من المسؤول عن محنة السينما المصرية؟ قراءة نفسية واجتماعية في أخطر حديث لمدير ستوديو مصر

من المسؤول عن محنة السينما المصرية؟ قراءة نفسية واجتماعية في أخطر حديث لمدير ستوديو مصر
ليست السينما مجرد شريط من الصور المتحركة، بل هي مرآة المجتمع، وذاكرته البصرية، وأداة من أدوات تشكيل الوعي الجمعي. وإذا أصاب هذه المرآة شرخ، انعكس التشوه على صورة الإنسان ذاته. من هنا تكتسب أزمة السينما المصرية خطورتها؛ فهي ليست أزمة صناعة فحسب، بل أزمة ذوق، ومسؤولية، ورؤية حضارية. وفي هذا السياق، يأتي حديث محمد رجائي، مدير ستوديو مصر، بوصفه شهادة من الداخل، لا تخلو من الجرأة والصراحة، تكشف جذور الأزمة وتضع الأصابع على مواطن الخلل، بعيدًا عن التبرير أو التجميل. أولًا: بين «المحنة» و«الأزمة» – قراءة في المفهوم يبدأ رجائي حديثه بنفي توصيف ما تمر به السينما المصرية بـ«المحنة»، مفضلًا مصطلح «الأزمة». وهذا التمييز ليس لغويًا فحسب، بل نفسي ومنطقي في آن واحد. فـالمحنة تفترض انسداد الأفق، وغياب البدائل، وشعورًا بالعجز الكلي، بينما الأزمة لحظة اضطراب قابلة للعلاج، إذا ما توفرت الإرادة والعقل النقدي. هذا الوعي المفاهيمي يكشف عن عقل إداري لا يستسلم للخطاب العاطفي، بل يبحث عن التشخيص الدقيق، لأن الخطأ في التسمية يؤدي غالبًا إلى خطأ في العلاج. ثانيًا: المسؤولية المزدوجة – حين يلتقي الإهمال بالجشع يضع رجائي المسؤولية في موضعها الصحيح، دون أن يلقيها كاملة على طرف واحد. فالأزمة – في نظره – نتاج تفاعل عاملين رئيسيين: 1. المسؤولون عن إدارة شؤون السينما 2. السينمائيون والمنتجون أنفسهم وهنا يظهر التحليل الاجتماعي بوضوح؛ إذ يسمح المسؤولون لأي فرد، مهما كان بعده عن الفن، أن يقتحم ميدان الإنتاج السينمائي. فيتحول الفن إلى سلعة، والسينما إلى سوق مفتوحة للمغامرين. ثالثًا: الدخلاء على الفن – اغتصاب الذوق العام أخطر ما يشير إليه رجائي هو تسلل «الدخلاء» إلى صناعة السينما: تجار أقمشة، وحديد، ورؤوس أموال لا ترى في الفيلم سوى صفقة ربح. ومن منظور نفسي-اجتماعي، فإن هؤلاء لا يخاطبون وعي الجمهور، بل غرائزه؛ فيقدمون له ما يثيره لا ما يرقّيه، وما يستهلكه لا ما يبنيه. وهكذا يُختزل الإنسان إلى كائن منفعِل، وتُختزل السينما إلى وسيلة إغواء، لا أداة تفكير. إن أخطر ما يواجه الفنون هو حين يتحول الجمهور من شريك في المعنى إلى مجرد مستهلك للمتعة الرخيصة. رابعًا: ثقافة الاستعجال – حين يُذبح الفن على مذبح السرعة يشير رجائي إلى ظاهرة بالغة الدلالة: التباهي بسرعة إنجاز الأفلام. ثلاثة أسابيع، وربما أقل، لإخراج فيلم كامل! وهنا يتجلى التحليل المنطقي: الفن بطبيعته فعل تأمل، والسينما تحديدًا عمل مركّب، يحتاج إلى زمن للنضج، والدراسة، والتجريب. مقارنة ذلك بما تفعله شركات عالمية كـ«مترو غولدوين ماير» تكشف الفجوة الحضارية: شهور للدراسة، ومهور للتحضير، ثم شهور للتصوير. إن السرعة هنا ليست كفاءة، بل كلفتة، كما يسميها رجائي بجرأة شعبية لافتة. خامسًا: سمعة الفيلم المصري عربيًا – الحب المشروط على الرغم من الأزمة، يؤكد رجائي حقيقة نفسية مهمة: الجمهور العربي يحب الفيلم المصري. وهذا الحب، من منظور اجتماعي، نابع من القرب اللغوي، والوجداني، والثقافي. لكن هذا الحب ليس أعمى؛ فهو حب مشروط بالجودة. حين تفشل أربعون فيلمًا مصريًا في سوق عربي واحد، فذلك إنذار خطير، لا يجوز تفسيره بالمؤامرة أو سوء التوزيع، بل بتراجع المستوى الفني. سادسًا: المنافسة الأجنبية – صراع الجودة لا الرقص يفند رجائي أسطورة شائعة: أن الفيلم لا يُباع إلا إذا امتلأ بالرقص الخليع أو الفكاهة المبتذلة. الواقع – كما يراه – أن العبرة بالتجويد، لا بالإثارة. كم من أفلام سقطت رغم امتلائها بالمشاهد المثيرة، وكم من أفلام جادة نجحت لأنها احترمت عقل الجمهور. وهنا يتجلى التحليل النفسي للجمهور: الإنسان قد ينجذب للحظة، لكنه لا يخلص إلا لما يحترمه. سابعًا: العلاج – بين الدولة وأهل المهنة يقترح رجائي علاجًا مزدوجًا: مسؤولية الدولة • تخفيض الرسوم الجمركية على الأفلام الخام • معاملة المعدات السينمائية كآلات صناعية • تشجيع الإنتاج الممتاز عبر جوائز، ولو رمزية هذه المقترحات تعكس فهمًا اقتصاديًا لدور الدولة بوصفها شريكًا في بناء الثقافة، لا مجرد جابي ضرائب. مسؤولية السينمائيين • التكتل بدل التشرذم • الابتعاد عن الإنتاج الهزيل • دراسة الأعمال بعناية • إعادة النظر في أسعار التذاكر احترامًا للظروف الاجتماعية ثامنًا: البعد الفلسفي – السينما كرسالة لا كسلعة في عمق هذا الحديث، يطل سؤال فلسفي جوهري: هل السينما تجارة أم رسالة؟ رجائي لا ينكر البعد التجاري، لكنه يرفض أن يكون هو البعد الوحيد. فحين تُختزل السينما في الربح، تفقد روحها، وحين تُدار بلا عقل اقتصادي، تفقد قدرتها على الاستمرار. والتوازن بين الاثنين هو جوهر الأزمة والحل معًا. خاتمة إن أخطر ما في أزمة السينما المصرية ليس ضعف الإمكانيات، بل غياب الرؤية. حديث محمد رجائي ليس مجرد شهادة تاريخية، بل وثيقة فكرية صالحة لكل زمان، لأنها تضع الإصبع على جرح يتجدد: جرح الاستسهال، والجشع، والاستخفاف بعقل الجمهور. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل نتعلم من هذه الشهادة، أم نعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة؟ المراجع 1. حديث محمد رجائي – مدير ستوديو مصر – منشور في الصحافة المصرية. 2. عبد الوهاب المسيري، الفن والإنسان. 3. بيير بورديو، الذوق: نقد اجتماعي للحكم الجمالي. 4. أندريه بازان، ما هي السينما؟ 5. دراسات حول تاريخ السينما المصرية والعربية.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال