أعداء الفضيلة

أعداء الفضيلة
الحمد لله الذي جعل الفضيلةَ روحَ الشريعة، وسِرَّ العمران، وعمادَ السعادة الإنسانية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي بعثه الله هاديًا ومربيًا، ومزكِّيًا للنفوس، ومقيمًا لموازين الحق والعدل، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. تمهيد: الفضيلة في ميزان الرسالة والحضارة الفضيلة ليست مجرد خُلُق فردي أو سلوك عابر، بل هي منظومة قيمية شاملة، تُبنى عليها المجتمعات، وتُصاغ بها الحضارات، وتُقاس بها درجات الرقي الإنساني. فالفضيلة في التصور الإسلامي تعني اكتمال الإيمان، وتهذيب السلوك، واستقامة القلب، ونقاء السريرة، وتوازن الروح والعقل والجسد. وقد جعل الإسلام الفضيلة سياجًا منيعًا يحمي الفرد والمجتمع من الانحراف والاضطراب، وربطها ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة والعبادة والسلوك، فقال النبي ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» (رواه مالك). فالفضيلة ليست زينة جانبية في حياة الإنسان، بل هي غاية الرسالة، وثمرة الإيمان، ومناط الاستخلاف في الأرض. غير أن للفضيلة أعداءً يتربصون بها الدوائر، ويكيدون لها كيدًا عظيمًا، ويتسللون إلى جسد الأمة تسلل السُّمِّ في العروق، يريدون إفساد القيم، وتشويه المبادئ، وتمزيق الحصون الأخلاقية التي تحمي المجتمع من السقوط في دركات الانحلال. وقد كشف القرآن الكريم عن هؤلاء الأعداء في آيات جليلة جامعة، فقال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 60]. فحددت الآية ثلاث فئات خطيرة تشكّل ما يمكن تسميته بـ "مثلث الهدم القيمي": المنافقون – والذين في قلوبهم مرض – والمرجفون في المدينة. أولًا: المنافقون – الازدواجية القاتلة النفاق أخطر من الكفر الصريح؛ لأنه فساد متخفٍّ، وطعنة في خاصرة الأمة من الداخل. والمنافق هو الذي يُظهر الصلاح ويُبطن الفساد، ويرتدي ثوب الغيرة على القيم ليهدمها من جذورها. قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9]. هؤلاء يتحدثون عن حقوق المرأة وكرامتها، وعن الحرية والمساواة، ولكنهم في حقيقة الأمر يُريدون نزع الحياء من جسدها، واقتلاع العفة من قلبها، وتحويلها إلى أداة استهلاك وشهوة، لا إلى إنسان مكرم مرفوع المقام. إنهم يبكون على المرأة بكاء التماسيح، بينما يطعنون شرفها، ويشوّهون فطرتها، ويفتحون عليها أبواب الضياع باسم التحرر. قال الشاعر: لبسوا ثيابَ النصحِ وهي قلوبُهم حقدٌ يُساقُ بثوبِ زُورٍ أبهرا فالنفاق هنا ليس مجرد خلل إيماني، بل هو جريمة اجتماعية وأخلاقية ونفسية، لأنه يهدم الثقة، ويزرع الشك، ويحوّل القيم إلى شعارات جوفاء. ثانيًا: الذين في قلوبهم مرض – الشك والاضطراب هذه الفئة أقل خطرًا من المنافقين من حيث القصد، لكنها لا تقل عنهم أثرًا في الهدم والتشويش. والمرض هنا هو ضعف اليقين، واضطراب البوصلة الأخلاقية، والتردد بين الحق والباطل. قال تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10]. هؤلاء يعيشون صراعًا داخليًا بين فطرتهم السليمة وتأثيرات البيئة الفاسدة، بين نور الإيمان وظلمات الشبهات، فينتهون إلى التذبذب والتناقض، فتراهم مرة يدافعون عن القيم، ومرة يبررون الرذيلة. ومن الناحية النفسية، فإن هذا المرض يولد حالة من القلق الوجودي، والاضطراب الداخلي، وفقدان المعنى، مما يجعل صاحبه أكثر قابلية للانجراف خلف كل موضة فكرية أو سلوكية، ولو كانت على حساب دينه وكرامته. ثالثًا: المرجفون في المدينة – صناع الفوضى المعنوية المرجفون هم ناشرو الإشاعات، ومهندسو القلق، وصانعو الهلع، الذين يتربصون بالمجتمع لينقضّوا عليه عند أول ضعف. قال تعالى: }.{وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ.{ والإرجاف في علم النفس الاجتماعي يُعد من أخطر أدوات الحرب الناعمة، لأنه يضرب الثقة، ويهز الاستقرار، ويزرع الشك في النفوس، ويفتح أبواب الانهيار الداخلي. وهؤلاء لا يهاجمون الفضيلة مواجهة، بل يتسللون إليها تحت عناوين براقة: الفن، الحرية، التنوير، التحديث، بينما يحملون في طياتهم مشروعًا متكاملًا لإفساد الأخلاق، وتمييع القيم، وتفكيك الأسرة. قال الشاعر: وإذا رأيتَ الرذيلةَ في ثيابِ فضيلةٍ فاعلمْ بأنّ الخطبَ جَلَل ________________________________________ المرأة في قلب المعركة القيمية المرأة هي محور الاستهداف الأول؛ لأنها صمام الأمان الأخلاقي للأسرة والمجتمع. فإذا فسدت المرأة، فسد الجيل، وضاعت الهوية، وتفككت الروابط. وقد رفع الإسلام شأن المرأة، فجعلها أمًّا مكرمة، وزوجة مصونة، وبنتًا عزيزة، وأختًا رحيمة. قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70. ] لكن أعداء الفضيلة يريدون تحويل هذا التكريم إلى استغلال، وهذه الحماية إلى إهمال، وهذه العفة إلى عبء. يرفعون شعار الحرية ليزرعوا العبودية للشهوة، ويهتفون باسم الكرامة ليصنعوا الإهانة. الحكم الإلهي على أعداء الفضيلة جاء الوعيد الإلهي صارمًا لا لبس فيه: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 61]. واللعنة تعني الطرد من رحمة الله، والحرمان من التوفيق، والفشل في الدنيا والآخرة. وهذا يؤكد أن معركة الفضيلة ليست مجرد صراع اجتماعي، بل هي معركة عقدية كبرى، فيها يقف الحق في مواجهة الباطل. سنة الله في صراع القيم يقرر القرآن أن هذا الصراع سنة كونية لا تتبدل: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]. فالحق والباطل في صراع دائم، والفضيلة والرذيلة في معركة مستمرة، ولن تخلو مرحلة من مراحل التاريخ من هذه المواجهة. قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251]. وهذا الدفع هو مسؤولية العلماء والمربين والمفكرين والدعاة وكل من يحمل همّ الإصلاح. دور العلماء والمربين في حماية الفضيلة العلماء هم حراس القيم، وورثة الأنبياء، وهم خط الدفاع الأول في مواجهة الانحراف. تقع على عاتقهم مسؤولية ضخمة في توعية الأمة، وبيان الحق، وكشف الشبهات، وتحريك الوعي الجمعي. قال الإمام الغزالي رحمه الله: "فساد العالم من فساد العلماء، وصلاح العالم من صلاحهم". ولا يقل دور المربين والآباء والأمهات أهمية، فالتربية الواعية هي الجدار الأول الذي تتكسر عليه موجات الفساد. رؤية نفسية اجتماعية: لماذا ينجح الإفساد أحيانًا؟ ينجح دعاة الرذيلة حين تضعف المناعة النفسية لدى الأفراد، وحين يغيب المعنى، وتفرغ الحياة من القيم، وتتحول اللذة إلى غاية، والشهوة إلى معبود. وفي ظل الفراغ الروحي، يبحث الإنسان عن أي بديل يمنحه لذة أو وهم سعادة، فيقع فريسة سهلة لأعداء الفضيلة. خاتمة: نداء إلى الضمير الحي أيها القارئ الكريم، إن الفضيلة ليست ترفًا فكريًا، ولا خطابًا وعظيًا يُتلى في المناسبات، بل هي معركة وجود، وصراع هوية، وحرب بقاء. إن الدفاع عن الفضيلة دفاع عن الإنسان، وعن الأسرة، وعن المجتمع، وعن المستقبل. وكل تقصير في هذه المهمة هو مشاركة – بقصد أو بغير قصد – في هدم القيم. فلنحمل جميعًا راية الإصلاح، ولنكن حراسًا على أسوار الأخلاق، ولنجعل من القرآن نورنا، ومن السنة دليلنا، ومن تراثنا زادنا، ومن وعينا سلاحنا. قال الشاعر: إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ نسأل الله أن يجعلنا من حماة الفضيلة، وأن يرزقنا البصيرة والثبات، وأن يحفظ مجتمعاتنا من كيد المنافقين والمرجفين، وأن يعيد للأمة رشدها وكرامتها. والحمد لله رب العالمين.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال