن تسقى القبور الغيث لتخصب ، فيألفها الناس ، فيذكرون صاحبها بخير ، و يثنون عليه ، و يدعون له .
أما بعد فليت الزمان الذي وارى هذا الكنز النفيس يجود برده كاملا ، عسى أن ينهض بتحقيقه و نشره باحث أمين .
