هل يمكن قيام نزعات عقلانية؟

هل يمكن قيام نزعات عقلانية؟
تمهيد وجودي: بين استحالة المعنى وضرورة الإيمان ليس السؤال: هل يمكن قيام نزعات عقلانية؟ سؤالًا معرفيًا محضًا، ولا قضية من قضايا المنطق الصوري، بل هو سؤال جرحٍ أنطولوجيّ مفتوح في جسد الوجود نفسه. سؤال يولد من تصادم الإنسان مع ذاته، حين يرى العالم يتشقق في داخله قبل أن يتشقق خارجه، وحين يتحول العقل من أداة خلاص إلى أداة اغتراب، ومن نورٍ كاشف إلى مرآة مكسورة تعكس الوجوه بلا ملامح. صيحة ترتليان: ابن الله قد صُلب… وأحب بكل الطرق الإيمان بهذا لأنه محال… والواقعة مؤكدة لأنها مستحيلة ليست مجرد شذوذ لغوي، ولا قفزة لاهوتية، بل إعلان مبكر عن مفارقة كبرى: أن المستحيل يصبح شرطًا للإيمان، وأن التناقض يتحول إلى بنية داخل المعنى نفسه. منذ تلك اللحظة، بدأ تاريخ طويل من تقديس المفارقة: مفارقة تجمع بين العقل ونفيه، بين الإيمان والمنطق، بين البرهان والاستحالة، بين الحقيقة والرمز، بين النور والظلمة. الفصل الأول: التناقض بوصفه بنية للوجود المفارقة هنا ليست خللًا في التفكير، بل هيكل وجودي. ليست علامة فوضى عقلية، بل علامة عمق أنطولوجي. حين يُقال: المسيح بُعث لأنه مستحيل، فإننا لسنا أمام عبث لغوي، بل أمام قياس أرسطي ناقص، حذف مقدمته الكبرى، وهي: العقيدة = تحقق المستحيل أي أن المستحيل لم يعد نقيض الحقيقة، بل شرطها الوجودي. وهنا يظهر أن ما يسمى اللاعقلانية ليس خارج العقل، بل داخل بنيته. العقل نفسه ينتج مفارقته. العقل يلد نقيضه من رحمه. كما يولد الضوء ظلّه. وهكذا تصبح اللاعقلانية وظيفة من وظائف العقل، لا نقيضًا له. الفصل الثاني: العقلانية اللاواعية – من المنطق إلى الرعشة الأولى حين صاغ عبد الرحمن بدوي قياسه: الموت → الشخصية ، الشخصية → الحرية ، إذن: الموت → الحرية لم يكن ذلك تمرينًا منطقيًا، بل اختزالًا رياضيًا للرعب الوجودي. هنا تتحول الوجودية إلى معادلة ، والقلق إلى برهان ، والرعشة الأولى إلى صيغة قياسية. وكأن الوجودية، التي تدّعي الثورة على العقل، لم تستطع الهروب من منطقه، بل لبسته في هيئة أخرى. فاللاعقلانية هنا لا تُعبَّر عنها إلا بعقلانية صارمة. والفوضى لا تُكتب إلا بقواعد. والعبث لا يُصاغ إلا بنحوٍ منطقي. الفصل الثالث: الضحك بوصفه ميتافيزيقا تصنيف الضحك عند بيكيت ليس نكتة أدبية، بل أنطولوجيا كاملة للوعي: • الضحك الأخلاقي: يضحك على ما ليس خيرًا • الضحك العقلي: يضحك على ما ليس حقيقيًا • الضحك الشيطاني: يضحك على ما ليس سعيدًا • الضحك الذي يضحك على الضحك: الضحك الكوني هذا ليس تصنيفًا شعريًا، بل تشريحًا أنطولوجيًا للوعي الحديث: وعي فقد مرجعياته، فصار يضحك لأنه لا يستطيع البكاء، ويضحك لأنه لا يستطيع الفهم، ويضحك لأنه لا يستطيع الإيمان. الضحك هنا ليس فرحًا، بل صرخة مقنّعة. الفصل الرابع: اللاعقلانية كعرض لا كجوهر اللاعقلانية ليست ماهية، بل عرض. ليست جوهر العالم، بل أثر جرحه. ليست بنية الواقع، بل نتيجة تشوّه العلاقة بين الإنسان والواقع. حين يفشل العقل الأداتي في تفسير العالم، لا يعني أن العالم لا عقلاني، بل أن العقل المستخدم قاصر. وهنا يظهر الفرق بين: • الفهم (Verstand): عقل سكوني، تجزيئي، آلي • العقل (Vernunft): عقل جدلي، حركي، تاريخي اللاعقلانية تولد عندما نختزل العقل في الفهم. الفصل الخامس: الحدس بوصفه نخبويّة معرفية الحدس، في كثير من الفلسفات اللاعقلانية، ليس خلاصًا، بل أرستقراطية معرفية: بعض الناس يرون – والبقية لا يرون ، بعض الناس يدركون – والبقية لا يدركون . وهنا تتحول المعرفة إلى امتياز، والوعي إلى طبقة، والبصيرة إلى سلطة. الحدس لا يصبح معرفة، بل انسحابًا من التاريخ، انسحابًا من الصراع، انسحابًا من الإنسان. الفصل السادس: العبث بوصفه صلاة معكوسة العبث ليس إنكارًا للمعنى، بل حدادًا عليه. العدمية ليست موت الإيمان، بل فقدان موضوعه. الإنسان العبثي لا يقول: لا معنى. بل يقول: كان هناك معنى… وضاع. وهذا أخطر أنواع الفقد: فقد المعنى بعد امتلاكه. لذلك يبدو مسرح العبث أشبه بـ طقس صوفي سلبي: انتظار بلا مجيء، دعاء بلا استجابة، رجاء بلا وعد، صلاة بلا إله منظور. الفصل السابع: العقلانية اللاعقلانية في الحضارة التقنية العقل الحديث لم يعد عقل تحرر، بل عقل إدارة. لم يعد عقل معنى، بل عقل وظيفة. لم يعد عقل سؤال، بل عقل ضبط. وهنا يولد أخطر أشكال اللاعقلانية: لاعقلانية العقل نفسه. حين تتحول العقلانية إلى: • تقنية بلا أخلاق • علم بلا معنى • معرفة بلا حكمة • تقدم بلا إنسان ينتج عالم عقلاني في شكله، لاعقلاني في جوهره. عالم منظم… لكنه فارغ ، متطور… لكنه ميتافيزيقيًا متحلل ، فعال… لكنه وجوديًا عقيم الفصل الثامن: الصوفية الوجودية – الطريق الثالث في عمق هذا الصراع، يظهر طريق ثالث: ليس عقلًا تقنيًا، ولا لا عقلانية فوضوية، بل عقل روحي جدلي. عقل يرى: • أن الحقيقة ليست معطى، بل مسار • أن المعنى ليس جاهزًا، بل يُخلق • أن الوجود ليس ثابتًا، بل صيرورة • أن الإنسان ليس مركزًا، بل راعي كينونة وهنا تلتقي الصوفية بالفلسفة: كما يقول الصوفي: من عرف نفسه عرف ربه يقول الوجودي: من وعى وجوده وعى حدوده الطريق الصوفي لا يلغي العقل، بل يطهره ، لا يهدم المنطق، بل يُعَمِّده في النار ، لا ينفي الفكر، بل يُحَوِّله إلى رؤية الفصل التاسع: الحرية بوصفها قدرًا تاريخيًا الحرية ليست اختيارًا فرديًا فقط، بل بنية تاريخية. ليست قرارًا نفسيًا، بل تحققًا اجتماعيًا. والعقل لا يتحقق إلا بالحرية، والحرية لا تتحقق إلا بالتاريخ، والتاريخ لا يتحقق إلا بالإنسان. خاتمة: نحو عقل جدلي محرَّر النزعات اللاعقلانية لن تنتهي بالإنكار، ولا بالقمع، ولا بالتجاهل. بل بـ: • عقل جدلي لا تقني • معرفة تاريخية لا حدسية • وعي إنساني لا نخبوي • فلسفة وجود لا إدارة حياة عقل لا يهرب من التناقض، بل يستوعبه لا يخاف المفارقة، بل يفككها لا يعبد المعنى الجاهز، بل يصنع المعنى الممكن خلاصة وجودية شعرية العقل حين يُختزل يصبح سجنًا، واللاعقلانية حين تُطلق تصبح فوضى، أما العقل الجدلي فهو الطريق الضيق بين الجنون والآلة، بين العدم والنظام، بين العبث واليقين، بين الصحراء والمحراب. إنه عقل يرى أن: الحقيقة ليست ما نراه، بل ما نصير إليه. والمعنى ليس ما نملكه، بل ما نخلقه. والإنسان ليس ما هو، بل ما يمكن أن يكون. وهنا فقط… تولد النزعة العقلانية الحقيقية ، لا بوصفها أيديولوجيا، بل بوصفها مسار خلاص وجودي يحرر الإنسان من اللاعقلانية، من عقل اللاعقلانية، ومن لا عقل العقل نفسه.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال