الأشاعرة

الأشاعرة
في رحاب الفكر الإسلامي، حيث تتشابك أنوار الوحي مع أضواء العقل، وتتمازج حقائق الإيمان مع تساؤلات الفلسفة، نشأت المدارس الكلامية، وتبلورت الاتجاهات العقدية، في سياق تاريخي وفكري معقّد، كان غايته الكبرى الذبَّ عن حياض العقيدة، وصون جناب التوحيد من الشبهات والاعتراضات. وفي قلب هذا الحراك الفكري، يبرز المذهب الأشعري بوصفه تجربة معرفية عميقة، جمعت بين حرارة الإيمان، وصرامة البرهان، وقلق البحث، وشغف الحقيقة. الأشاعرة: الجذور والنشأة الأشاعرة فرقة إسلامية تُنسب إلى الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260هـ – 324هـ)، الذي وُلد في البصرة، ونشأ في بيت علم ومناظرة، وتربّى في كنف زوج أمه شيخ المعتزلة في عصره، أبي علي الجبائي. وفي هذا الوسط الفكري المتخم بالجدل العقلي، تشرّب الأشعري مبادئ الاعتزال، حتى غدا من كبار أئمته، ودعاته، وحُذّاق مناظريه. غير أنّ روح القلق المعرفي، ونزوع النفس الصادقة إلى اليقين، لم يدعا له سبيلاً إلى السكون. فقد كان دائم السؤال، كثير التوقف، يفتش في مناهج الاعتزال عن الجواب الشافي، فلا يجد إلا حيرة تتكاثر، وشكاً يتوالد. وفي لحظة تاريخية فارقة، انقلب مسار حياته، وتحولت بوصلته الفكرية، حين اعتزل الناس خمسة عشر يوماً، خالياً بنفسه، يفتش في كتب الوحي، ويستنطق نصوص السنة، ويوازن بين مقتضيات العقل الصريح، وهدايات النقل الصحيح. ثم خرج إلى الناس في المسجد الجامع، وقد بدا عليه أثر التحول واليقين، فصرّح بخلعه لمذهب الاعتزال كما يُخلع الثوب، وألقى بكتبه إلى الناس، معلناً توبته الفكرية، وانتصاره لمنهج جديد، يراه أقرب إلى الصواب، وأدنى إلى الحق. إنّ هذا المشهد الرمزي العميق، يعبّر عن معنى قرآني رفيع: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾، فالتحول الفكري الصادق ليس نزوة عابرة، بل ثمرة بحث طويل، ومجاهدة عقلية وروحية، وصراع داخلي بين الموروث واليقين. دوافع التحول ومنهجه لقد تضافرت عوامل عدة في تحوّل الأشعري، لعل أبرزها إدراكه القصور البنيوي في المنهج الاعتزالي، الذي بالغ في تعظيم العقل حتى جعله حاكماً على النص، ومُهيمناً على الوحي. ومن أشهر الوقائع التي تُروى في هذا السياق مناظرته لأبي علي الجبائي في مسألة إطلاق اسم "العاقل" على الله، حيث كشف الأشعري بتعقيبه الدقيق عن تناقض المنهج الاعتزالي في اشتقاق الأسماء والصفات. إنّ هذه الحادثة، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تعكس عمق الإشكال المنهجي: كيف نُثبت لله ما أثبته لنفسه، دون تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحكّم عقلي مُجرّد؟ وكيف نوازن بين مقتضيات العقل، وتسليمات الإيمان؟ وقد اختلف الباحثون في المذهب الذي انتهى إليه الأشعري: فذهب فريق إلى أنّه رجع إلى مذهب السلف الصالح، وذهب آخرون إلى أنّه تبنّى منهج الكلابية، ثم طوّر منه نسقاً وسطاً، جمع فيه بين مناهج أهل الحديث وأدوات المتكلمين، فانبثق من ذلك المذهب الأشعري بصيغته المعروفة. الأشاعرة بين العقل والنقل: جدلية المنهج يُعدّ تقديم العقل على النقل من أبرز القضايا الخلافية التي ارتبطت بالأشاعرة المتأخرين. وقد بنوا ذلك على افتراض تعارضٍ موهوم بين الدليل العقلي والنقلي، فقرّروا قانوناً يقول بضرورة تأويل النص إذا خالف العقل، بدعوى أن العقل هو الشاهد على صدق الشرع. غير أنّ هذا البناء المنهجي يثير إشكالات فلسفية ومعرفية عميقة؛ إذ كيف يُعقل أن يتعارض عقل صريح مع نقل صحيح، وكلاهما من عند الله؟ أليس العقل هبة إلهية، والوحي رسالة سماوية؟ فإذا تعارضا، فالخلل في الفهم، لا في المصدر. وقد عبّر ابن تيمية عن هذا المعنى بقوله: "العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح"، وهو مبدأ ينسجم مع الفطرة السليمة، ومع سنن الكون والشرع. فالقرآن الكريم لا يصادم العقل، بل يخاطبه، ويستنهضه، ويدعوه إلى النظر والتفكر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. الصفات الإلهية بين الإثبات والتأويل من أبرز القضايا العقدية التي خاض فيها الأشاعرة مسألة الصفات الإلهية. فقد أثبتوا سبع صفات: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام النفسي، وأوّلوا ما عداها من الصفات الخبرية والفعلية، كالنزول، والمجيء، والاستواء، والرضا، والغضب. وقد استندوا في ذلك إلى خشيتهم من الوقوع في التشبيه والتجسيم، غير أنّ هذا المسلك جرّهم إلى تعطيل كثير من دلالات النصوص، وإفراغها من معانيها الظاهرة التي فهمها السلف الصالح. إنّ منهج السلف في هذا الباب يقوم على قاعدة ذهبية: "إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل"، فيؤمنون بما ورد في الكتاب والسنة، من غير تأويل متكلّف، ولا تشبيه محرّم، مستحضرين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. الإيمان: بين التصديق والعمل ذهب الأشاعرة إلى حصر الإيمان في التصديق القلبي، معتبرين أن العمل ليس داخلاً في حقيقة الإيمان، بل هو ثمرة له. وهذا التعريف يُفضي إلى إشكالات خطيرة، إذ يفصل بين الاعتقاد والسلوك، ويجعل الإيمان حالة ذهنية مجردة، لا تنعكس بالضرورة في واقع الإنسان العملي. بينما جاء القرآن الكريم ليقرن الإيمان بالعمل الصالح في عشرات المواضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، مما يدل على وحدة الباطن والظاهر، والعقيدة والسلوك. وقال النبي ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فجعل العمل جزءاً لا يتجزأ من حقيقة الإيمان. أعلام الأشاعرة وإسهاماتهم برز في المدرسة الأشعرية أعلام كبار، كان لهم دور محوري في صياغة مناهجها، والدفاع عن أطروحاتها، ومن أبرزهم: • أبو بكر الباقلاني، الذي يُعد المؤسس الثاني للمذهب، إذ وضع له القواعد الكلامية، ونقّح مناهجه الجدلية. • إمام الحرمين الجويني، الذي جدّد في بنية المذهب، وعمّق أدواته الفلسفية. • أبو حامد الغزالي، الذي مثّل ذروة النضج الفكري للأشعرية، حيث مزج بين الفقه، والتصوف، والكلام، والفلسفة، ثم انتهى في آخر عمره إلى تعظيم السنة، والعودة إلى منهج السلف. وقد عبّر الغزالي عن أزمته الوجودية والفكرية في كتابه "المنقذ من الضلال"، في تصوير أدبي أخّاذ، يُبرز رحلة الإنسان في البحث عن اليقين، بين الشك واليقين، والعقل والوحي. البعد النفسي والاجتماعي للأشعرية لم يكن المذهب الأشعري مجرّد نسق فكري، بل شكّل ظاهرة نفسية واجتماعية عميقة، إذ لبّى حاجة الأمة في مرحلة كثرت فيها الشبهات، وتكاثرت التيارات الفلسفية الوافدة. فكان الأشاعرة سداً منيعاً أمام تغوّل الفلسفة اليونانية، وحصناً واقياً من تسلل الإلحاد والزندقة. ومن الناحية النفسية، منح هذا المذهب أتباعه طمأنينة فكرية، إذ وفّر لهم أدوات عقلية للدفاع عن عقائدهم، في زمن ساد فيه الجدل، وتصارعت فيه الأفكار. وقفة نقدية متأنية مع الاعتراف بفضل الأشاعرة، لا بد من وقفة نقدية موضوعية، تُفرّق بين الجهد المشكور، والمنهج المأجور. فقد اعترف كثير من علمائهم بأن مذهبهم في تأويل الصفات محدث، وأن مذهب السلف أسلم وأحكم. وهذا الاعتراف يعكس تواضعاً علمياً نادراً، ويؤكد أنّ الحقيقة لا تُحتكر، وأنّ الاجتهاد قابل للمراجعة. وقد صدق الشاعر حين قال: وكلُّ امرئٍ يؤتى من العقل قدرَهُ وتبقى دروبُ الحقِّ أوسعَ ممّا نرى خاتمة إنّ المذهب الأشعري صفحة ناصعة في تاريخ الفكر الإسلامي، بما حمله من جهد علمي، وغيرة دينية، وسعي صادق لحماية العقيدة. غير أنّ اكتمال المنهج، وتمام اليقين، لا يتحققان إلا بالعودة إلى معين الوحي الصافي، وفهم السلف الصالح، الذين شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية. فالعقل نور، والوحي هدى، وإذا اجتمعا، أضاءا دروب الإنسان نحو الحقيقة، وفتحا أمامه آفاق المعرفة، وحرراه من قيود الشك، ليحيا حياةً طيبة، مطمئناً في دنياه، راجياً رحمة مولاه في أخراه. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال