الأتراك و«بيت الطاعة»: حين يتحول القانون إلى أداة إذلال جذور الطاعة القسرية وانهيار المعنى الإنساني للزواج

الأتراك و«بيت الطاعة»: حين يتحول القانون إلى أداة إذلال جذور الطاعة القسرية وانهيار المعنى الإنساني للزواج
مقدمة ليست القوانين نصوصًا جامدة تُقرأ في المحاكم فحسب، بل هي مرايا تعكس صورة المجتمع عن الإنسان: كرامته، حريته، وحدود سلطته على غيره. وحين ينقلب القانون من أداة تنظيم إلى وسيلة قهر، فإنه لا يحكم فقط على الأفراد، بل يدين البنية الأخلاقية التي سمحت بوجوده واستمراره. ومن بين أكثر النظم القانونية إثارة للجدل في تاريخ المجتمعات الإسلامية الحديثة ما عُرف باسم «بيت الطاعة»، ذلك المصطلح الذي يبدو في ظاهره بريئًا، لكنه يخفي في جوهره منظومة كاملة من الإكراه، وإنكار الإرادة، وتحويل العلاقة الزوجية من مودة ورحمة إلى سيطرة وامتلاك. هذا المقال لا يناقش «بيت الطاعة» بوصفه حكمًا فقهيًا فحسب، بل باعتباره ظاهرة نفسية واجتماعية وسياسية، نشأت في سياق تاريخي محدد، وتحوّلت مع الزمن إلى رمز لانحراف العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الدين والسلطة، وبين القانون والإنسان.  أولًا: الصدمة الحضارية والوعي الكاذب يروي الكاتب حادثة شخصية وقعت له في باريس، حين دار نقاش بينه وبين بعض الفرنسيين ممن عرفوا الشرق، وانتهى الحديث إلى مسألة «بيت الطاعة». هنا تتجلى لحظة نفسية بالغة الدلالة: الإنكار. أن ينكر الإنسان وجود ظاهرة يعرف – في قرارة نفسه – أنها حاضرة في مجتمعه، ليس كذبًا عابرًا، بل هو دفاع نفسي عن الهوية. فالكاتب لم يحتمل أن تُختزل بلاده، وتاريخه، وثقافته، في صورة امرأة تُساق قسرًا إلى رجل بقوة الشرطة. هذا الإنكار ليس فرديًا، بل هو سلوك جمعي لدى المجتمعات التي تعيش صراعًا بين صورتها عن نفسها، وصورتها في أعين الآخرين. نحن نكذب أحيانًا لا لأننا نجهل الحقيقة، بل لأن الحقيقة تجرح كرامتنا. لكن المأساة أن الواقع لا يعبأ بمشاعرنا، إذ سرعان ما جاءت الصحف لتكذب الإنكار، وتثبت أن «بيت الطاعة» ليس وهمًا، بل ممارسة حية، لها ضحايا من لحم ودم.  ثانيًا: من الحكم القضائي إلى الجريمة الحادثة التي يوردها النص – تنفيذ حكم طاعة بالقوة، ثم مقتل الزوجة وابنتها – ليست استثناءً شاذًا، بل نتيجة منطقية لمسار يبدأ من فكرة خاطئة عن الطاعة. من الناحية المنطقية: • إذا كانت الزوجة تُجبر على العودة لرجل تنفر منه، • وإذا كان القانون يمنح الزوج حق استدعاء القوة العامة لإخضاعها، • وإذا كانت العلاقة الزوجية تُختزل في «حق جنسي» لا في رضا متبادل، فإن العنف ليس احتمالًا، بل نتيجة متوقعة. القانون هنا لم يمنع الجريمة، بل مهّد لها. لأنه حين يُلغى اختيار المرأة، ويُعامل جسدها كملكية، يصبح العنف لغة التواصل الوحيدة المتبقية.  ثالثًا: التحليل النفسي للمرأة المُجبرة أخطر ما في «بيت الطاعة» ليس الفعل الظاهر، بل ما يحدث في الداخل. المرأة التي تُقبض عليها، وتُساق قسرًا، لا تعود إنسانًا في نظر السلطة، بل «موضوع تنفيذ». يُسلب جسدها حقه في الرفض، ويُلغى وعيها، وتُجرد من كرامتها أمام نفسها قبل الآخرين. من منظور علم النفس: • الإكراه الجنسي يولد اشمئزازًا عميقًا، • الاشمئزاز يتحول إلى نفور دائم، • والنفور، حين يُقابل بالقسر، يولد العنف أو الانهيار. إنها لحظة اغتصاب مقنن، مهما حاولت اللغة القانونية تجميلها.  رابعًا: الزواج بين المودة والسلطة يُعرّف القرآن العلاقة الزوجية بأنها «مودة ورحمة». والمودة لا تُفرض، والرحمة لا تُنتزع بالقوة. لكن «بيت الطاعة» ينقل الزواج من: • شراكة إنسانية إلى • علاقة سيّد ومملوك وهذا التحول ليس دينيًا، بل سياسي سلطوي. فالدين في جوهره خاطب الضمير، بينما «بيت الطاعة» يخاطب العصا.  خامسًا: الجذور التاريخية – العهد التركي تشير الدكتورة درية شفيق إلى أن «بيت الطاعة» لم يكن معروفًا في العصور الإسلامية الأولى، بل هو وليد العهد التركي العثماني، حين سادت نظرة دونية للمرأة بوصفها متاعًا تابعًا. في ذلك السياق: • تحالفت السلطة السياسية مع فقه تقليدي جامد، • فنتج تشريع يخدم السيطرة لا القيم، • واستُخدم الدين لتبرير ما هو في حقيقته عرف سلطوي. وهنا تكمن المأساة الكبرى: تحميل الإسلام مسؤولية ما لم يقله ولم يقره.  سادسًا: صورة الإسلام في مرآة العالم حين تُنسب هذه الممارسات إلى الإسلام، لا يُظلم فقط نصف المجتمع، بل تُشوَّه حضارة بأكملها. فالمرأة الأوروبية – كما تشير درية شفيق – لا ترى في «بيت الطاعة» إلا دليلًا على رجعية الشرق، لا لأنها تكره الإسلام، بل لأن الفعل أقوى من التفسير. نحن لا نخسر المرأة فقط، بل نخسر صورتنا الأخلاقية أمام أنفسنا والعالم.  سابعًا: بين إلغاء المحاكم الشرعية وإلغاء العقل بعد إلغاء المحاكم الشرعية، يبقى السؤال: هل ألغينا النصوص أم العقل الذي أنتجها؟ فالقوانين لا تموت بإلغائها فقط، بل بقتل الفكرة التي قامت عليها: فكرة أن المرأة كائن ناقص الإرادة، يحتاج إلى وصي، ولو كان زوجًا.  خاتمة «بيت الطاعة» ليس مسألة فقهية، بل جرح حضاري. هو اختبار فشلنا في فهم الزواج، والدين، والإنسان. وإذا كنا نطمح إلى مجتمع حر، فلا بد أن نعلنها بوضوح: لا طاعة بلا رضا، ولا زواج بلا إنسانية، ولا دين يُبنى على الإذلال.  المراجع 1. درية شفيق، المرأة المصرية، القاهرة. 2. القرآن الكريم – سورة الروم، آية 21. 3. قاسم أمين، تحرير المرأة. 4. محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي. 5. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال