الداعي المطلق بين السلطة الدينية والوظيفة الروحية قراءة فلسفية دينية اجتماعية في التجربة الطيبية الإسماعيلية

الداعي المطلق بين السلطة الدينية والوظيفة الروحية قراءة فلسفية دينية اجتماعية في التجربة الطيبية الإسماعيلية
تمهيد حين تتشابك السلطة بالروح، ويتداخل المقدّس بالإنساني، وتلتقي العقيدة بالتاريخ، تتولّد ظاهرة فريدة في مسيرة الفكر الإسلامي، وهي ظاهرة الداعي المطلق في المذهب الطيبي الإسماعيلي. إنها ليست مجرد وظيفة إدارية أو منصب تنظيمي، بل بناء رمزي مركّب تتداخل فيه مفاهيم النيابة عن الإمام الغائب، والرعاية الدينية، والهداية الاجتماعية، والقيادة النفسية، والتوجيه الأخلاقي. فالداعي المطلق هو الظل الروحي للإمام المستور، وصوته الناطق في زمن الغيبة، ويده الممتدة لربط الأرض بالسماء، والظاهر بالغيب، والمعلوم بالمجهول. وكأنما هو تجسيد عملي لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ الأنبياء: 73 . فالهدى هنا ليس مجرد إرشادٍ فكري، بل فعلٌ وجوديٌّ شامل يلامس أعماق النفس الإنسانية، ويعيد صياغة علاقتها بالله، وبالكون، وبالآخر. مفهوم الداعي المطلق: الأبعاد اللغوية والدينية والفلسفية أولاً: في اللغة والمعنى الداعي في أصل اللغة هو المنادي، والمُبلِّغ، والمحفِّز، والمحرِّك للقلوب نحو غاية سامية. أمّا الإطلاق، فيحمل دلالة السَّعة والشمول وعدم التقييد. ومن ثمّ، فإن الداعي المطلق هو ذلك الإنسان الذي أُطلق له المجال ليكون واسطة الهداية الكاملة في شؤون الدين والدنيا، ضمن حدود النيابة عن الإمام الغائب. وفي هذا السياق، يمكن استحضار قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ يونس: 25 ، فالداعي، من حيث الجوهر، امتداد لهذا النداء الإلهي، وصدى لصوت الحق في ضجيج العالم. ثانياً: في الرؤية العقائدية الطيبية وفق المذهب الطيبي الإسماعيلي، فإن غيبة الإمام الطيب أبي القاسم سنة 528هـ لم تكن نهاية للقيادة الروحية، بل بداية لمرحلة جديدة من الحضور الرمزي عبر الداعي المطلق. فالغيبة هنا ليست غياباً، بل حضوراً مستتراً، كما قال بعض الحكماء: "الغيب ليس عدمًا، بل حضورٌ بلا صورة". ومن هنا، صار الداعي المطلق السلطة العليا في الشؤون الدينية والاجتماعية، مع احتفاظ الإمام وحده بحق التشريع. وهذا التوازن الدقيق بين النيابة والحدود يعبّر عن فلسفة عميقة في إدارة السلطة الدينية، توازن بين التفويض والطاعة، وبين الاجتهاد والانقياد. الجذور التاريخية: من الحرة الملكة إلى تأسيس الدعوة المطلقة يُعدّ تعيين ذويب بن موسى الوادعي أول داعٍ مطلق في التاريخ الطيبي، بإشراف الملكة أروى الصليحي، حدثاً مفصلياً في مسار الدعوة. فالملكة أروى، التي جمعت بين الحكمة السياسية والعمق الديني، جسّدت نموذج المرأة العارفة، التي أدركت أن حفظ العقيدة لا يكون بالسيف وحده، بل بالعقل والتربية والتنظيم. وقد تجلت في هذه اللحظة التاريخية حكمة قرآنية عميقة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ الشورى: 38، إذ لم يكن تعيين الداعي فعلاً فردياً، بل ثمرة تفاعل بين النص والواقع، بين الغيب والتاريخ. الداعي المطلق: السلطة بوصفها أمانة لا امتيازاً في الفلسفة الإسلامية، لا تُفهم السلطة باعتبارها امتلاكاً، بل باعتبارها تكليفاً ومسؤولية. وهذا المعنى يتجلى بوضوح في مفهوم الداعي المطلق، الذي لا يتربع على عرش الامتياز، بل يقف في محراب الخدمة. وقد لخّص النبي ﷺ هذه الرؤية حين قال: " كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". فالداعي المطلق هو راعٍ للقلوب قبل أن يكون حاكماً للأجساد، ومسؤول عن تزكية النفوس قبل تنظيم الجماعات. وهنا يظهر البعد النفسي العميق للدور؛ إذ لا يكتفي الداعي بتوجيه السلوك الظاهري، بل ينفذ إلى أعماق الوعي، ليحرّر الإنسان من الخوف، والشك، والتشتت، ويقوده إلى الطمأنينة واليقين. مراتب الدعوة: البناء الهرمي ووظائفه النفسية والاجتماعية تقوم الدعوة الطيبية على نظام هرمي دقيق، يتألف من: 1. الداعي المطلق 2. مأذون الدعوة 3. مكاسر الدعوة وهذا البناء لا يُقصد به التسلّط، بل تحقيق الانسجام التنظيمي والروحي. فالتدرّج في السلطة يعكس التدرّج في النضج الروحي والمعرفي، كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يوسف: 76 . مأذون الدعوة: الوصي الروحي يمثّل مأذون الدعوة الضمير التنفيذي للداعي المطلق، وهو الذي يتلقى البيعة، وينقل التعاليم، ويرعى شؤون المؤمنين. ومن الناحية النفسية، يؤدي دور الأب الروحي الذي يوفّر الأمان والانتماء، ويعزز الهوية الدينية. مكاسر الدعوة: الحارس الفكري أما المكاسر، فهو الحارس الفكري للدعوة، الذي يذود عن العقيدة بالحجة والبيان، ويقوم مقام الداعي والمأذون عند غيابهما. وفي هذا الدور، تتجلى الحكمة النبوية: " إن من البيان لسحرًا "، أي أن الكلمة الصادقة قادرة على إحياء القلوب كما يحيي المطر الأرض الميتة. الانقسامات التاريخية: جدلية الوحدة والتعدد لم تكن مسيرة الدعاة المطلقين خالية من النزاعات والانقسامات، إذ ظهرت طوائف متعددة، مثل: • البهرة الداوودية • البهرة العلوية • السليمانيين (المكارمة( • الداوودية القطبية وهذا التعدد، رغم ما يحمله من توتر، يعكس حيوية الفكر الديني، وجدلية الاجتهاد والتأويل. فالاختلاف، حين يُدار بالحكمة، يتحول إلى مصدر ثراء، لا إلى سبب صراع. وقد عبّر الشاعر عن هذه الجدلية بقوله: واختلافُ الرأي لا يُفسدُ وُدًّا إنما الودُّ في القلوبِ عميقُ البعد الفلسفي: النيابة بين الغيب والحضور من أعمق الإشكالات الفلسفية التي يطرحها مفهوم الداعي المطلق: كيف يمكن لإنسان أن ينوب عن إمام غائب؟ أليست هذه النيابة ضربًا من المفارقة؟ غير أن الفكر الطيبي يجيب عن هذا السؤال عبر مفهوم التمثيل الروحي، حيث لا يُنظر إلى الداعي باعتباره بديلاً عن الإمام، بل مرآةً تعكس نوره. وكأنما العلاقة بين الإمام والداعي تشبه علاقة الشمس بالقمر؛ فالقمر لا يملك الضوء، لكنه يعكسه في ظلمة الليل. وفي هذا المعنى قال الشاعر: إذا غابَ شمسُ الحقِّ لاحَ هلالُهُ فأنارَ ليلَ السائرينَ بنورهِ الأبعاد النفسية والاجتماعية: بناء الإنسان والجماعة يمارس الداعي المطلق دورًا نفسيًا بالغ العمق؛ إذ يسهم في: • ترسيخ الهوية الدينية • تعزيز الانتماء الجماعي • تحقيق الطمأنينة الوجودية • تقوية منظومة القيم الأخلاقية فهو ليس قائدًا سياسيًا، بل مهندسًا روحيًا يعيد بناء الإنسان من الداخل. ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الجمعة: 2 . فالتزكية قبل التعليم، وتطهير القلب قبل تزكية العقل. النموذج المعاصر: بين القيادة الروحية والتحديات الحديثة في العصر الحديث، يواجه الداعي المطلق تحديات غير مسبوقة، من العولمة الفكرية، والانفتاح الثقافي، والصراعات الإعلامية، والتشكيك في المرجعيات الدينية. وهنا تتجلّى الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني دون المساس بالثوابت، وإلى مزج الأصالة بالمعاصرة. فالداعي اليوم مطالب بأن يكون: • فقيهًا في النص • فيلسوفًا في الفهم • عالمًا بالنفس • بصيرًا بالمجتمع وكأنما يجسّد قول الشاعر: وليس بعلمٍ ما حوى القمطرُ ما العلمُ إلا ما وعاه الصدرُ خاتمة: الداعي المطلق بوصفه رمزًا للبحث الإنساني عن المعنى في نهاية المطاف، يتجاوز مفهوم الداعي المطلق حدوده التاريخية والمذهبية، ليغدو رمزًا إنسانيًا خالدًا للبحث عن المعنى، وللسعي نحو الهداية، وللشوق الدائم إلى الاتصال بالمطلق. إنه صورة من صور توق الإنسان إلى قيادة روحية تُنقذه من التيه، وتمنحه اليقين، وتُعيد ترتيب فوضى داخله. وكأن لسان حال هذا المفهوم يردد قول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28 . وفي ضوء ذلك، يبقى الداعي المطلق ليس مجرد منصب ديني، بل مشروعًا حضاريًا وروحيًا يسعى إلى بناء إنسان متوازن، يجمع بين العقل والإيمان، وبين الدنيا والآخرة، وبين الحرية والانضباط

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال