يقظة الوعي الأخلاقي
في جدل العاطفة والعقل، والحرية والمسؤولية
تمهيد: من أين يستيقظ الضمير؟
ليس الوعي الأخلاقي معطًى جاهزًا، ولا صدى آليًا لقانون، ولا ظلًا باهتًا لعقيدة موروثة، بل هو حالة يقظة، أشبه بانبلاج داخلي، تتواشج فيه حرارة الشعور مع نور الرؤية العقلية.
وحين يخطئ الفكر في اختزال الأخلاق إلى تخطيط علمي جاف، أو إلى امتثال خارجي لقواعد صماء، فإنه يغفل عن حقيقة الإنسان بوصفه كائنًا حيًّا بالأحاسيس، لا آلة حسابية ولا مجرد رقم في مخطط اجتماعي.
وقد عبّر المتصوفة عن هذه الحقيقة بقولهم:
"القلب إذا لم يتحرك، لم يهتدِ العقل " .
فالضمير لا يولد من الفراغ، بل من ارتعاش داخلي، من انفعال صادق، من حرية تشق طريقها في لحم الواقع.
الفصل الأول: الجذور الانفعالية للأخلاق
الإنسان بوصفه كائنًا شعوريًا
الإنسان، من حيث هو إنسان، لا يتحرك ابتداءً بالقوانين ولا بالمبادئ المجردة، بل بمجموعة من الاستعدادات الطبيعية: الخوف، الرجاء، الحب، النفور، الأمل، القلق.
هذه الاستعدادات، حين تصطدم بالبيئة الاجتماعية، تتحول إلى أنماط عاطفية، ومن هذه الأنماط تتشكل البذور الأولى للسلوك الأخلاقي.
فالكمّ الأخلاقي لا يُصاغ في صيغة خبرية، بل في صيغة أمر وقيمة:
" أحبب جارك كما تحب نفسك " .
هذا ليس وصفًا لواقع، بل نداء لما ينبغي أن يكون.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الحقيقة العلمية والحقيقة الأخلاقية:
العلم يسجل ما هو كائن، أما الأخلاق فتتطلع إلى ما يجب أن يكون.
لو كان العالم بلا إحساس…
لنتخيل - كما في تجربة فكرية - عالمًا ماديًا خالصًا، بلا إحساس ولا شعور.
في مثل هذا العالم، يستوي الخير والشر، وينعدم معنى الصواب والخطأ.
اصطدام كوكب بآخر لا يحمل قيمة، ولا مأساة، ولا دلالة.
لكن ما إن يدخل الإنسان - بما هو كائن يشعر - حتى تتغير المعادلة:
الألم يصبح شرًا، والسعادة تصبح خيرًا، والكارثة تصير مأساة.
الأخلاق، إذن، ملتصقة بالحياة، لا بوصفها عمليات بيولوجية، بل بوصفها تجربة وجودية:
سعادة وشقاء، ألم ولذة، رجاء وخيبة، حزن وبهجة.
وهذا ما جعل الصوفي يقول:
" ما خُلِق القلب إلا ليذوق " .
الفصل الثاني: العاطفة والعقل – معادلة الوعي الأخلاقي
هل العاطفة تكفي؟
الإقرار بأهمية العاطفة لا يعني تقديسها أو إطلاقها بلا ضابط. فالعاطفة، في الطبيعة الإنسانية، تشبه الطاقة النووية في الطبيعة المادية:
ليست خيرًا ولا شرًا في ذاتها، إنما تصير هذا أو ذاك بالتوجيه العقلي.
العاطفة دون عقل عمياء، والعقل دون عاطفة أجوف.
ولهذا فإن السلوك الأخلاقي الحق لا ينبثق إلا من تناغم بين الطرفين:
شحنة عاطفية + رؤية عقلية = وعي أخلاقي
وهذه معادلة لا تُقاس كمّيًا، لكنها ضرورة وجودية.
وقد عبّر الغزالي عن هذا التوازن حين قال:
" العقل كالسراج، والقلب كالدهن، ولا ضياء لأحدهما دون الآخر " .
الفصل الثالث: موضوعية الحكم الأخلاقي
. هل الأخلاق ذاتية محضة؟
ليست الأحكام الأخلاقية أذواقًا شخصية، كما تظن بعض المذاهب الحسية أو السفسطائية.
فالقول: " هذا الطعام يعجبني " حكم ذاتي.
لكن القول: " التمييز العنصري شر" ليس مسألة ذوق، بل قيمة إنسانية موضوعية.
صحيح أن الحكم الأخلاقي يصدر عن الشعور، لكن ليس كل شعور جديرًا بالاحترام. فالشعور الذي يدافع عن الكرامة الإنسانية يستحق التوقير، أما الشعور المتولد من الأنانية أو التعصب فهو شعور فاسد.
الموضوعية الأخلاقية لا تشبه موضوعية الفيزياء،
لكنها تتجلى في احتكام الضمير الجمعي الواعي، لا في الأهواء الفردية.
الفصل الرابع: الأخلاق ورواسب التابو
التابو كجذر بدائي
في المجتمعات البدائية، ارتبط السلوك الأخلاقي بالمقدس والخرافي:
المحظور (التابو) كان قوة إلزام تتجاوز العقل.
أشياء تُحرم، أفعال تُدان، أشخاص يُنبذون — لا لعلّة عقلية، بل لخوف غامض.
ورغم التمدن، بقيت رواسب التابو كامنة في المجتمعات الحديثة، بأشكال مموهة.
نقد أخلاق التابو
يرى برتراند رسل أن الاعتماد على التابو أساسًا للأخلاق يجعل المجتمع هشًا:
فإذا انهار الخوف، انهارت الأخلاق.
أما الأخلاق التي تقوم على أساس عقلي إنساني، فإنها تصمد حتى في غياب الرقابة والخرافة.
والتاريخ شاهد على مآسي التابو:
محاكم التفتيش، حرق الساحرات، اضطهاد المختلفين.
وقد قال أحد المتصوفة:
" ما عبد الناس الأصنام إلا خوفًا لا معرفة "
الفصل الخامس: سلطة العادة والعرف
أخلاق العادة
كثير من الناس لا يسألون: ما الصواب ؟ بل: ما المعتاد؟
وهكذا تتحول العادة إلى معيار أخلاقي، لا تُناقش ولا تُنقد.
لكن العادة، مهما رسخت، ليست مبدأ أخلاقيًا في ذاتها، وإلا لما أمكن الحديث عن إصلاح أو تقدم.
سقراط ونقد العادة
سقراط يمثل النموذج الأعلى لنقد أخلاق العادة:
احترم القانون، لكنه لم يقدسه. آثر الموت على الهرب، لكنه لم يتوقف عن مساءلة ما هو عادل وما هو جائر.
ومن هنا وُلدت الأخلاق بوصفها فهمًا واقتناعًا، لا امتثالًا أعمى.
الفصل السادس: مأزق الحرية والمسؤولية
الجبر أم الحرية؟
إذا كان الإنسان مجبرًا بالكامل، سقطت المسؤولية.
وإذا كان اختياره عشوائيًا بلا علل، سقطت المسؤولية أيضًا.
وهنا يبدو المأزق.
لكن التجربة الإنسانية تكشف أن الإنسان ليس آلة ولا فوضى، بل كائن يختار ضمن شروط، ويتحمل المسؤولية بقدر ما يعي اختياره.
الكرامة الإنسانية
إغفال الحرية يحوّل الإنسان إلى ترس في آلة،
والاعتراف بها يجعله صانع غايات لا مجرد منفذ.
ولهذا كانت الحرية جوهر الكرامة الإنسانية،
وكان الوعي الأخلاقي ثمرة هذا الاعتراف.
وفي لغة الصوفية:
" العبد حر إذا عرف، ومأسور إذا جهل "
خاتمة: نحو أخلاق اليقظة
الأخلاق ليست قانونًا فقط، ولا عاطفة فقط، ولا عادة، ولا تابو.
إنها يقظة وعي، تولد حين يتصالح القلب مع العقل، وحين تُستعاد الحرية بوصفها مسؤولية، لا فوضى، ولا جبرًا.
وفي هذا التوازن وحده، يستطيع الإنسان أن يكون إنسانًا.
مراجع
• برتراند رسل: الأخلاق والسياسة في المجتمع
• أفلاطون: محاورة أوثيفرون
• أرسطو: الأخلاق إلى نيقوماخوس
• الغزالي: إحياء علوم الدين
• ابن عربي: الفتوحات المكية
• إيمانويل كانط: نقد العقل العملي
• إريك فروم: الإنسان بين الجوهر والمظهر
