الاعتمادية المشتركة (التعلّق المرضي المشترك)
مقدمة
في قلب العلاقات الإنسانية ثمة مرآة قد تخوننا: نرى فيها ذاتنا من خلال عيون الآخر، فإذا انكسر المرآة ضاعت الحدود، وبدأت الروح تتغذى على غيابها. الاعتمادية المشتركة — أو التعلّق المرضي المشترك (codependency) — ليست مجرد سلوك عابر، بل شكل مترسّخ من التبادل العاطفي المرضي الذي يحوّل العطاء إلى سلاسل تكبّل الذات بدل أن يكون جسراً يربط بين اثنين ناضجين. سنقرأ هنا الظاهرة لغةً وفلسفةً وعلمًا: تعريفًا، جذورًا تاريخية، سمات سريرية، أمثلة واقعية، إحصاءات حديثة، تشخيصًا حدّياً مع اضطرابات الشخصية، وسبل علاج نفسي ودوائي مدعومة بالأدلة.
تعريف وأصول المصطلح
الاعتمادية المشتركة وُصفت تاريخيًا كتجمع للتصرفات التي تجعل من علاقة الفرد بآخرين فضاءً لإشباع حاجاته الوجودية بدلاً من فضاء تبادلي صحي؛ أي: شخص يستمد هويته وقيمته من رعاية أو إنقاذ الآخرين إلى حدٍّ يفقد معه صوابه النفسي. مصطلح «codependency» ترسّخ في السرد المتعلق بمدمني الكحول وعائلاتهم في أواخر السبعينيات والثمانينيات، حين لاحظت مجموعات الدعم مثل Al-Anon ودوائر المدمنين أن من يعيشون مع مدمن غالبًا ما يظهرون أنماط تمكينية تُبقي الإدمان مستمرًا، ومن ثم وسع النقّاد والباحثون مفهوم الاعتمادية ليشمل أنماطًا أسرية ومجتمعية أوسع.
السمات والسلوكيات الأساسية
تتجلى الاعتمادية في بضع صور نفسية متكررة:
• فقدان الحدود: صعوبة قول «لا»، وتحويل القيمة الذاتية إلى رعاية الآخر.
• الحاجة المرضية لتجنب الوحدة والهجران، مع سلوكيات مبالغة لتثبيت العلاقة.
• التضحية المبالغ فيها بالاحتياجات الشخصية مقابل الشعور بالقيمة والقبول.
• الأدوار المنقذة والضحية والمتواطئ: حيث يتقاسم طرفان دورًا فاسدًا يُبقي أحدهما في موقع «المنقذ» والآخر في موقع «المدعوم» (المدمن أو المتقلب عاطفيًا).
هذه الصفات قد تتقاطع سريريًا مع سمات اضطراب الشخصية الاعتمادية (Dependent Personality Disorder) لكن الاعتمادية كمفهوم أوسع تُطبق أحيانًا خارج الإطار التشخيصي الصارم.
النماذج النظرية: من فرويد إلى هورني إلى التعلم الاجتماعي
تتداخل تفسيرات الاعتمادية عبر مدارس نفسية عدة:
• التحليل النفسي والتعلق: حيث تُرى أنماط التعلق المبكرة (وتحديات الأمان/الثقة في الطفولة) كأساس لتشكّل الاعتمادية لاحقًا.
• كارين هورني وصورة «الحركة نحو الآخر»: وصفت أشخاصًا «يتحركون نحو الآخر» لتجنب القلق، فتبدو لهم العلاقة ملجأً من الذات.
• التعلم الاجتماعي: سلوك الاعتمادية يتعلّم ويمارس نتيجة مكافآت اجتماعية (القبول، الامتنان) في البيئات الأسرية المهيمنة، فيتحول إلى نمط سلوكي ثابت.
هذه النظريات تكمل بعضها — التحليل النفسي يفسر الجذر العاطفي، والتعلم الاجتماعي يشرح الحفاظ الإجرائي، ونظريات التعلق تطبع اللغة العاطفية للعلاقة.
أمثلة واقعية
1. سارة وزوجها المدمن: كانت سارة تتولى دفع الفواتير وتبرير غياب زوجها عن الأسرة وخداعه لنيل الاستقرار؛ شعورها بالقيمة ازداد مع كل مشكلة «تحلها»، إلى أن فقدت عملها وعلاقاتها الاجتماعية. هذا مثال كلاسيكي على كيف يصبح الدور المنقذ هو الهوية.
2. وليد وأمه: أم متطلبة عاطفيًا تجعل من ابنها مصدرًا مستمرًا للطمأنة؛ يكتسب الولد مهارات التكيّف بالإنكار وتقديم الذات، ما يحدّ من استقلاله النمائي لاحقًا.
هاتان الحالتان تتوافقان مع نتائج دراسات أظهرت أن أفرادًا في بيئات أسرية مضطربة أو معايير ثقافية تدعم «التضحية» يميلون لنسب أعلى من الاعتمادية.
إحصاءات ودراسات حديثة
من المهم التفريق بين الاعتمادية كمفهوم وظيفي تشخيصي و«اضطراب الشخصية الاعتمادية» كتصنيف تشخيصي رسميّ. تقديرات انتشار اضطراب الشخصية الاعتمادية في المجتمع العام أقل من 1% (تُقدَّر بنحو 0.5–0.6% في دراسات وطنية).
أما دراسات ميدانية في مجموعات محددة فتكشف أرقامًا أكبر: مثلاً دراسة على شابات ألقت نسبة تقريبيّة 25% للاعتمادية في عينة طلّابيّة في مدينة مكسيكو، ودراسات أخرى على ربات بيوت أو مقدمي رعاية أظهرت نسبًا مرتفعة من الأعراض المرتبطة بالاعتمادية، ما يؤشر إلى أن عوامل ثقافية واجتماعية ومهنية تُؤثر بشكل واضح على انتشار السلوكيات الاعتمادية.
التشخيص والحد الفاصل مع اضطراب الشخصية الاعتمادية
الـDSM (والمراجعات السريرية الحديثة) يعرّف اضطراب الشخصية الاعتمادية بمعايير ثابتة تشمل حاجة مفرطة للعناية، صعوبة اتخاذ قرارات دون تأييد الآخرين، وخوف من الهجران. لكن الاعتمادية كظاهرة اقتصادية عاطفيًا ليست دائمًا مكتملة المعايير التشخيصية؛ وغالبًا ما يُرى التداخل مع الاكتئاب والقلق واضطرابات الإدمان. لذلك يجب توخّي الحذر: ليس كلّ من يعطي كثيرًا مريضًا—بل حين يصبح إعطاءه مصدراً للانهيار النفسي والاجتماعي فإننا ندخل حقل المرض.
العلاج: النفسي والدوائي — نهجٌ متعدّد الأوجه
لا يوجد علاج دوائي موحّد مخصّص للاعتمادية بحد ذاتها؛ إنما تُعالَج الاضطرابات المرافقة (اكتئاب، قلق) بأدوية قياسية مثل مثبطات امتصاص السيروتونين (SSRIs) أو أدوية مضادة للقلق عند الحاجة، تحت إشراف طبي. أما العلاج الفعلي للاعتمادية فيعتمد بصورة أساسية على نهج نفسي متعدّد:
1. العلاج المعرفي-السلوكي (CBT): يهدف إلى كشف المعتقدات الأعماقية («لا أستحق» أو «لا أحد سينقذني إلا إذا قدمت كل شيء») وتدريب المريض على مهارات حدودية وصنع قرار واعٍ. أظهرت مراجعات ونماذج تطبيقية أن تدريبات السلوك المعرفي مفيدة لإعادة بناء صورة الذات وتقليل السلوكيات التمكينيّة.
• العلاج الأسري وجلسات الدعم الجماعي: بما أن الاعتمادية غالبًا ما تتضمن أنماطًا عائلية، فإن إشراك الأسرة أو المشاركة في مجموعات دعم (مثل مجموعات المعالِمين أو أسر المدمنين) يساعد على تعديل ديناميكيات الدور ومنح شبكة دعم صحية.
• العلاج النفسي الدينامي والعلاج بالتعلّق: يساعدان على فهم جذور الاعتمادية في الطفولة وعلاقات التعلق، والعمل على إعادة بناء شعور بالأمن الداخلي.
• التدريب على السلطة والحدود Assertiveness training: مهارة عملية حاسمة لتعلم رفض الطلبات غير الصحية والاعتراف بالاحتياجات الشخصية من دون شعور ذنب مفرط.
• التدخل الدوائي: يُستخدم عند وجود اكتئاب أو اضطراب قلق مصاحب؛ هدف الدواء هنا تخفيف الأعراض المباشرة التي تعيق جلسات العلاج النفسي، وليس «علاج الاعتمادية» بنفسها.
تحديات التعافي ومسار التعافي الصحي
التعافي من الاعتمادية ليس خطيًا: قد ينتقل البعض من «المفرط في العطاء» إلى «مفرط في الأنانية» إذا تعالج نمط الضحية بشدة دون توازن. المهمة العلاجية إذًا ليست خلق عكس مريض، بل استعادة الاعتدال: ثقة متزنة، حدود واضحة، ومسؤولية متبادلة. المفتاح هو العمل على الوعي الذاتي، التسامح، والمضيّ في إقامة شبكة اجتماعية تدعم الاستقلالية بدلاً من استغلالها.
خاتمة
الاعتمادية المشتركة ظاهرة متعددة الأوجه: فلسفية في سؤالها عن الذات والهوية، اجتماعية في بنيتها الأسرية والثقافية، ونفسية وطبّية عندما تُسبّب معاناة وظيفية أو اضطرابات مصاحبة. العلم المعاصر يقدّم لنا أدوات تشخيصية وعلاجية فعالة — لكن الأهم هو لغة العلاقة نفسها: أن نعلّم الناس أن يكونوا «مع» بعضهم لا أن يعيشوا «من خلال» بعضهم. التعافي ليس إسدالًا لدرع جديد، بل بناء لحدودٍ تنير سقف السلام الداخلي.
